النكبة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني عام 1948 لا تغيب عن المشهد السياسي على امتداد الأيام والسنوات ولا تقف حدودها عند أحداث جرت في ذلك العام وأتى عليها قانون التقادم. في ذلك العام ارتكبت التشكيلات العسكرية (الهاجاناه، شتيرن وليحي) التي أقامتها الوكالة اليهودية والحركة الصهيونية عديد المجازر (70 مجزرة وعملية قتل جماعي) وهدمت عديد البلدات والقرى الفلسطينية (531 بلدة وقرية) وشردت مئات آلاف الفلسطينيين من وطن عاشوا فيه آلاف السنين (750 ألف فلسطيني).
تلك المجازر وعمليات الهدم والتشريد والتهجير لم تكن بنت اللحظة في خضم أحداث الحرب، بل هي جرت في سياق خطة كانت الوكالة اليهودية وجهازها العسكري الرسمي (الهاجاناه) قد أعدتها سلفا وباشرت تنفيذها قبل ان تبدأ قوات الانتداب البريطاني انسحابها من فلسطين، فيما عرف بخطة (دالت). وُضعت الصيغة النهائية للخطة وتمت الموافقة عليها في أوائل مارس 1948، وتم تعميمها على قادة الألوية في الهاغاناه في العاشر من الشهر نفسه 1948. أما التنفيذ فقد بدأته «الهاغاناه» في أوائل شهر ابريل، وشملت العمليات سلسلة من الهجمات لاحتلال المدن والقرى العربية، وتهجير الفلسطينيين.
في حينه كانت الوكالة اليهودية قد استكملت بناء مكونات دولتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية برعاية كاملة من سلطات الانتداب البريطاني، وتوافرت لديها قيادة سياسية وعسكرية ميدانية فعالة على الأرض، وتمكنت من الحصول على صفقات أسلحة نوعية أعطتها مزايا متفوقة في القتال، كحصولها على 24 طائرة حربية بريطانية، وعلى كمية ضخمة من الأسلحة التشيكية بينها 40 طائرة مقاتلة، وعلى ثلاث طائرات قاذفة أمريكية.
ما الذي انطوت عليه تلك الخطة: كانت الخطة، التي يعود الفضل في الكشف عنها الى البروفيسور وليد الخالدي، الذي رحل عن عالمنا في الثامن من مارس الماضي، تقوم على مبدأ التطهير العرقي والإبادة كهدف مركزي من أهدافها، بتوجيهات صارمة وتفصيلية، تدعو من دون رحمة إلى القتل ودب الرعب ومحاصرة المدن والقرى الفلسطينية وحرق البيوت والممتلكات وزرع الألغام وسط الأنقاض لمنع الأهالي من العودة الى بيوتهم، وحددت المدن والبلدات الفلسطينية المستهدفة، وقدمت تعليمات حول كيفية طرد سكانها وتدمير مجتمعاتها. دعت الخطة إلى تدمير القرى (حرقها وتفجيرها وزرع الألغام في أنقاضها)، ولا سيما المراكز السكانية التي يصعب السيطرة عليها باستمرار وشن عمليات بحث وتفتيش وفقًا للتوجيهات الآتية: تطويق القرية وتفتيشها من الداخل. وفي حال المقاومة، يجب القضاء عليها وطرد السكان خارج حدود الدولة.
كان البروفيسور وليد الخالدي بارا بفلسطين وأهلها في كشفه عن الجريمة. أما الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش فاستحضر الجريمة بقوله: سرقت دموعنا يا ذئب. بهذه الكلمات المعبرة لخص سياسة دولة اسرائيل منذ اللحظات الاولى لقيامها وما ترتب على ذلك من نكبة حلت بالشعب الفلسطيني ولا تزال فصولها تتوالى منذ عام 1948. دولة قامت على الارهاب وعلى جرائم التهجير والتطهير العرقي وطرد شعب من ارض آبائه وأجداده على أيدي كيان متوحش ملأ الدنيا ضجيجا منذ بداياته ضد ما يسميه الإرهاب، واستنكر على الضحية أن تتمرد على شروط قتلها.
وعندما كشفت إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي عن بعض الوثائق من أرشيف الدولة، وأرشيف الوكالة اليهودية ومنظماتها في فلسطين الانتدابية قبيل النكبة الفلسطينية وأثناءها وفي السنوات التالية لتأسيسها، بدأت الحقائق تتكشف. وكانت تلك فرصة ثمينة لعدد ممن أصبحوا يعرفون بالمؤرخين الجدد في اسرائيل أمثال بيني موريس وآفي شلايم، وإيلان بابيه وشلومو زاند وغيرهم؛ للبحث في نكبة الشعب الفلسطيني وما رافقها من مجازر شكلت القاعدة الأساس لسياسة الترحيل والتهجير والتطهير العرقي، التي رافقت نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948. كان دخول المؤرخين الجدد في إسرائيل على الخط فاتحة توجّه لدى بعض الإسرائيليين، الذين أخذوا يشككون في الرواية الصهيونية. وقدمت هذه العملية المحدودة العون كذلك لنشاط جمعيات أهلية إسرائيلية كجمعية «زوخروت» اليهودية المختصة بالرواية التاريخية الفلسطينية وأطلقت من دون شك بواكير عمل تأريخي جديد، في مواجهة التيار الإسرائيلي المركزي، الذي كان ومازال يرفض الرواية الفلسطينية عن النكبة. جن جنون قادة دولة اسرائيل والحركة الصهيونية وعادت عملية التعتيم والتكتم على أرشيف الدولة وأرشيف الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية بعد أن تم توجيه التهمة للمؤرخين الجدد بأنهم ذبحوا البقرة المقدسة.
وفي هذا الشأن لا بد من الاعتراف أننا تأخرنا كثيرا، بل قصرنا في تقديم روايتنا عن النكبة كما جرت للعالم، باعتبارها الفيصل بين الحقائق والأكاذيب والدليل القاطع على ما خططت له الصهيونية من جرائم تم ارتكابها، الأمر الذي سمح فترة غير قصيرة لرواج الرواية الإسرائيلية، التي ادعت أن سكان فلسطين غادروا قراهم وبلداتهم ومنازلهم استجابة لنداءات من الخارج. وقد تأخر العالم في سماع روايتنا بقدر ما تأخرنا نحن في طرحها.
وقد تغير الوضع في السنوات الأخيرة وخاصة بعد جرائم الحرب المروعة وجرائم الابادة الجماعية، التي ارتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة بعد الثامن من اكتوبر الماضي 2023. وفي جرائم الإبادة هذه جاء من يحمل روايتنا إلى العالم بشرارة أطلقتها جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة وامتدت لتغطي مئات الجامعات في هذا العالم، وبخطوة جريئة من جمهورية جنوب افريقيا جلبت دولة اسرائيل إلى قفص الاتهام في محكمة العدل الدولية، وهي رواية حطمت عددا من «أصنام العبادة» وقدمت اسرائيل كما هي، دولة تعيش على الحروب والجرائم في المنطقة ولكنها ليست دولة من دول المنطقة، فهي دولة وظيفية فحسب.
لقد تغير الوضع فعلا، وبدأ عديد قادة العالم تحت ضغط الرأي العام وخاصة في الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، يتحدث من دون حسابات مسبقة عن النكبة وجرائم الحرب، التي ترتكبها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
الآن ونحن ندخل عاما جديدا من أعوام النكبة الفلسطينية نلاحظ التحول في موقف الرأي العام العالمي. ومن أبرز المؤشرات على ذلك القرار الأممي مطلع ديسمبر عام 2022 بتحديد الخامس عشر من مايو يوما تحيي فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة على مستوى رفيع مرور ذكرى نكبة فلسطين. هذا التحول كان نتيجة طبيعية لصمود أهلنا في مناطق الـ48 في وجه العدوان ومحاولة الأسرلة وثباتهم في أرضهم كأقلية قومية حافظت على قضيتها وعلى وجودها في ارضها، وثانيا بفعل الاشتباك المتواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة بعدوان يونيو 1967 وما يصاحبه من جرائم حرب اسرائيلية وسياسة تمييز وفصل عنصري تغذيها سياسة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية، وبفعل استعادة مخيمات اللجوء والشتات في دول الجوار لدورها كرافعة كفاحية من أجل استرداد الحقوق تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، ما ساعد في الحفاظ على قضية اللاجئين حية وعلى حق اللاجئين في العودة، هذا الحق الذي لا يموت بالتقادم رغم كل الاجراءات التي تتخذها كل من الولايات المتحدة الامريكية ودولة اسرائيل ضد وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين (أونروا).
وتبقى هنا مهمة الحفاظ على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وتمكينها من القيام بدورها وتقديم خدماتها في مختلف المجالات الصحية والتربوية والاجتماعية والإنسانية وكشاهد على حق وطني وفردي وجماعي، مهمة وطنية يجب التمسك بها كموقف وطني ثابت في مواجهة محاولات تصفية أعدل قضية في تاريخ البشرية.
{ عضو المكتب السياسي للجبهة
الديمقراطية لتحرير فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك