يمكن القول إن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بين عامي 2003 و2026، لم يتجه نحو الاستقرار ولا نحو الفوضى العارمة، بل اتجه نحو حالة ثالثة: استقرار غير مكتمل. في هذه الحالة، تتعايش أشكال مختلفة من القوة والضعف، والكيانات الحكومية وغير الحكومية، والردع والهشاشة، لكن لا يترسخ أي منها كإطار حكم نهائي.
إن مفترق طرق عام 2026، بما يحمله من إرث متراكم من الحروب المفتوحة وتداخل ساحات الصراع الممتدة من غزة إلى إيران، يثير تساؤلًا أعمق بكثير من مجرد تقييم أداء السياسة الأمريكية: كيف يمكن فهم مستقبل القوة الأمريكية في منطقة لم يعد بالإمكان اختزالها إلى نموذج الهيمنة التقليدي، أو حتى إلى إدارة توازنات القوى المستقرة؟
إن ما يتضح تدريجيًا هو أن الولايات المتحدة لم تعد تواجه «منافسًا» بالمعنى الكلاسيكي؛ بدلًا من ذلك، تواجه المنطقة بيئة استراتيجية جديدة تتسم بتعدد مراكز صنع القرار، وتفتت احتكار القوة، وتضاؤل القدرة على التوصل إلى حل سياسي يتحقق بالوسائل العسكرية وحدها.
في هذه البيئة الإقليمية الجديدة، تتحول القوة الأمريكية إلى قوة إدارية أكثر منها قوة تأسيسية. فهي تدير الأزمات بدلًا من إنهائها، وتنظم وتيرة الأحداث بدلًا من فرضها، وتؤثر في النتائج دون السيطرة الكاملة عليها.
يستلزم هذا التحول إعادة تعريف جذرية لمفهوم الاستراتيجية نفسه. فبدلًا من منطق الهيمنة - الذي ساد العقود التي سبقت عام 2003- أو منطق إعادة التوازن – الذي ساد من عام 2011 إلى عام 2023- تتبلور الآن ملامح منطق ثالث، يمكن تسميته «إدارة الأزمات». يقوم هذا المنطق على إدراك أن المنطقة لم تعد قابلة لإعادة التشكيل الخارجي، وأن أقصى ما يمكن أن تحققه القوة الخارجية هو التأثير في مسارات محددة للأزمات القائمة، بدلًا من تصميم البنية العامة للنظام الإقليمي.
في هذا السياق، تتبلور ثلاثة اختيارات استراتيجية محتملة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. يتمثل الاختيار الأول في مواصلة نهج التدخل الانتقائي، حيث تحافظ واشنطن على وجود عسكري محدود، وتواصل إدارة تحالفاتها التقليدية، مع الامتناع عن الشروع في مشاريع إعادة تشكيل واسعة النطاق. يتوافق هذا الاختيار بدرجة كبيرة مع الواقع الراهن، إلا أنه ينطوي على خطر تآكل النفوذ تدريجيًا ما لم يقترن برؤية سياسية واضحة لإدارة النزاعات الإقليمية.
أما الاختيار الثاني، فهو انسحاب نسبى منظم، أي تقليص كبير في الوجود العسكري والسياسي، مصحوب بنقل جزء من مسؤوليات الأمن الإقليمي إلى الشركاء الشرق أوسطيين. إلا أن هذا المسار يصطدم بحقيقة أن معظم الفاعلين الإقليميين غير قادرين، منفردين، على إرساء نظام استقرار مستدام ذاتي التنظيم دون دعم خارجي، وهو ما يجعل هذا الخيار محفوفًا بمخاطر غياب التوازن.
أما الاختيار الثالث، وهو الأكثر طموحًا وتحديًا من بين المسارات الثلاثة، فيتضمن إعادة بناء إطار إقليمي للأمن الجماعي تشارك فيه قوى عربية رئيسية. وسيعمل هذا الإطار من خلال ترتيبات تدريجية مصممة لإدارة النزاعات، والحد من احتمالية نشوب حرب مفتوحة، وإنشاء آليات للإنذار المبكر والتنسيق الأمني. ورغم العقبات السياسية التي تواجهه، يمثل هذا الاختيار الفرصة الوحيدة المتاحة لتقليل احتمالية تجدد التوترات الإقليمية على المدى الطويل.
مع ذلك، لا يمكن النظر إلى أي من هذه الاختيارات بمعزل عن التحولات الهيكلية الأوسع نطاقًا التي يشهدها النظام الدولي. لم يعد التنافس مع الصين مجرد منافسة اقتصادية، بل أصبح إطارًا تنظيميًا لإعادة توزيع أولويات الولايات المتحدة عالميًا. ونتيجة لذلك، لم يعد الشرق الأوسط يحتل المكانة المركزية في الاستراتيجية الأمريكية التي كان يتمتع بها في العقود الماضية، بل أصبح أحد المسارح العديدة التي تُوزَّع عليها الموارد والاهتمام.
وقد لا يعني هذا التحول تراجعًا في أهمية المنطقة، بل إعادة تعريف لتلك الأهمية: من كونها مركزًا استراتيجيًا للهيمنة إلى كونها ساحة لإدارة المخاطر. في ظل هذا النموذج الجديد، يصبح الهدف الرئيسي للسياسة الأمريكية هو منع التصعيدات الكبرى، وضمان استمرار تدفق الطاقة، وحماية الشركاء الرئيسيين، كل ذلك دون الانخراط في مشاريع تهدف إلى تغيير سياسي شامل.
في المقابل، تواجه المنطقة نفسها تحديًا موازيًا لا يقل تعقيدًا. لم يُفضِ النظام متعدد الأقطاب الناشئ إلى نظام مستقر، بل خلق حالة من عدم الاستقرار المنظم، حيث تتعايش حروب محدودة مع خفض مؤقت للتصعيد، وتتغير التحالفات باستمرار، وتبقى الحدود بين الحرب والسلام غير واضحة. ويتطلب التغلب على هذا الوضع الإقليمي الصعب تجاوز ثلاث عقبات رئيسية: استمرار منطق الصراع القائم على مبدأ المحصلة الصفرية بين القوى الإقليمية، وغياب الثقة بين الأطراف المعنية، والاعتماد المفرط على القوى الخارجية بوصفها ضامنًا نهائيًا للأمن.
ويتطلب التغلب على هذه العقبات انتقالًا تدريجيًا من منطق التحالفات الثنائية الجامدة إلى منطق شبكات الأمن المرنة، ومن منطق الردع المتبادل إلى منطق إدارة الترابط المتبادل. ولا يمكن فرض هذا الانتقال من الخارج، بل يجب أن يتبلور إقليميًا من خلال تراكم الخبرة السياسية وإدراك التكاليف المترتبة على استمرار الصراعات المفتوحة.
في ضوء ذلك، يمكن فهم مستقبل العلاقة المرغوب بها بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط على أنه انتقال من نموذج المركز والأطراف إلى نموذج الشبكة متعددة المراكز.
في هذا النموذج الأخير، لا تمتلك أي قوة بمفردها القدرة على فرض النظام الإقليمي؛ بدلًا من ذلك، تتشارك مجموعة من الفاعلين في مهمة حل الأزمات وتخفيف المخاطر، حتى وإن تعذر القضاء عليها تمامًا.
لم تعد القوة العسكرية كافية وحدها لبناء نظام إقليمي مستقر، ولم يعد ممكنًا حل أزمات الشرق الأوسط عبر عمل عسكري حاسم أو تدخلات واسعة النطاق، ولم يعد أمامنا سوى إدارة تفاعلات إقليمية ودولية معقدة بين الدول وجهات أخرى، بحثًا عن خفض التوترات والمخاطر إن تعذر إنهاء الصراع.
{ مدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك