قبل أيام، أعلنت وزارة الداخلية الكشف عن تنظيم إرهابي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه، والقبض على عدد من عناصره داخل البحرين، إلى جانب أشخاص موجودين في إيران منتمين للتنظيم ذاته. وإذا كان تأسيس جماعة إرهابية والتخابر مع دولة معادية ومنظمات إرهابية وجمع الأموال لتمويل الإرهاب، يُعد من أخطر الأفعال المجرمة قانوناً، فإن الخطورة لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى الصورة الأعمق التي كشفتها الواقعة وهي محاولة اختراق المجتمع من داخله، والتوغل في مؤسساته الدينية والاجتماعية والخيرية، واستغلال مفاصل العمل المجتمعي لاختطاف إرادة المواطن ونشر الولاء للخارج على حساب الولاء الوطني.
غير أن البعد الأشد خطورة في هذه الواقعة لا يتمثل في التنظيم الإرهابي ذاته فحسب، وإنما في الأساليب التي يتبعها في ارتكاب الجرائم ومن أبرزها غسل العقول، وإعادة تشكيل الوعي، تمهيداً لاختطاف الولاء من جذوره.
فنحن هنا لا نقف أمام جرائم تنتهي عند حدود الفعل المادي الظاهر، بل أمام محاولة منظمة لصناعة قابلية داخلية للتبعية والاختراق، وتحويل بعض المساحات الدينية والاجتماعية والخيرية من أدوات بناء وتكافل إلى قنوات تمرير لمشروع عدواني خارجي.
وفي هذا الموضع تحديداً يمكن أن نرى جانباً من الشبه بين جريمة غسل الأموال وأسلوب غسل العقول. ففي غسل الأموال، يمر المال الملوث عبر قنوات تبدو في ظاهرها مشروعة حتى يكتسب غطاءً قانونيًا أو تجاريًا يضفي عليه طابع المشروعية. وكذلك الحال في غسل العقول؛ إذ لا يظهر الارتباط الخارجي دائمًا في صورة صريحة أو معلنة، بل قد يتسلل عبر خطاب ديني، أو نشاط خيري أو اجتماعي، يبدو في ظاهره وكأنه ممارسة طبيعية، بينما تكون وظيفته الحقيقية إعادة تشكيل الانتماء، وتحويل الولاء من رابطة وطنية إلى تبعية موجهة لمعاداة الدولة وسلب الإرادة الوطنية، وتحويل المواطن من صاحب انتماء حر إلى أداة في مشروع عدواني خارجي.
وقد بدا واضحاً أن وزارة الداخلية، بيقظتها الأمنية وجاهزيتها الاستباقية، كانت حاضرة في مواجهة هذا الخطر المركّب، فتعاملت معه في عمقه لا في مظاهره فحسب، إذ لم تقف الجهود الأمنية عند حدود ضبط المتهمين أو الأموال أو الأدوات، بل امتدت إلى كشف مشروع يستهدف صناعة بيئة فكرية داعمة للإرهاب، واختطاف العقول والفكر، والمساس بأمن مملكة البحرين واستقرارها وسلامة نسيجها المجتمعي.
وجاءت كلمة معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في هذا الشأن لتؤكد هذا المعنى في إطار أوسع، حين وضعت المسألة في سياقها الحقيقي باعتبارها امتدادًا لمشروع سياسي عابر للحدود يستغل الخطاب الديني والاجتماعي لإنتاج ولاء بديل يتجاوز الدولة الوطنية.
وهذا هو جوهر الخطر؛ لأن الجريمة يمكن مواجهتها حين تظهر في صورة فعل مادي واضح، غير أن التحدي يصبح أكثر تعقيداً عندما تتحول الجريمة إلى مشروع يستهدف تشكيل الوعي، وإعادة بناء الانتماء، وصناعة قابلية داخلية للتبعية والاختراق.
وهنا يجب تأكيد ضرورة التمييز بين الممارسة المشروعة للحقوق والحريات، التي تتم ضمن إطار دستوري ثابت يصون الحقوق والحريات ويكفل حرية الضمير وحرمة دور العبادة وحرية ممارسة الشعائر والمواكب والاجتماعات الدينية طبقًا للعادات المرعية في البلد، واستغلالها من قبل البعض كغطاء للتخابر أو تمويل الإرهاب أو اختطاف الفكر؛ فصيانة الأمن الوطني لا تنفصل عن حماية هذه الحريات من التوظيف المنحرف، ولا عن منع تحويل المساحات الدينية والاجتماعية والخيرية إلى أدوات لاختراق الولاء الوطني وارتكاب الجرائم.
وفي مقابل ما تلجأ إليه بعض الدول، أحياناً، عند تعاملها مع الجرائم المهددة للأمن الوطني والسلم المجتمعي من إجراءات غير اعتيادية قد تثير إشكالات قانونية وحقوقية، نجد أن الإجراءات التي تتخذها مملكة البحرين في مواجهة هذه الجرائم الخطيرة؛ تتم في إطار التزام راسخ بدولة المؤسسات والقانون، وضمن مسار منظم يراعي الضمانات الدستورية وقواعد حماية حقوق الإنسان والمجتمع وضمانات المحاكمة العادلة، ومن هنا تتجلى أهمية النموذج البحريني وتفرده في أنه يجمع بين اليقظة الأمنية والحزم القانوني والانضباط الحقوقي، بما يحفظ للدولة هيبتها، وللمجتمع أمنه، وللإنسان كرامته.
وعليه، نرى اليوم أن المعالجة القانونية لا ينبغي أن تقف عند حدود تجريم أفعال التخابر وتأسيس التنظيمات الإرهابية والتحريض على زعزعة استقرار وأمن الدولة وتمويل الإرهاب، وإنما يتعين أن تمتد إلى الأفعال التي تستهدف اختطاف الولاء، أو زعزعة الانتماء الوطني، أو غسل العقول، أو غرس أفكار معادية لمملكة البحرين، متى تمت من خلال تنظيم إرهابي أو بارتباط خارجي أو باستغلال مؤسسات دينية أو اجتماعية أو خيرية أو غيرها من مفاصل العمل المجتمعي.
وفضلاً عن ذلك ينبغي أن يكون استخدام هذه المؤسسات والمجالات، في تمرير الولاء الخارجي أو جمع الأموال أو تبرير الإرهاب أو تسييس الخطاب الديني والاجتماعي، ظرفًا مشددًا للعقاب في الجرائم التي تنتج عن ذلك؛ لأن الجريمة هنا إلى جانب كونها تمس أمن الوطن ووحدته فإنها كذلك تمثل خيانة للثقة العامة، وتحوّل أدوات البناء المجتمعي إلى قنوات لغسل العقول واختطاف الولاء وتمويل الإرهاب.
ختاماً، لا بد من القول إن أخطر ما في هذا النوع من الإرهاب أنه لا يطرق الباب دائما بسلاح ظاهر، بل قد يدخل من نافذة الثقة، ومن لغة الخير، ومن قداسة المنبر، ومن هنا تصبح المواجهة القانونية المطلوبة أعمق من ملاحقة الجريمة بعد وقوعها؛ وتغدو مواجهة لمن يحاول صناعة الجريمة في العقول قبل أن تقع على أرض الواقع، ولمن يسعى إلى اختطاف الولاء وتحويله من رابطة وطنية عظيمة إلى تبعية مفروضة لمشروع عدواني خارجي.
فالولاء الوطني ليس عبارة تُقال في أوقات السلم، بل موقف يُختبر عند الخطر، وحين يصبح الولاء هدفًا للاختطاف، والعقول مجالًا للغسل والتضليل، يتعين أن تكون المواجهة أمنية وقانونية وفكرية ومجتمعية ووطنية شاملة، غايتها أن يبقى الوطن هو مركز الانتماء، وأن تظل البحرين، بقيادتها وشعبها الوفي ومؤسساتها عصيّة على كل محاولات الاختراق.
{ أستاذ القانون الجنائي
المساعد - جامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك