العدد : ١٧٥٨٥ - السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٥ - السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

لماذا تقلق إسرائيل من اتفاق أمريكي إيراني؟

بقلم: حسام أبو حامد

السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬دخول‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ - ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ (‬8‭ ‬إبريل‭ ‬2026‭)‬،‭ ‬سعى‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬طمأنة‭ ‬الجمهور‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بالقول‭ ‬إنّ‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬تنسيقاً‭ ‬كاملاً‮»‬‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬وإنّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬مستعدّة‭ ‬للسيناريوهات‭ ‬كلّها‮»‬‭.‬

ويكشف‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات،‭ ‬مع‭ ‬احتمالات‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬أمريكي‭ - ‬إيراني،‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬داخل‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭. ‬ولا‭ ‬تتعلّق‭ ‬المسألة‭ ‬بتفاصيل‭ ‬الاتفاق‭ ‬المحتمل،‭ ‬بل‭ ‬تتعدّاه‭ ‬إلى‭ ‬قلقٍ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تقرّر‭ ‬واشنطن،‭ ‬نهائياً،‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة،‭ ‬فتجد‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرّةً‭ ‬إلى‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬تسوية‭ ‬لا‭ ‬ترضيها‭ ‬بالكامل‭.‬

ولا‭ ‬يبدو‭ ‬نتنياهو،‭ ‬الذي‭ ‬بنى‭ (‬مبكّراً‭) ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬خطابه‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬خطراً‭ ‬وجودياً،‭ ‬مرتاحاً‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬قد‭ ‬يحقّق‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬بتقييد‭ ‬التخصيب‭ ‬أو‭ ‬تشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬الدولية‭. ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬المشكلة،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬الاحتلال،‭ ‬في‭ ‬الملفّ‭ ‬النووي‭ ‬وحده‭. ‬

وتكشف‭ ‬وسائل‭ ‬إعلام‭ ‬إسرائيلية‭ ‬أنّ‭ ‬قلق‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬رئيسة‭: ‬أولها‭ ‬أنّ‭ ‬المفاوضات‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬برنامج‭ ‬الصواريخ‭ ‬الباليستية‭ ‬الإيراني‭ ‬أولوية‭ ‬كافيةً،‭ ‬وهو‭ ‬الملفّ‭ ‬الذي‭ ‬تعدّه‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭. ‬

وثانيها‭ ‬أنّ‭ ‬الاتفاق‭ ‬المحتمل‭ ‬لا‭ ‬يتضمّن‭ ‬تفكيك‭ ‬شبكة‭ ‬حلفاء‭ ‬إيران‭ ‬الإقليميين‭ (‬حزب‭ ‬الله‭ ‬خصوصاً‭). ‬والأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬هو‭ ‬العنصر‭ ‬الثالث،‭ ‬ويتمثّل‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تحقّق‭ ‬أهدافها‭ ‬المُعلَنة‭.‬

إن‭ ‬أيّ‭ ‬اتفاق‭ ‬وشيك‭ ‬قد‭ ‬يحرّر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬رقبة‭ ‬قيود‭ ‬فرضت‭ ‬عليه‭ ‬طويلاً،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬طهران‭ ‬وقتاً‭ ‬تعيد‭ ‬فيه‭ ‬ترميم‭ ‬بناها‭ ‬التحتية،‭ ‬ونظامها‭ ‬السياسي،‭ ‬وحلفائها،‭ ‬بينما‭ ‬راهنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬العقوبات‭ ‬والحرب‭ ‬ستقودان‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬إنهاك‭ ‬تاريخية،‭ ‬يتغيّر‭ ‬معها‭ ‬شكل‭ ‬النظام‭ ‬أو‭ ‬يتقلّص‭ ‬نفوذه‭ ‬الإقليمي‭ ‬جذرياً‭. ‬

بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تبدو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬اعترافاً‭ ‬أمريكياً‭ ‬بأنّ‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لاعباً‭ ‬إقليمياً‭ ‬رئيساً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه،‭ ‬وأنّ‭ ‬سياسة‭ ‬الضغوط‭ ‬القصوى‭ ‬والحروب‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تحييده‭. ‬

وفي‭ ‬لبنان،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬المعركة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬سياسي‭ ‬وأمني‭ ‬دائمَين،‭ ‬يخشى‭ ‬نتنياهو‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬تفاهم‭ ‬أمريكي‭ - ‬إيراني‭ ‬فرض‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‭ ‬بصيغتها‭ ‬القديمة،‭ ‬ما‭ ‬يحدّ‭ ‬حرية‭ ‬عمل‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬التي‭ ‬وفّرتها‭ ‬الحرب‭ ‬أخيراً‭.‬

يبدو‭ ‬القلق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مبرّراً،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬أنّ‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لم‭ ‬تقدّم‭ ‬حربها‭ ‬المشتركة‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بوصفها‭ ‬مواجهةً‭ ‬عسكريةً‭ ‬محدودة،‭ ‬بل‭ ‬قدّمتها‭ ‬لحظةً‭ ‬تاريخيةً‭ ‬لإعادة‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتغيير‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

لذا‭ ‬فإنّ‭ ‬أيّ‭ ‬استمرار‭ ‬المفاوضات‭ ‬يعني‭ ‬تبديداً‭ ‬لاستثمار‭ ‬سياسي‭ ‬عسكري‭ ‬مكلف‭ ‬طوال‭ ‬40‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬والاغتيالات‭ ‬والتصعيد،‭ ‬ما‭ ‬يُصعّب‭ ‬على‭ ‬نتنياهو‭ ‬إقناع‭ ‬جمهوره‭ ‬بأنّ‭ ‬طاولة‭ ‬التفاوض‭ ‬هدف‭ ‬بديل‭ ‬من‭ ‬النصر‭ ‬الكامل‭ ‬أو‭ ‬يوازيه‭.‬

هنا‭ ‬تصطدم‭ ‬بروباغاندا‭ ‬نتنياهو‭ ‬التي‭ ‬وصفت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالحليف‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬وترامب‭ ‬بالرئيس‭ ‬الأكثر‭ ‬تشدّداً‭ ‬تجاه‭ ‬إيران،‭ ‬بواقع‭ ‬تغليب‭ ‬ترامب‭ ‬منطق‭ ‬الصفقات‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬التحالفات‭ ‬العقائدية،‭ ‬فلا‭ ‬يتردّد‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬اتفاق‭ ‬يمنحه‭ ‬إنجازاً‭ ‬سريعاً،‭ ‬ويخفّض‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب‭ ‬وأسعار‭ ‬النفط،‭ ‬في‭ ‬انتصارٍ‭ ‬لرجل‭ ‬الصفقات‭ ‬على‭ ‬رجل‭ ‬الحروب‭ ‬الطويلة‭. ‬

وفي‭ ‬مستوى‭ ‬الدولة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬العميقة‭ ‬على‭ ‬الأقلّ،‭ ‬ومهما‭ ‬بلغ‭ ‬التقارب‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ذروته،‭ ‬فإنّها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬دولة‭ ‬تدير‭ ‬مصالح‭ ‬عالمية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الحسابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المباشرة؛‭ ‬معنية‭ ‬بأسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬وبمنع‭ ‬انفجار‭ ‬إقليمي‭ ‬مفتوح،‭ ‬وبضبط‭ ‬التوتّر‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬ملفّات‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬أولوية‭. ‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أنّ‭ ‬احتواء‭ ‬إيران‭ ‬عبر‭ ‬التفاوض‭ ‬أقلّ‭ ‬كلفةً‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬كسرها‭ ‬بالكامل‭ ‬بحرب‭ ‬طويلة،‭ ‬أثبتت‭ ‬جولاتها‭ ‬الأولى‭ ‬أنّها‭ ‬غير‭ ‬مضمونة‭ ‬النتائج‭. ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬نتنياهو‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬نتيجة‭ ‬قاسية‭: ‬خروج‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬لاعباً‭ ‬قابلاً‭ ‬للتفاوض،‭ ‬لا‭ ‬دولة‭ ‬منهارة‭ ‬أو‭ ‬معزولة‭ ‬كما‭ ‬اشتهت‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭.‬

إنّ‭ ‬اتفاقاً‭ ‬ينهي‭ ‬إمكانية‭ ‬استئناف‭ ‬حرب‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬فاقع،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬اعتراف‭ ‬ضمني‭ ‬بفشل‭ ‬استراتيجي‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وصحفي‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا