منذ دخول وقف إطلاق نار الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران حيّز التنفيذ (8 إبريل 2026)، سعى بنيامين نتنياهو إلى طمأنة الجمهور الإسرائيلي بالقول إنّ هناك «تنسيقاً كاملاً» مع إدارة ترامب، وإنّ إسرائيل «مستعدّة للسيناريوهات كلّها».
ويكشف تكرار هذه التصريحات، مع احتمالات التوصّل إلى اتفاق أمريكي - إيراني، حجم القلق داخل دولة الاحتلال. ولا تتعلّق المسألة بتفاصيل الاتفاق المحتمل، بل تتعدّاه إلى قلقٍ من أن تقرّر واشنطن، نهائياً، الانتقال من منطق الحرب إلى منطق إدارة الأزمة، فتجد إسرائيل نفسها مضطرّةً إلى التكيّف مع تسوية لا ترضيها بالكامل.
ولا يبدو نتنياهو، الذي بنى (مبكّراً) جزءاً أساسياً من خطابه السياسي على اعتبار البرنامج النووي الإيراني خطراً وجودياً، مرتاحاً إلى اتفاق قد يحقّق جانباً من هذا الهدف بتقييد التخصيب أو تشديد الرقابة الدولية. فلم تكن المشكلة، بالنسبة إلى رئيس وزراء الاحتلال، في الملفّ النووي وحده.
وتكشف وسائل إعلام إسرائيلية أنّ قلق الحكومة الإسرائيلية يقوم على ثلاثة عناصر رئيسة: أولها أنّ المفاوضات لا تمنح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أولوية كافيةً، وهو الملفّ الذي تعدّه تل أبيب تهديداً مباشراً.
وثانيها أنّ الاتفاق المحتمل لا يتضمّن تفكيك شبكة حلفاء إيران الإقليميين (حزب الله خصوصاً). والأكثر حساسية هو العنصر الثالث، ويتمثّل في أنّ الحرب نفسها لم تحقّق أهدافها المُعلَنة.
إن أيّ اتفاق وشيك قد يحرّر الاقتصاد الإيراني من رقبة قيود فرضت عليه طويلاً، ما يمنح طهران وقتاً تعيد فيه ترميم بناها التحتية، ونظامها السياسي، وحلفائها، بينما راهنت إسرائيل على أنّ العقوبات والحرب ستقودان إيران إلى لحظة إنهاك تاريخية، يتغيّر معها شكل النظام أو يتقلّص نفوذه الإقليمي جذرياً.
بهذا المعنى، تبدو العودة إلى التفاوض اعترافاً أمريكياً بأنّ إيران لا تزال لاعباً إقليمياً رئيساً لا يمكن تجاوزه، وأنّ سياسة الضغوط القصوى والحروب غير المباشرة لم تنجح في تحييده.
وفي لبنان، حيث كانت إسرائيل تقترب من تحويل المعركة مع «حزب الله» إلى واقع سياسي وأمني دائمَين، يخشى نتنياهو من أن يعيد تفاهم أمريكي - إيراني فرض قواعد الاشتباك بصيغتها القديمة، ما يحدّ حرية عمل جيش الاحتلال التي وفّرتها الحرب أخيراً.
يبدو القلق الإسرائيلي مبرّراً، وخصوصاً أنّ الحكومة الإسرائيلية لم تقدّم حربها المشتركة على إيران بوصفها مواجهةً عسكريةً محدودة، بل قدّمتها لحظةً تاريخيةً لإعادة رسم ملامح الشرق الأوسط، وتغيير موازين القوى في المنطقة.
لذا فإنّ أيّ استمرار المفاوضات يعني تبديداً لاستثمار سياسي عسكري مكلف طوال 40 يوماً من القصف والاغتيالات والتصعيد، ما يُصعّب على نتنياهو إقناع جمهوره بأنّ طاولة التفاوض هدف بديل من النصر الكامل أو يوازيه.
هنا تصطدم بروباغاندا نتنياهو التي وصفت الولايات المتحدة بالحليف الاستراتيجي، وترامب بالرئيس الأكثر تشدّداً تجاه إيران، بواقع تغليب ترامب منطق الصفقات على منطق التحالفات العقائدية، فلا يتردّد في قبول اتفاق يمنحه إنجازاً سريعاً، ويخفّض كلفة الحرب وأسعار النفط، في انتصارٍ لرجل الصفقات على رجل الحروب الطويلة.
وفي مستوى الدولة الأمريكية، العميقة على الأقلّ، ومهما بلغ التقارب الأمريكي الإسرائيلي ذروته، فإنّها لا تزال دولة تدير مصالح عالمية أوسع من الحسابات الإسرائيلية المباشرة؛ معنية بأسواق الطاقة، وبمنع انفجار إقليمي مفتوح، وبضبط التوتّر بما يسمح لها بالتركيز على ملفّات أخرى أكثر أولوية.
ومن الواضح أنّ احتواء إيران عبر التفاوض أقلّ كلفةً من محاولة كسرها بالكامل بحرب طويلة، أثبتت جولاتها الأولى أنّها غير مضمونة النتائج. قد يجد نتنياهو نفسه أمام نتيجة قاسية: خروج إيران من الحرب لاعباً قابلاً للتفاوض، لا دولة منهارة أو معزولة كما اشتهت تل أبيب.
إنّ اتفاقاً ينهي إمكانية استئناف حرب نتنياهو على إيران، من دون تحقيق نصر فاقع، هو في الوعي الإسرائيلي اعتراف ضمني بفشل استراتيجي.
{ كاتب وصحفي من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك