العدد : ١٧٥٨٥ - السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٥ - السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

هل تعيد الحرب في إيران رسم التوازنات بين أوروبا والولايات المتحدة؟

بقلم: سمير الخالدي

السبت ١٦ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬وقت‭ ‬تتصاعد‭ ‬فيه‭ ‬التوترات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬تتحرك‭ ‬أوروبا‭ ‬بخطوات‭ ‬متسارعة‭ ‬لإثبات‭ ‬حضورها‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬خارج‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التقليدية‭. ‬فقد‭ ‬استضافت‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬اجتماعا‭ ‬موسعا‭ ‬لوزراء‭ ‬الدفاع‭ ‬بمشاركة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬دولة،‭ ‬لبحث‭ ‬تشكيل‭ ‬مهمة‭ ‬دولية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الملاحة‭ ‬وإعادة‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أمام‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تحمل‭ ‬أبعادا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الجانب‭ ‬الأمني‭ ‬البحري‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬موازين‭ ‬النفوذ‭ ‬داخل‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬نفسه‭.‬

التحرك‭ ‬البريطاني‭ ‬الفرنسي‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اضطرابات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬بعدما‭ ‬أدى‭ ‬التصعيد‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أعلنت‭ ‬لندن‭ ‬نشر‭ ‬المدمرة‭ ‬‮«‬HMS‭ ‬Dragon‮»‬‭ ‬وطائرات‭ ‬‮«‬تايفون‮»‬‭ ‬وأنظمة‭ ‬متطورة‭ ‬مضادة‭ ‬للطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬البريطانية‭ ‬بـ«المهمة‭ ‬الدفاعية‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‮»‬‭. ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬البريطاني‭ ‬جون‭ ‬هيلي‭ ‬أكد‭ ‬خلال‭ ‬الاجتماع‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬وحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‮»‬،‭ ‬مشددا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬‮«‬دفاعية‭ ‬ومستقلة‭ ‬وذات‭ ‬مصداقية‮»‬‭.‬

كما‭ ‬أكدت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬تتم‭ ‬بقيادة‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬فرنسا،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬أوروبية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬أمني‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التقليدية‭.‬

لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الحراك‭ ‬العسكري‭ ‬يبرز‭ ‬تحول‭ ‬سياسي‭ ‬أعمق‭ ‬داخل‭ ‬الغرب‭. ‬فالعلاقات‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬الأوروبيين‭ ‬تشهد‭ ‬توترا‭ ‬متزايدا‭ ‬بسبب‭ ‬ملفات‭ ‬الدفاع‭ ‬والإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

وفي‭ ‬خطوة‭ ‬أثارت‭ ‬جدلا‭ ‬واسعا‭ ‬داخل‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي،‭ ‬أعلنت‭ ‬واشنطن‭ ‬سحب‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬جندي‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة‭. ‬وأكد‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬البنتاجون‭ ‬شون‭ ‬بارنيل‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬للتموضع‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬أوروبا‮»‬‭.‬

وربطت‭ ‬تقارير‭ ‬إعلامية‭ ‬غربية‭ ‬القرار‭ ‬بالخلافات‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬والمستشار‭ ‬الألماني‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرتس‭ ‬بشأن‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬ونقلت‭ ‬وكالة‭ ‬رويترز‭ ‬عن‭ ‬مسؤول‭ ‬أمريكي‭ ‬كبير‭ ‬قوله‭ ‬إن‭ ‬‮«‬التصريحات‭ ‬الألمانية‭ ‬الأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬مفيدة‭ ‬وغير‭ ‬مناسبة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬انتقادات‭ ‬ميرتس‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبدو‭ ‬باريس‭ ‬الأكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرغبة‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭. ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬دعا‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬ميونيخ‭ ‬للأمن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تعيد‭ ‬أوروبا‭ ‬تصميم‭ ‬أمنها‭ ‬بشكل‭ ‬مستقل‮»‬،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬‮«‬ستضطر‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬معاييرها‭ ‬الأمنية‭ ‬بنفسها‮»‬‭. ‬كما‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬ردع‭ ‬أوروبي‭ ‬متكامل‮»‬‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحولات‭ ‬الدولية‭ ‬المتسارعة‭.‬

هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬ليس‭ ‬جديدا‭ ‬بالكامل،‭ ‬لكنه‭ ‬يكتسب‭ ‬اليوم‭ ‬زخما‭ ‬أكبر‭ ‬بسبب‭ ‬المخاوف‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬تغير‭ ‬أولويات‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬النزعة‭ ‬الانعزالية‭ ‬داخل‭ ‬واشنطن،‭ ‬والحديث‭ ‬المتكرر‭ ‬عن‭ ‬تقليص‭ ‬الالتزامات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬استقلالية‭ ‬استراتيجية‮»‬‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بحماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الحيوية،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الطاقة‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬والأمن‭ ‬الإقليمي‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬طلاق‮»‬‭ ‬كامل‭ ‬بين‭ ‬ضفتي‭ ‬الأطلسي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الواقع؛‭ ‬فالقارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬مازالت‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والتسليح‭ ‬والمظلة‭ ‬النووية،‭ ‬كما‭ ‬يبقى‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للأمن‭ ‬الأوروبي‭. ‬وحتى‭ ‬ماكرون‭ ‬نفسه‭ ‬يكرر‭ ‬باستمرار‭ ‬أن‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الأوروبية‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬الحلف‭ ‬الأطلسي،‭ ‬بل‭ ‬تعزيز‭ ‬‮«‬الركيزة‭ ‬الأوروبية‮»‬‭ ‬داخله‭.‬

لذلك،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬انهيارا‭ ‬للتحالف‭ ‬الغربي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توازن‭ ‬داخله‭. ‬أوروبا‭ ‬تحاول‭ ‬توسيع‭ ‬هامشها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬بينما‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬دفع‭ ‬الحلفاء‭ ‬لتحمل‭ ‬أعباء‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬والأمن‭. ‬

وبين‭ ‬هذين‭ ‬المسارين،‭ ‬يتحول‭ ‬اجتماع‭ ‬لندن‭ ‬حول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تنسيق‭ ‬بحري؛‭ ‬إنه‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لمستقبل‭ ‬العلاقة‭ ‬عبر‭ ‬الأطلسي،‭ ‬ولسؤال‭ ‬بات‭ ‬يتردد‭ ‬بقوة‭ ‬داخل‭ ‬العواصم‭ ‬الغربية،‭ ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬أوروبا‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬قوة‭ ‬أمنية‭ ‬مستقلة‭ ‬فعلا،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬خلافاتها‭ ‬مع‭ ‬واشنطن؟

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬تونسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا