العدد : ١٧٥٨٤ - الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٤ - الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مؤتمر حركة «فتح»..مهمتان وثلاثة سيناريوهات

بقلم: د. أحمد جميل العزم

الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

اكتملت‭ ‬الاستعدادات‭ ‬لعقد‭ ‬المؤتمر‭ ‬العام‭ ‬الثامن‭ ‬لحركة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬الفلسطيني‭ (‬فتح‭) ‬اليوم‭ ‬14‭ ‬مايو‭ ‬الجاري،‭ ‬ضمن‭ ‬آلية‭ ‬جديدة‭ ‬تتعلّق‭ ‬بمكان‭ ‬الانعقاد؛‭ ‬إذ‭ ‬ستكون‭ ‬هناك‭ ‬عدّة‭ ‬قاعات‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬ودولة‭ (‬في‭ ‬رام‭ ‬الله‭ ‬وغزّة‭ ‬ومصر‭ ‬ولبنان‭).‬

وتحوّل‭ ‬انعقاد‭ ‬المؤتمر‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬حدث‭ ‬يستقطب‭ ‬رأياً‭ ‬عامّاً‭ ‬واهتماماً‭ ‬واسعين،‭ ‬فلسطينياً‭ ‬وعربياً‭. ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬الحركة‭ ‬الداخلي،‭ ‬يكاد‭ ‬الجدل‭ ‬يتركّز‭ ‬حول‭ ‬أصحاب‭ ‬الحقّ‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬المؤتمر،‭ ‬أي‭ ‬أعضائه،‭ ‬ولماذا‭ ‬استُبعِد‭ ‬هذا‭ ‬العضو‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭. ‬ويرافق‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ (‬بدرجة‭ ‬أقلّ‭) ‬قضايا‭ ‬جدلية‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالحركة‭ ‬وأوضاعها‭ ‬وتنظيمها،‭ ‬لكنّ‭ ‬الغائب‭ ‬فعلياً‭ ‬جدل‭ ‬بين‭ ‬برامج‭ ‬أو‭ ‬تيّارات‭ ‬سياسية،‭ ‬وغياب‭ ‬أسئلة‭ ‬سياسية‭ ‬كبرى،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تواجهه‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬مفصلية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬‮«‬فتح‮»‬‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬رقماً‭ ‬صعباً،‭ ‬وتفقدها‭ ‬مكانتها‭ ‬تدريجياً‭.‬

بشكل‭ ‬عام،‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬مؤتمر‭ ‬‮«‬فتح‮»‬‭ (‬وهو‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬الحركة،‭ ‬والذي‭ ‬ينتخب‭ ‬قيادته‭) ‬إلى‭ ‬مهمَّتَين،‭ ‬بينما‭ ‬توجد‭ ‬ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬لنتائج‭ ‬المؤتمر‭.‬

المهمّتان‭ ‬هما‭: ‬أولاً،‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أوضاع‭ ‬الحركة‭ ‬الداخلية‭. ‬وثانياً،‭ ‬صياغة‭ ‬البرنامج‭ ‬السياسي‭ ‬الوطني‭. ‬اختِير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2500‭ ‬شخص‭ ‬لعضوية‭ ‬المؤتمر‭ ‬المزمع‭ ‬عقده،‭ ‬ويتركّز‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬دخل‭ ‬المؤتمر‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يدخله،‭ ‬مع‭ ‬قدرٍ‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬المعلَن‭ ‬حول‭ ‬تنظيم‭ ‬الوضع‭ ‬الداخلي‭ ‬للحركة‭.‬

ففي‭ ‬المؤتمر‭ ‬السابق‭ (‬السابع‭)‬،‭ ‬كان‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬الأيّام‭ ‬التي،‭ ‬سبقته‭ ‬جدلٌ‭ ‬حول‭ ‬مسوّدة‭ ‬تعديلات‭ ‬كبيرة‭ ‬مقترحة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الأساسي‭ ‬للحركة،‭ ‬وعُقدت‭ ‬حينها‭ ‬جلسات‭ ‬نقاش‭ ‬واسعة‭ ‬حولها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عُقدت‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬فندق‭ ‬الحمراء‭ ‬الصغير‭ ‬والتاريخي،‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬مقرّ‭ ‬المقاطعة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وحضرها‭ ‬المئات‭. ‬ودافع‭ ‬عن‭ ‬التعديلات‭ ‬يومها‭ ‬عضو‭ ‬اللجنة‭ ‬المركزية‭ ‬حينذاك‭ ‬صخر‭ ‬بسيسو،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بموقعه‭ ‬في‭ ‬اللجنة‭ ‬خلال‭ ‬الانتخابات‭.‬

كما‭ ‬عالجت‭ ‬لجان‭ ‬مصغّرة‭ ‬أمر‭ ‬هذه‭ ‬التعديلات،‭ ‬وكان‭ ‬ممّن‭ ‬قاد‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬صائب‭ ‬عريقات،‭ ‬عضو‭ ‬اللجنة‭ ‬المركزية‭ ‬حينذاك‭ (‬رحمه‭ ‬الله‭). ‬وقد‭ ‬تقرّر‭ ‬وقتها‭ ‬ترحيل‭ ‬التعديلات‭ ‬لتُناقَش‭ ‬بعد‭ ‬المؤتمر،‭ ‬ولا‭ ‬يُعرف‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬الأعضاء‭ ‬سيجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭ ‬مُقترَح‭.‬

أولى‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬تفترضها‭ ‬التعديلات‭ ‬هي‭ ‬جدل‭ ‬‮«‬العلنية‭ ‬والسرّية»؛‭ ‬فالحركة‭ ‬صاغت‭ ‬أنظمتها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلّح‭ ‬والعمل‭ ‬السري،‭ ‬أمّا‭ ‬الآن‭ ‬فأسماء‭ ‬الأعضاء‭ ‬وقضايا‭ ‬العضوية‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬الأمر‭ ‬تغيّر،‭ ‬فإنّ‭ ‬نمط‭ ‬عضوية‭ ‬جديداً‭ ‬بات‭ ‬مطلوباً‭ ‬أكثر‭. ‬

ولا‭ ‬يتوقّف‭ ‬جدل‭ ‬السرّية‭ ‬والعلنية‭ ‬هنا؛‭ ‬فهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬طريقة‭ ‬الانتخاب‭ ‬في‭ ‬الحركة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لعضوية‭ ‬اللجنة‭ ‬المركزية‭ ‬والمجلس‭ ‬الثوري‭ (‬الهيئتان‭ ‬القياديتان‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المؤتمر‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فرز‭ ‬الأصوات‭ ‬سرّياً‭ ‬لا‭ ‬يحضره‭ ‬الأعضاء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يثير‭ ‬أحياناً‭ ‬لغطاً‭ ‬حول‭ ‬دقّة‭ ‬الفرز‭ ‬وصحّة‭ ‬النتائج‭. ‬حتى‭ ‬إنّ‭ ‬بعض‭ ‬أوساط‭ ‬الحركة‭ ‬تحدّثت‭ ‬عن‭ ‬أنّ‭ ‬الاقتراع‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬علنياً‭ (‬لوجود‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المقترعين‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬الفرز‭ ‬سرّياً،‭ ‬مع‭ ‬أنّ‭ ‬الأصل‭ ‬هو‭ ‬العكس‭.‬

ومن‭ ‬الأفكار‭ ‬المطروحة‭ (‬قد‭ ‬تشكّل‭ ‬مفاجأةً‭ ‬تخلط‭ ‬الأوراق‭ ‬لو‭ ‬أُقرّ‭ ‬نظام‭ ‬انتخابي‭ ‬جديد‭) ‬أنّ‭ ‬أحد‭ ‬البنود‭ ‬الصعبة‭ ‬والخلافية‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬من‭ ‬يترشّحون‭ ‬للجنة‭ ‬المركزية‭ (‬قيادة‭ ‬الحركة‭) ‬لا‭ ‬يحقّ‭ ‬لهم‭ ‬الترشح‭ ‬للمجلس‭ ‬الثوري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحرم‭ ‬قيادات‭ ‬وازنة‭ ‬من‭ ‬عضوية‭ ‬الهيئتين؛‭ ‬فإذا‭ ‬خسر‭ ‬المرشَّح‭ ‬‮«‬المركزية‮»‬،‭ ‬فلا‭ ‬فرصة‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬‮«‬الثوري‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬الأفكار‭ ‬المطروحة‭ ‬أن‭ ‬ينتخب‭ ‬المؤتمر‭ ‬الثوري‭ ‬بعد‭ ‬توسيعه،‭ ‬ثم‭ ‬ينتخب‭ ‬اللجنة‭ ‬المركزية‭ ‬من‭ ‬أعضائه،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬الأساسي‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬السرية‭ ‬والعلنية،‭ ‬هناك‭ ‬نقاش‭ ‬يجري‭ ‬بوتيرة‭ ‬أقلّ‭ ‬بشأن‭ ‬أموال‭ ‬الحركة‭ ‬ومؤسّساتها،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬ممتلكاتها‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬لبنان‭ ‬وسورية‭.‬

وممَّن‭ ‬يثيرون‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬السفير‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬أشرف‭ ‬دبّور،‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬خلاف‭ ‬مع‭ ‬ياسر‭ ‬عباس،‭ ‬نجل‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬يُشار‭ ‬إليه‭ ‬أحياناً‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الممثّل‭ ‬الشخصي‭ ‬للرئيس‮»‬،‭ ‬وتُوكل‭ ‬إليه‭ ‬أدوار‭ ‬في‭ ‬ملفّات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬هذه‭ ‬الممتلكات‭. ‬ويحتاج‭ ‬هذا‭ ‬الجدل،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الحركة،‭ ‬بما‭ ‬أنّ‭ ‬العصر‭ ‬تحوّل‭ ‬نحو‭ ‬العلنية؛‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬يطرح‭ ‬موضوع‭ ‬دور‭ ‬ياسر‭ ‬عباس،‭ ‬إذ‭ ‬ثمّة‭ ‬جدل‭ ‬حول‭ ‬احتمالية‭ ‬انتخاب‭ ‬عبّاس‭ (‬الابن‭) ‬لعضوية‭ ‬اللجنة‭ ‬المركزية‭ ‬وتصعيده‭ ‬في‭ ‬سلّم‭ ‬القيادة،‭ ‬وما‭ ‬عزّز‭ ‬الجدل‭ ‬شقبيل‭ ‬المؤتمر‭ ‬بصفته‭ ‬‮«‬ممثّل‭ ‬الرئيس‮»‬‭ ‬لدوائر‭ ‬وهيئات‭ ‬رسمية‭ ‬وشعبية‭.‬

من‭ ‬قراءة‭ ‬عضوية‭ ‬المؤتمر،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬هناك‭ ‬مئات‭ ‬الأصوات‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬ممن‭ ‬يمكنهم‭ ‬إحداث‭ ‬مفاجآت،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬ضمان‭ ‬موافقاتهم‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬المختلفة،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬موضوع‭ ‬انتخاب‭ ‬شخص‭ ‬بعينه،‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬ياسر‭ ‬أم‭ ‬غيره‭.‬

وقد‭ ‬تتحرّك‭ ‬قيادات‭ ‬تقليدية‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬أيضاً‭ ‬لمنع‭ ‬تصعيد‭ ‬ياسر‭ ‬عباس‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمّيةً‭ ‬أنّ‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬ياسر‭ ‬عباس‭ ‬قد‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الإلهاء،‭ ‬وإلى‭ ‬تخفيف‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتمرير‭ ‬آخرين‭ ‬وإحكام‭ ‬مواقعهم‭ ‬في‭ ‬الحركة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬‮«‬المنظّمة‮»‬‭ ‬و«الدولة‮»‬‭.‬

في‭ ‬النظام‭ ‬الأساسي‭ ‬المقترح‭ (‬غير‭ ‬المُقرّ‭) ‬الذي‭ ‬طُرح‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬السابع،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬توجّه‭ ‬خطير‭ ‬لزيادة‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والحركة؛‭ ‬إذ‭ ‬تضمنت‭ ‬بنوداً‭ ‬تريد‭ ‬إعطاء‭ ‬مقاعد‭ ‬في‭ ‬هيئات‭ ‬الحركة‭ ‬للعاملين‭ ‬في‭ ‬‮«‬المؤسّسات‭ ‬الرسمية‮»‬،‭ ‬وتمنح‭ ‬اللجنة‭ ‬المركزية‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬مسؤولي‭ ‬السلطة،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬الجدل‭ ‬التي‭ ‬عقّدت‭ ‬إقرار‭ ‬النظام‭. ‬والسؤال‭ ‬الأساس‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للحركة‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬فعلاً‭ ‬تعريف‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬السلطة،‭ ‬وأن‭ ‬تفصل‭ ‬ذاتها‭ ‬عنها‭ ‬سياسياً‭ ‬وإدارياً‭ ‬ومالياً؟

إذا‭ ‬كانت‭ ‬المهمّة‭ ‬الأولى‭ ‬للحركة‭ ‬ومؤتمرها‭ ‬هي‭ ‬ترتيب‭ ‬الأوضاع‭ ‬الداخلية،‭ ‬فإنّ‭ ‬الثانية‭ (‬التي‭ ‬ستحدّد‭ ‬مستقبل‭ ‬الحركة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬واستمرار‭ ‬دورها‭) ‬هي‭ ‬وضع‭ ‬برنامج‭ ‬وطني‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الغائب‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬الراهن؛‭ ‬ففي‭ ‬المؤتمرات،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬الخامس‭ ‬للحركة،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عادةً‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المؤتمر‭ ‬جدل‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬مثل‭ ‬أدوات‭ ‬المقاومة،‭ ‬وبرنامج‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية،‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬المختلفة،‭ ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬المؤتمرات‭ ‬التي‭ ‬عُقدت‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬بعد‭ ‬العودة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬فغاب‭ ‬منها‭ ‬نقاش‭ ‬سياسي‭ ‬محدّد‭.‬

على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬المؤتمر‭ ‬في‭ ‬رام‭ ‬الله،‭ ‬وعلى‭ ‬الطرق‭ ‬المؤدّية‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬الانعقاد،‭ ‬يزداد‭ ‬عنف‭ ‬الاحتلال‭ ‬والمستوطنين،‭ ‬ولا‭ ‬تبدو‭ ‬لدى‭ ‬قيادة‭ ‬الحركة‭ ‬أيُّ‭ ‬خطّة‭ ‬ميدانية‭ ‬للمواجهة‭ ‬أو‭ ‬التصدّي،‭ ‬بل‭ ‬إنّ‭ ‬أطر‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحركة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬فاعلةً‭ ‬في‭ ‬التصدّي‭ ‬لهذا‭ ‬الخطر،‭ ‬تراجع‭ ‬حضورها‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الماضية‭. ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬دارت‭ ‬الحرب‭ ‬والمفاوضات‭ (‬ولا‭ ‬تزال‭) ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تهميش‭ ‬كبير‭ ‬للحركة،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التهميش‭ ‬قيادة‭ ‬الحركة‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬أيّ‭ ‬دور‭ ‬حقيقي،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬به‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وباقي‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬إبعاد‭ ‬أيّ‭ ‬ممثّل‭ ‬موحّد‭ ‬للفلسطينيين‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬برنامج‭ ‬يعيد‭ ‬دور‭ ‬الحركة‭ ‬رقماً‭ ‬صعباً‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬ستفقد‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬مكانتها،‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭: ‬‮«‬من‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬بدوره‭ ‬يفقد‭ ‬مكانته‮»‬‭. ‬ووضع‭ ‬برنامج‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬مرحلتي‭ ‬السلطة‭ ‬وحركة‭ ‬التحرّر‭ ‬موضوع‭ ‬مطروح‭ ‬دائماً،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬ينفذ‭ ‬آليةً‭ ‬حقيقية‭ ‬لتبنِّيه‭.‬

ثمّة‭ ‬ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬متوقعة‭: ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬انعقاد‭ ‬المؤتمر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الواقع،‭ ‬مع‭ ‬تعديلات‭ ‬شكلية‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬الأشخاص،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعديل‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الحركة‭ ‬وبُناها،‭ ‬ما‭ ‬سيؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬الحركة‭ ‬ومكانتها‭.‬

الثاني‭ ‬حدوث‭ ‬تعديل،‭ ‬لكن‭ ‬باتجاه‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬الرسمية‭ ‬والحركة،‭ ‬بما‭ ‬يحوّلها‭ ‬أكثر‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬حاكم‭ (‬لا‭ ‬يحكم‭ ‬شيئاً‭ ‬فعلياً‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬تبنّي‭ ‬برنامج‭ ‬وطني‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاحتلال؛‭ ‬وسيكون‭ ‬من‭ ‬مؤشّرات‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬نظامٌ‭ ‬أساسي‭ ‬جديد‭ ‬محافظ‭ ‬يعوق‭ ‬التجديد‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬الارتباط‭ ‬بالسلطة‭. ‬الثالث‭ ‬حدوث‭ ‬اختراق،‭ ‬عبر‭ ‬تصعيد‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬ذات‭ ‬توجّه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬تغيير‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الحركة‭ ‬ودورها،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬مجرّد‭ ‬بداية‭ ‬ممكنة‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا