ما القدرات النووية الإسرائيلية؟ وما حجم اليورانيوم المخصب الذي تملكه؟، تلك الأسئلة وغيرها ليست من عندي وإنما وردت في خطاب أرسله ثلاثون عضوًا ديمقراطيًا بمجلس النواب الأمريكي، أغلبهم من التقدميين، لوزير الخارجية ماركو روبيو يطالبه بتقديم معلومات مفصلة عن البرنامج النووي الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي تقيم فيه إسرائيل الدنيا ولا تقعدها، منذ عقود، حول البرنامج النووي الإيراني، فإن الصمت المدوي يلف البرنامج النووي الإسرائيلي، ليس فقط في أمريكا وإنما حول العالم! والقاصي والداني يعرف يقينًا أن إسرائيل امتلكت السلاح النووي منذ عقود طويلة وترفض الإفصاح عن أي معلومات تخصه، كما رفضت الخضوع لتفتيش هيئة الطاقة النووية، ولم تنضم إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وإسرائيل لم يكن بمقدورها أن تفرض صمتًا على برنامجها لولا قبول الولايات المتحدة بذلك.
ورغم أن الاستخبارات الأمريكية اعترفت علنًا بامتلاك إسرائيل سلاحًا نوويًا، فلا تزال الإدارات المتعاقبة تلتزم الصمت حول ما تمتلكه إسرائيل بالضبط وحجمه، فبات الغرب كله ملتزمًا بالإبقاء على البرنامج النووي الإسرائيلي بعيدًا عن الرقابة.
لذلك، كان خطاب النواب الأمريكيين لـ«روبيو» كسرًا لواحد من المحرمات التي سادت طويلًا. وهو يأتي في توقيت مهم. فمنذ أيام، صرح السيناتور الجمهوري، روجر مارشال، علنًا بتأييد قصف إيران بالسلاح النووي حال تعثر المفاوضات، لأن إيران لا ينبغي أن «تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا أبدًا أبدًا»! وتلك ليست المرة الأولى التي يدعو فيها عضو بالكونجرس إلى استخدام السلاح النووي الأمريكي لصالح إسرائيل. إذ كيف لنا أن ننسى أن النائب تيم والبرج، في خضم إبادة غزة عام 2024، كان قد طالب إدارة بايدن بأن تعامل غزة «مثل هيروشيما وناجازاكي».
إن خطاب النواب الديمقراطيين لـوزير الخارجية «روبيو» يطالب الإدارة بمعاملة إسرائيل «مثل باقي الدول الأجنبية» النووية بالإعلان عما تخفيه لصالح إسرائيل.
ويشير الخطاب إلى أن أجواء الحرب الراهنة تجعل «مخاطر سوء التقدير، والتصعيد واستخدام السلاح النووي ليست مسألة نظرية». فوجود جنود أمريكيين على الأرض يجعل التحري عن البرنامج الإسرائيلي من صميم المسؤوليات الدستورية للكونجرس، ويفسر لماذا يتحتم رفض «سياسة الغموض الرسمي»، على حد تعبير الخطاب. ويذكر الخطاب كذلك بالاسم الرموز الإسرائيلية في الحكومة والكنيست ممن تحدثوا علنًا عن استخدام السلاح النووي لقصف غزة، مطالبًا الإدارة بالإجابة عن سلسلة من الأسئلة.
فإلى جانب الأسئلة المذكورة أعلاه، يسأل خطاب النواب الديمقراطيين عما إذا كانت الإدارة تلقت من إسرائيل معلومات عن مذهبها النووي، وما إذا كانت قد حصلت على ضمانات إسرائيلية بعدم استخدام السلاح النووي في الحرب على إيران.
ثم يسأل الخطاب عما إذا كانت الإدارة لديها مؤشرات تدل على احتمالية استخدام إسرائيل للسلاح النووي، وعن حساباتها حول الضرر الذي قد يلحق بالمدنيين الأمريكيين بالمنطقة، بل وطبيعة التدابير التي أعدتها لمواجهة الكارثة في تلك الحالة. بل ويفضح الخطاب الديمقراطي القيود التي تفرضها وزارة الخارجية حول الموضوع.
ففي مارس الماضي، حين سُئل توماس دينانو، وكيل وزارة الخارجية لشؤون الحد من التسلح، في جلسة استماع قال إنه «ليس مخولًا» بالحديث عن البرنامج النووي الإسرائيلي! لذلك يسأل خطاب النواب الديمقراطيين روبيو: «ما على وجه التحديد القيود المفروضة» على مسؤول كبير كدينانو؟.
ليس متوقعًا أن يستجيب روبيو والإدارة الامريكية بتقديم المعلومات المطلوبة للكونجرس، ناهيك عن الرأي العام. لكن كسر جدار الصمت المفروض منذ عقود طويلة لا يتحقق بين ليلة وضحاها، وكونه بدأ من أمريكا نفسها له دلالاته. ففضلًا عن أنه خطوة مهمة لا يجوز التقليل من شأنها، فإنه يمثل نقطة تحول في الخطاب السياسي الأمريكي.
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك