بصرف النظر عما إذا كان العرب، سيعيدون صياغة هويتهم القومية ورؤيتهم لمصالحهم، وموقعهم، في هذا الزمان المضطرب، والذي يشهد تغييرات كونية نحو نظام عالمي جديد ومختلف، فقد أفرزت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران جملة من الحقائق.
أولى هذه الحقائق، أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، لم يقلل من شأنها وأولويتها، بروز عوامل وتطورات، تشكل تهديداً قومياً، لبعض الدول العربية.
تستمد القضية الفلسطينية أهميتها، من كونها تتعلق بصراع مع الحاملة والأداة الاستراتيجية للاستعمار الغربي، وهي إسرائيل، التي لا تكف عن تأكيد أن فلسطين مجرد البداية، وأن المدى التوسعي الاستعماري يستهدف محيطاً واسعاً من الفضاء العربي.
قبل الثورة الإيرانية كانت القوى الاستعمارية قد منحت إيران الشاه المسؤولية عن أمن الخليج، ولكن في زمان الشاه قامت إيران باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث: «طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى».
ورغم تبدل الظروف، خصوصاً بعد حرب الخليج التي تلت الحرب العراقية الإيرانية، ومن ثم احتلال العراق، ظلت القضية الفلسطينية في قلب الأحداث وفي رأس جدول الأهداف الإسرائيلية الأمريكية.
ربما لم يصدق كثيرون، ما ظل يردده الفلسطينيون من أن القضية الفلسطينية هي مفتاح الحرب والسلام للجميع في المنطقة، لكنهم وقعوا دائماً في المفاجأة حين تعرض الفلسطينيون إلى عدوان عام 1982، وبعدها، الانتفاضة الشعبية الكبرى، والصراع الذي تلا اتفاقية أوسلو، وانتفاضة الأقصى، والحروب المتكررة على غزة، والحروب الاستيطانية على القدس والضفة وصولاً إلى طوفان الأقصى 2023.
الحقيقة الثانية، تعلم الدول العربية أن إسرائيل، لا تتوقف عن التحرك والعمل، لإسقاط الهوية العربية الجامعة وتحويلها إلى هويات قطرية في أحسن الأحوال، أو هويات عرقية وطائفية وزعزعة الأمن الاستراتيجي للدول التي تستهدفها خارطة إسرائيل الكبرى.
ثالث هذه الحقائق، أن العرب أنفقوا مئات مليارات الدولارات لتعزيز قدراتهم التسليحية، ولكنهم كانوا يحصلون على الأجيال الأقل تقدما من السلاح.
العرب يملكون الثروة والإمكانيات البشرية، وحتى العلمية، والموقع الاستراتيجي، الذي يمكنهم من تطوير صناعاتهم العسكرية، والأمثلة كثيرة في هذا المجال أقربها تركيا، وبما يعفيهم من إنفاق كل هذه الأموال.
وفي السياق ذاته، لم يجرب العرب ولو مرة واحدة، أن يملكوا زمام أمرهم بأيديهم، فلقد ظلت معاهدة الدفاع العربي المشترك منذ إقرارها في الخمسينيات، طي الأدراج.
يبدو أن ثمة صحوة، نظرية حتى الآن، إزاء إقامة حلف سياسي عسكري خليجي بقيادة السعودية، ودعوة أخرى نحو تفعيل معاهدة الدفاع العسكري العربي، ولكن دونها التحالف الأمريكي الاسرائيلي الذي سيحاول بكل الوسائل، منع ذلك.
رابع هذه الحقائق، هو أن الدول ترسم سياساتها واستراتيجيتها انطلاقاً من رؤية للمستقبل، وبناء على ذلك تحدد خط سير حركتها في اتجاه اللحاق بمن يملكون القوة مستقبلاً.
لا يجوز أن يستمر العرب أو بعضهم في الخضوع لمراهنات وحسابات الماضي الذي يتهاوى أمام أعينهم.
ثمة خيارات واسعة، للتحرك العربي ولكن بشرط أن يستعيدوا بناء هويتهم القطرية والقومية.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك