بعد أكثر من سبعين عاما على قيام إسرائيل، يبدو هذا الكيان اليوم كما لم يظهر من قبل؛ عاريا من كثير من الادعاءات التي حاول تسويقها للعالم طوال عقود. لم تعد صورة «الديمقراطية المتنورة» أو «الواحة المدنية» أو «حاملة النور في غابة الشرق» تقنع أحداً كما في السابق. إسرائيل اليوم جريحة، متهمة، منبوذة أخلاقياً في كثير من الساحات، وعدوانية أكثر من أي وقت مضى، وتحاول أن تعيد رسم صورتها من جديد بعدما اهتزت صورتها القديمة تحت ثقل الحروب والانقسامات والتطرف.
إسرائيل الآن تعيد تعريف ذاتها: هل هي دولة دينية أم دولة سياسية؟ هل يحكمها الحاخام أم السياسي المنتخب؟ هل هي دولة المؤسسات أم دولة العقائد والنبوءات؟
هل أصبحت مشيحانية وكاهانية أكثر مما هي دولة حديثة؟ هذه الأسئلة لم تعد تُطرح في الهامش، بل أصبحت في قلب النقاش الإسرائيلي ذاته.
بعد هذه العقود الطويلة تبدو إسرائيل منقسمة ومشحونة؛ بين العسكرتارية وأوهام القوة، بين الذعر القومي الجنوني وعقدة الجيتو القديمة، بين التماعات النبوءات التوراتية وحسابات السياسة والمصالح.
إن إسرائيل اليوم تواجه احتمالات متعددة ومصائر متناقضة. فهي قوية عسكرياً، لكنها قلقة وجودياً. متفوقة تقنياً، لكنها مرتبكة أخلاقياً وسياسياً. تريد التوسع أكثر باتجاه «إسرائيل الكبرى»، وكأنها تستعيد أحلاماً قديمة، لكنها في الوقت نفسه تبدو وكأنها تنتظر نتائج قد لا تشبه ما خططت له.
إسرائيل اليوم ليست إسرائيل التي عرفها العالم قبل عقود، وربما مستقبلها أيضاً لن يكون شبيهاً بماضيها.
ومن جهتنا نحن الفلسطينيين أيضاً لسنا بخير. نحن كذلك نعيش انقساماً لا يبدو أن له نهاية قريبة، واتهامات متكررة بالإرهاب. نحن أيضاً في أسوأ أحوالنا السياسية والوطنية. الممول يفرض شروطه، والمحتل يفرض وقائعه، أطرف دولية تتعامل معنا بمنطق الوصاية أو الابتزاز أو الانتظار. الدولة الفلسطينية لا تزال بعيدة، والمصير مفتوح على احتمالات ثقيلة؛ الضم، الفصل، الوصاية، وربما التهجير والتدمير أيضاً.
هم لديهم أزمتهم، ونحن لدينا أزمتنا.
انتخاباتهم في إسرائيل اليوم ليست مجرد تنافس حزبي عادي، بل محاولة لإعادة إنتاج صورة جديدة لإسرائيل؛ يمين يبدو مقبولاً أمام الغرب، ومتطرف يحاول أن يرتدي ربطة عنق دبلوماسية كي يصبح قابلاً للتسويق أمام الليبراليات الغربية. هناك جهد صهيوني واضح لصناعة واجهة إعلامية جديدة تخفف من صورة التطرف التي أحرجتهم أمام العالم.
أما نحن، فالانتخابات عندنا تحمل معنى مختلفاً. نحن نحاول من خلالها أن نقول للعالم إننا شعب قادر على التنظيم والحياة السياسية، وإننا نستحق الثقة والاعتراف. هناك من يرى في الانتخابات الفلسطينية جواز سفر نحو إعادة التأهيل السياسي، واستعادة الشرعية والثقة بعد سنوات طويلة من الإهمال والانقسام. وكأننا نحاول أن نقنع العالم، وربما نقنع أنفسنا أيضاً، بأننا ما زلنا قادرين على الفعل.
لكن الحقيقة الأعمق أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كله يُعاد النظر فيه الآن؛ من طرفنا نحن، ومن طرف الإسرائيليين، ومن طرف الإقليم والعالم أيضاً. الجميع يعيد الحسابات والأسئلة والتوقعات.
بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نحن والإسرائيليون ندور حول السؤال الأول نفسه: سؤال التسوية، سؤال السلام، سؤال الأمن والخوف، سؤال تحقيق الذات والبقاء والاعتراف. ما زلنا في ذروة السؤال، لا في نهايته. وكأن الزمن الطويل لم ينجح حتى الآن في إنتاج إجابة نهائية، بل زاد الأسئلة تعقيداً، وترك المنطقة كلها معلقة بين ماضٍ لم ينتهِ، ومستقبل لم يولد بعد.
والأمر في أوله وآخره: الاحتلال، لا يمكن المضي قدما فيما يواصل الاحتلال تجميل نفسه. لا أحد يتوقع أن تكون الحياة عادية ومستساغة تحت شرط الاحتلال. وإذا أرادت إسرائيل حقا أن تعيد النظر في تجربتها بعد 78 سنة فلتنظر إلى علاقتها بالشعب الفلسطيني وما فعلت به حتى الآن.
{ مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك