العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٢ - الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

«إسرائيل» المأزومة والمعزولة عالميا!

بقلم: د. أحمد رفيق عوض

الأربعاء ١٣ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬إسرائيل،‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬اليوم‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬قبل؛‭ ‬عاريا‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الادعاءات‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬تسويقها‭ ‬للعالم‭ ‬طوال‭ ‬عقود‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬المتنورة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الواحة‭ ‬المدنية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حاملة‭ ‬النور‭ ‬في‭ ‬غابة‭ ‬الشرق‮»‬‭ ‬تقنع‭ ‬أحداً‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬جريحة،‭ ‬متهمة،‭ ‬منبوذة‭ ‬أخلاقياً‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الساحات،‭ ‬وعدوانية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬صورتها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بعدما‭ ‬اهتزت‭ ‬صورتها‭ ‬القديمة‭ ‬تحت‭ ‬ثقل‭ ‬الحروب‭ ‬والانقسامات‭ ‬والتطرف‭.‬

إسرائيل‭ ‬الآن‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬ذاتها‭: ‬هل‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬دينية‭ ‬أم‭ ‬دولة‭ ‬سياسية؟‭ ‬هل‭ ‬يحكمها‭ ‬الحاخام‭ ‬أم‭ ‬السياسي‭ ‬المنتخب؟‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬المؤسسات‭ ‬أم‭ ‬دولة‭ ‬العقائد‭ ‬والنبوءات؟‭ ‬

هل‭ ‬أصبحت‭ ‬مشيحانية‭ ‬وكاهانية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬دولة‭ ‬حديثة؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُطرح‭ ‬في‭ ‬الهامش،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النقاش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ذاته‭.‬

بعد‭ ‬هذه‭ ‬العقود‭ ‬الطويلة‭ ‬تبدو‭ ‬إسرائيل‭ ‬منقسمة‭ ‬ومشحونة؛‭ ‬بين‭ ‬العسكرتارية‭ ‬وأوهام‭ ‬القوة،‭ ‬بين‭ ‬الذعر‭ ‬القومي‭ ‬الجنوني‭ ‬وعقدة‭ ‬الجيتو‭ ‬القديمة،‭ ‬بين‭ ‬التماعات‭ ‬النبوءات‭ ‬التوراتية‭ ‬وحسابات‭ ‬السياسة‭ ‬والمصالح‭.‬

إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬تواجه‭ ‬احتمالات‭ ‬متعددة‭ ‬ومصائر‭ ‬متناقضة‭. ‬فهي‭ ‬قوية‭ ‬عسكرياً،‭ ‬لكنها‭ ‬قلقة‭ ‬وجودياً‭. ‬متفوقة‭ ‬تقنياً،‭ ‬لكنها‭ ‬مرتبكة‭ ‬أخلاقياً‭ ‬وسياسياً‭. ‬تريد‭ ‬التوسع‭ ‬أكثر‭ ‬باتجاه‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬،‭ ‬وكأنها‭ ‬تستعيد‭ ‬أحلاماً‭ ‬قديمة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تنتظر‭ ‬نتائج‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬خططت‭ ‬له‭.‬

إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬العالم‭ ‬قبل‭ ‬عقود،‭ ‬وربما‭ ‬مستقبلها‭ ‬أيضاً‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬شبيهاً‭ ‬بماضيها‭.‬

ومن‭ ‬جهتنا‭ ‬نحن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أيضاً‭ ‬لسنا‭ ‬بخير‭. ‬نحن‭ ‬كذلك‭ ‬نعيش‭ ‬انقساماً‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬نهاية‭ ‬قريبة،‭ ‬واتهامات‭ ‬متكررة‭ ‬بالإرهاب‭. ‬نحن‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬أسوأ‭ ‬أحوالنا‭ ‬السياسية‭ ‬والوطنية‭. ‬الممول‭ ‬يفرض‭ ‬شروطه،‭ ‬والمحتل‭ ‬يفرض‭ ‬وقائعه،‭ ‬أطرف‭ ‬دولية‭ ‬تتعامل‭ ‬معنا‭ ‬بمنطق‭ ‬الوصاية‭ ‬أو‭ ‬الابتزاز‭ ‬أو‭ ‬الانتظار‭. ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعيدة،‭ ‬والمصير‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬احتمالات‭ ‬ثقيلة؛‭ ‬الضم،‭ ‬الفصل،‭ ‬الوصاية،‭ ‬وربما‭ ‬التهجير‭ ‬والتدمير‭ ‬أيضاً‭.‬

هم‭ ‬لديهم‭ ‬أزمتهم،‭ ‬ونحن‭ ‬لدينا‭ ‬أزمتنا‭.‬

انتخاباتهم‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تنافس‭ ‬حزبي‭ ‬عادي،‭ ‬بل‭ ‬محاولة‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬لإسرائيل؛‭ ‬يمين‭ ‬يبدو‭ ‬مقبولاً‭ ‬أمام‭ ‬الغرب،‭ ‬ومتطرف‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يرتدي‭ ‬ربطة‭ ‬عنق‭ ‬دبلوماسية‭ ‬كي‭ ‬يصبح‭ ‬قابلاً‭ ‬للتسويق‭ ‬أمام‭ ‬الليبراليات‭ ‬الغربية‭. ‬هناك‭ ‬جهد‭ ‬صهيوني‭ ‬واضح‭ ‬لصناعة‭ ‬واجهة‭ ‬إعلامية‭ ‬جديدة‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬التطرف‭ ‬التي‭ ‬أحرجتهم‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭.‬

أما‭ ‬نحن،‭ ‬فالانتخابات‭ ‬عندنا‭ ‬تحمل‭ ‬معنى‭ ‬مختلفاً‭. ‬نحن‭ ‬نحاول‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬للعالم‭ ‬إننا‭ ‬شعب‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التنظيم‭ ‬والحياة‭ ‬السياسية،‭ ‬وإننا‭ ‬نستحق‭ ‬الثقة‭ ‬والاعتراف‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬جواز‭ ‬سفر‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬السياسي،‭ ‬واستعادة‭ ‬الشرعية‭ ‬والثقة‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الإهمال‭ ‬والانقسام‭. ‬وكأننا‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نقنع‭ ‬العالم،‭ ‬وربما‭ ‬نقنع‭ ‬أنفسنا‭ ‬أيضاً،‭ ‬بأننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬الفعل‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأعمق‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬كله‭ ‬يُعاد‭ ‬النظر‭ ‬فيه‭ ‬الآن؛‭ ‬من‭ ‬طرفنا‭ ‬نحن،‭ ‬ومن‭ ‬طرف‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬ومن‭ ‬طرف‭ ‬الإقليم‭ ‬والعالم‭ ‬أيضاً‭. ‬الجميع‭ ‬يعيد‭ ‬الحسابات‭ ‬والأسئلة‭ ‬والتوقعات‭.‬

بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات،‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نحن‭ ‬والإسرائيليون‭ ‬ندور‭ ‬حول‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬نفسه‭: ‬سؤال‭ ‬التسوية،‭ ‬سؤال‭ ‬السلام،‭ ‬سؤال‭ ‬الأمن‭ ‬والخوف،‭ ‬سؤال‭ ‬تحقيق‭ ‬الذات‭ ‬والبقاء‭ ‬والاعتراف‭. ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬السؤال،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬نهايته‭. ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬الطويل‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬إجابة‭ ‬نهائية،‭ ‬بل‭ ‬زاد‭ ‬الأسئلة‭ ‬تعقيداً،‭ ‬وترك‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭ ‬معلقة‭ ‬بين‭ ‬ماضٍ‭ ‬لم‭ ‬ينتهِ،‭ ‬ومستقبل‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬بعد‭.‬

والأمر‭ ‬في‭ ‬أوله‭ ‬وآخره‭: ‬الاحتلال،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬فيما‭ ‬يواصل‭ ‬الاحتلال‭ ‬تجميل‭ ‬نفسه‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الحياة‭ ‬عادية‭ ‬ومستساغة‭ ‬تحت‭ ‬شرط‭ ‬الاحتلال‭. ‬وإذا‭ ‬أرادت‭ ‬إسرائيل‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تجربتها‭ ‬بعد‭ ‬78‭ ‬سنة‭ ‬فلتنظر‭ ‬إلى‭ ‬علاقتها‭ ‬بالشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وما‭ ‬فعلت‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

 

{‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا