قبل فترة جمعتني جلسة مع عدد من السيدات، كلهن اخترن البيت على العمل وأفنين سنواتهن في رعاية أسرهن. وفي منتصف الحديث قالت إحداهن: أنا الآن في الستين، وليس لي شيء أعتمد عليه إن غاب السند. لم تكن تشكو، كانت تسمّي واقعاً عاشته وحدها.
هذه الجملة تطرح سؤالاً أكبر منها، سؤالاً عن المرأة التي بنت حياتها لغيرها ولم تبنِ لنفسها أماناً.
وها هو مجلس النواب ينظر في مقترح يتيح لربات البيوت الاشتراك في نظام التأمين الاجتماعي، خطوة تستحق أن نقف عندها ونفكر معاً.
المقترح الذي تقدمت به النائبة مريم الظاعن يقضي بأن تتمكن المرأة غير العاملة من الاشتراك اختيارياً في نظام التأمين الاجتماعي، لتحظى بمعاش عند التقاعد أو في حالات العجز والوفاة. وما يميزه أنه لا يفرض على أحد، لكنه يمنح المرأة خياراً لم يكن متاحا من قبل.
وليس هذا المقترح وليد اليوم، إذ سبق أن طُرحت فكرة مماثلة من قبل، غير أنها عادت لتطرح نفسها من جديد، مما يدل على أنها قضية حاضرة في الوجدان البحريني.
والسبب في ذلك أن الواقع يفرض نفسه، وحين يتقدم بهن العمر تجد كثيرات من ربات البيوت أنفسهن دون رصيد تأميني مستقل، وهذا المقترح يحمل استجابة لهذا الواقع وإن كانت تفاصيله تحتاج إلى مزيد من الدراسة.
وقد طالب المجلس الأعلى للمرأة بالتأني قبل التطبيق، وهو موقف مفهوم ومسؤول، إذ دعا إلى دراسة اقتصادية تقيس قدرة الاشتراكات على تغطية المعاشات، وتتحقق من قدرة ربات البيوت على السداد الشهري، محذراً من أن التطبيق دون دراسة كافية قد يلحق الضرر بمن جاء المقترح أصلاً لحمايتهن.
وهذا الحذر في محله، فالتشريع الذي لا تسنده دراسة جدوى حقيقية قد يتحول من حماية إلى عبء.
في المقابل، أكد الاتحاد النسائي البحريني أن الاعتراف بدور المرأة في البيت واحتسابه ضمن منظومة الحماية الاجتماعية أمر ضروري. والاعتراف خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أن المرأة التي أمضت عمرها في بيتها تحتاج إلى حقوق مكتسبة.
وليست هذه الفكرة غريبة عن التجربة الإنسانية، إذ سبقت دول أوروبية إلى الاعتراف بعمل المرأة في البيت ضمن منظومة حقوقها التقاعدية، فاحتسبت سنوات الرعاية والتربية رصيداً حقيقياً لا يضيع مع الوقت. وما نجح هناك جاء استجابةً لسؤال عادل: هل يعقل أن تُفني امرأة عمرها في خدمة أسرتها ثم تصل إلى شيخوختها خالية اليدين؟
وهنا يطرح السؤال العملي نفسه: كيف تموّل المرأة التي لا مورد لها سوى بيتها اشتراكها الشهري؟ سؤال يستحق إجابة واضحة قبل أي تطبيق.
والحديث عن أمان المرأة لا ينفصل عن الحديث عن أمان الأسرة والمجتمع، فالمرأة المطمئنة على مستقبلها تمنح من حولها استقراراً وطمأنينة. والاهتمام بحمايتها اجتماعياً استثمار حقيقي في صحة المجتمع واستقراره.
المرأة التي أمضت سنواتها في بناء أسرتها لم تغب عن المجتمع، كانت حاضرة في أدق تفاصيله. والتشريع الذي يعترف بهذا الحضور ويحوله إلى حق مكتسب هو تشريع يفهم ما الذي يبنى عليه المجتمع فعلاً. وحين تجد تلك السيدة التي قالت «ليس لي شيء أعتمد عليه إن غاب السند» قانوناً يرد عليها، يكون النقاش قد أدى رسالته.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك