تحتفل الشعوب السوفيتية بمختلف قومياتها وأعراقها ومكونهاتها ولغاتها في التاسع من مايو من كل عام بذكرى الانتصار الكبير لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في الحرب الوطنية العظمى خلال الحرب العالمية الثانية، التي استمرت من يونيو 1941 حتى مايو 1945، رغم مضي أكثر من ثلاثة عقود على الانهيار المدوي والسريع للاتحاد وانقسامه إلى 15 جمهورية مستقلة.
إن يوم التاسع من مايو محفور في ذاكرة الشعوب السوفيتية يحتفلون به عاما بعد عام منذ عام 1945 عندما دخل الجيش الأحمر السوفيتي «الرايخت» الألماني أي البرلمان النازي في برلين في عهد هتلر ورفع أحد أفراد الجيش السوفيتي الأحمر العلم السوفيتي عليه معلنا انتصار الاتحاد السوفيتي في هذه الحرب وهزيمة ألمانيا الهتلرية من دون قيد أو شرط إلا الشروط السوفيتية التي وافقت عليها ألمانيا لتخليص البشرية جمعاء من شرور الفاشية والنازية بقيادة هتلر الذي سعى إلى السيطرة على العالم وإذلال شعوب المعمورة وإقامة امبراطوريته التي حلم بها.
لم يكن تحقيق هذا النصر سهلا بالنسبة إلى الشعوب السوفيتية، بل كان ثمنه غاليا جدا من دمهم وحياتهم، وخصوصا أن الاتحاد السوفيتي لم يكن طرفا في الحرب العالمية الثانية التي شهدتها أوروبا، ولم يكن مستعدا للحرب أصلا؛ حيث كانت تربطه اتفاقية عدم اعتداء مع ألمانيا اخترقها هتلر بعد أن نجح في احتلال أجزاء كبيرة من أوروبا من دون مقاومة تذكر، بل كان الطريق مفروشا بالورود أمامه إن صح التعبير بسبب القوة العسكرية الألمانية والجيش الجرار الذي بناه هتلر وما يمتلكه من العتاد والأسلحة، ما شجعه على اجتياح الأراضي السوفيتية في انتهاك للاتفاقية الموقعة مع الدولة السوفيتية .
في ليلة الثاني والعشرين من يونيو من عام 1941 اجتاحت القوات الألمانية الأراضي السوفيتية الواقعة في روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، واحتلت المدن والقرى والمقاطعات من دون مقاومة تذكر في بداية الأمر بسبب عدم استعداد الاتحاد السوفيتي الذي كانت تربطه اتفاقية عدم اعتداء مع ألمانيا الهتلرية كما أسلفنا، حتى وصلت جحافل قواته إلى ضواحي موسكو على مسافة قصيرة من الكرملين مقر القيادة السوفيتية حيث كادت العاصمة السوفيتية تسقط في إيدي الألمان لولا بسالة وشجاعة وبطولة الجندي السوفيتي وتفانيه في الدفاع عن بلاد السوفييت وفدائه بالغالي والنفيس لإنقاذ البلاد السوفيتية من الاحتلال الألماني.
فكان صمود الجيش الأحمر سدا منيعا امام جبروت الآلة العسكرية الألمانية والقوات المسلحة الألمانية، حيث تمكنت قوات الجيش الأحمر السوفيتي من دحر القوات الألمانية وإخراجها من ضواحي موسكو لتكون تلك هي البداية لتحرير المدن السوفيتية التي احتلتها القوات الهتلرية مدينة بعد مدينة وقرية بعد قرية، فكانت موقعة تحرير مدينة ستالينجراد بداية النهاية للقوات الألمانية وتراجعها وإجبارها على الانسحاب من المدن والقرى التي احتلتها، إلى أن وصل الجيش الأحمر إلى العاصمة الألمانية برلين ورفع العلم الأحمر السوفيتي على مبنى البرلمان النازي كما أسلفنا.
خلال تلك الحرب الوطنية العظمى لم يكتف الجيش الأحمر بتحرير الأراضي السوفيتية بل حرر دول أوروبا الشرقية بأكملها من الاحتلال النازي حتى نالت شعوبها الحرية، ومع ذلك يحاول الغرب اليوم بكل الوسائل قلب الحقائق وتحريف التاريخ بنكران دور الاتحاد السوفيتي الأساسي والمحوري في الانتصار على الفاشية والنازية بالقول إن الغرب هو من هزم هتلر.
لقد كان ثمن هذا الانتصار باهظا حيث بلغ عدد القتلى أكثر من 27 مليون مواطن سوفيتي من مختلف الجمهوريات السوفيتية السابقة، ولذلك يعتبر هذا العيد عيدا وطنيا في كل الجمهوريات السوفيتية رغم انهيار الاتحاد. ذلك أن هذا العيد يعتبر من أهم الأعياد الوطنية في تلك البلدان على رأسها روسيا؛ لما له من رمزية تاريخية وخصوصا بالنسبة إلى الشعب الروسي الذي تحمل العبء الأكبر لهذه الحرب. ولذلك يبقى يوم التاسع من مايو مناسبة لاستذكار بطولات أولئك الأبطال الذين ضحوا بحياتهم من أجل الدفاع عن بلاد السوفييت وترابها وكرامتها؛ ففي كل عائلة سوفيتية يوجد شهيد أو أكثر شاركوا في الحرب الوطنية العظمى لا تزال صورهم معلقة على جدران الشقق والبيوت الريفية وداخل المنازل لتبقى ذكراهم خالدة في وجدان تلك الشعوب تتذكرهم الأجيال جيلا بعد جيل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك