العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تحولات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬والنصف‭ ‬الماضيين‭ ‬بمجرد‭ ‬تحول‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬الأولويات‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التدخل،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬مساره‭ ‬المعقد‭ ‬قد‭ ‬أعاد‭ ‬تعريف‭ ‬طبيعة‭ ‬القوة‭ ‬نفسها،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬حدودها‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬غزت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬العراق،‭ ‬وفى‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬تخوض‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إسرائيل،‭ ‬حربًا‭ ‬إقليمية‭ ‬مفتوحة‭ ‬النهاية،‭ ‬تمتد‭ ‬تداعياتها‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬ومن‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط‭. ‬وخلال‭ ‬العقود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬هاتين‭ ‬اللحظتين‭ ‬المفصليتين‭ ‬انتقلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬القوة‭ ‬المهيمنة‭ ‬أحادية‭ ‬القطب،‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المنطقة‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬تدير‭ ‬نفوذها‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيود‭ ‬صارمة‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬حاسمة‭. ‬ويكمن‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬وغزو‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمتلك‭ ‬التفويض‭ ‬السياسي،‭ ‬أو‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الإجماع‭ ‬الداخلي‭ ‬اللازم‭ ‬لشن‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

يشير‭ ‬تحليل‭ ‬نقدي‭ ‬لهذا‭ ‬المسار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬هو‭ ‬تقليص‭ ‬انتقائي؛‭ ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬خطى‭ ‬بسيط‭ ‬للقوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬يعيد‭ ‬التقليص‭ ‬الانتقائي‭ ‬توزيع‭ ‬أدوات‭ ‬النفوذ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إلغائها‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تنسحب‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أعادت‭ ‬هندسة‭ ‬وجودها‭ ‬فيه‭: ‬انخفاض‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر،‭ ‬يقابله‭ ‬وجود‭ ‬مكثف‭ ‬ومستدام‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المؤسسية‭ ‬واللوجستية‭ ‬والاستخباراتية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬شبكات‭ ‬إمداد‭ ‬الأسلحة‭ ‬والتحالفات‭ ‬الأمنية‭ ‬الراسخة‭.‬

قبل‭ ‬غزو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للعراق‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تُضاهى‭ ‬عسكريًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬ودبلوماسيًا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وطوال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬سعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتحاربة،‭ ‬وسعت‭ ‬لتكون‭ ‬المورد‭ ‬الرئيسي‭ ‬للأسلحة‭ ‬لمعظم‭ ‬الدول،‭ ‬وعززت‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المساعدات‭ ‬والتجارة،‭ ‬وحافظت‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬متينة‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬تفوقها‭ ‬العسكري‭ ‬الساحق،‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نجاح‭ ‬نسبى‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬لحرب‭ ‬العراق‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬رغم‭ ‬تحقيق‭ ‬نجاح‭ ‬تكتيكي‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين،‭ ‬واجهت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خسارة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مُذلة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬الافتراضات‭ ‬السياسية‭ ‬الخاطئة‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬قواتها‭.‬

فقد‭ ‬افترض‭ ‬المسؤولون‭ ‬الأمريكيون‭ ‬أن‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬بغداد‭ ‬سيمهد‭ ‬الطريق‭ ‬تلقائيًا‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬حديثة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬النماذج‭ ‬الليبرالية‭ ‬الغربية‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعليًا‭ ‬كان‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا‭.‬

فقد‭ ‬أدى‭ ‬تفكيك‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ -‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الجيش‭ ‬والأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬والإدارة‭ ‬البيروقراطية‭- ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فراغ‭ ‬مؤسسي‭ ‬هائل،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬مفتوحة‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭.‬

وفى‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هي‭ ‬الفاعل‭ ‬الوحيد؛‭ ‬إذ‭ ‬تدخلت‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬أيضًا‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬إيران‭.‬

فمن‭ ‬خلال‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬وتحالفات‭ ‬المليشيات،‭ ‬نجحت‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬لحظة‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دورها‭ ‬الإقليمي‭.‬

وشكّل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمي؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النفوذ‭ ‬يُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالوجود‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬للقوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شبكات‭ ‬غير‭ ‬نظامية‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬المنهارة‭ ‬أو‭ ‬الهشة‭.‬

وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬الحادة‭ ‬مع‭ ‬حدود‭ ‬القوة،‭ ‬قامت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يبدو،‭ ‬ظاهريًا،‭ ‬انسحابًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بدقة‭ ‬أكبر‭ ‬بأنه‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬للوظائف‭ ‬الإمبريالية‭. ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬170‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬أمريكي‭ ‬متمركزين‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان‭ ‬وحدهما‭. ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬وهو‭ ‬العام‭ ‬الأول‭ ‬بعد‭ ‬الانسحاب‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬انخفض‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬40500‭ ‬جندي،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬7500‭ ‬جندي‭ ‬فقط‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2025‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬تضاعفت‭ ‬عمليات‭ ‬نقل‭ ‬الأسلحة‭ ‬السنوية‭ ‬وعدد‭ ‬المناورات‭ ‬العسكرية‭ ‬المشتركة‭. ‬وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وزّعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مساعدات‭ ‬أكبر،‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬عند‭ ‬42‭.‬6‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ25‭.‬6‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬كما‭ ‬ضاعفت‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭.‬

وهكذا،‭ ‬فبينما‭ ‬انخفض‭ ‬عدد‭ ‬القوات‭ ‬أعادت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬توزيع‭ ‬النفوذ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أشكال‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تأثير‭ ‬العراق‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬يظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬التوافق‭ ‬الأمريكي‭ ‬مع‭ ‬الشركاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬ضعيفًا‭ ‬للغاية،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬18‭.‬4‭% ‬فقط‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬وانخفض‭ ‬إلى‭ ‬12.9%‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2007،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عند‭ ‬مقارنته‭ ‬بنسب‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬80‭.%‬

ولم‭ ‬يتحسن‭ ‬التوافق‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬حيث‭ ‬قفز‭ ‬إلى‭ ‬25‭.‬5‭%‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعزى‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬إلى‭ ‬تولي‭ ‬أوباما‭ ‬الرئاسة‭ ‬خلفًا‭ ‬لبوش‭.‬

كشفت‭ ‬تجربة‭ ‬العراق‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬وهم‭ ‬الهندسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بالقوة؛‭ ‬فبينما‭ ‬تصورت‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالنظام‭ ‬السياسي‭ ‬ستُفضي‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬ديمقراطي‭ ‬مستقر،‭ ‬أثبت‭ ‬الواقع‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭.‬

إنها‭ ‬ليست‭ ‬عملية‭ ‬تقنية‭ ‬يمكن‭ ‬فرضها‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬اجتماعية‭ ‬تاريخية‭ ‬معقدة‭ ‬تتطلب‭ ‬شرعية‭ ‬داخلية‭ ‬وتوازنًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والمؤسسات‭.‬

ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ -‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬تفوقها‭ ‬التكنولوجي‭- ‬بمفردها‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬سياسي‭ ‬مستقر‭.‬

حدث‭ ‬التحول‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬عندما‭ ‬دخلت‭ ‬المنطقة‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬المتداخلة‭ -‬أو‭ ‬حروب‭ ‬الاستنزاف‭- ‬بدأت‭ ‬بالحرب‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وبلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬المواجهة‭ ‬المفتوحة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬2025‭-‬2026‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع‭ ‬أن‭ ‬التراجع‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬انسحابًا‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬بل‭ ‬انتقالًا‭ ‬نحو‭ ‬إدارة‭ ‬أزمات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وأقل‭ ‬قابلية‭ ‬للحل‭ ‬النهائي‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬متزايدة‭ ‬الاتساع‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ -‬وتحديدًا‭ ‬منع‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الصراع‭ ‬إقليميًا‭- ‬وقدرة‭ ‬واشنطن‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬حليفتها‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

ففي‭ ‬عدة‭ ‬منعطفات،‭ ‬تصرفت‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفقًا‭ ‬لحسابات‭ ‬داخلية‭ ‬ضيقة‭ ‬تباينت‭ ‬مع‭ ‬التقييمات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأوسع‭ ‬نطاقًا‭ ‬بشأن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

وهكذا،‭ ‬كشفت‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬عن‭ ‬تآكل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬سلوك‭ ‬الحلفاء‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬سياسات‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها‭ ‬أصبحت،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬مصدرًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لتعطيل‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬الحليف‭ ‬والداعم‭ ‬جديدًا؛‭ ‬إلا‭ ‬أنه،‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬اتخذ‭ ‬طابعًا‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬ووضوحًا،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تحولًا‭ ‬هيكليًا‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬نفسها‭.‬

في‭ ‬مراحل‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الصراع،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إسرائيل‭ ‬مجرد‭ ‬شريك‭ ‬استراتيجي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أيضًا‭ ‬مصدرًا‭ ‬لتأجيج‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬سعت‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬احتوائه‭.‬

وقد‭ ‬قوّض‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬الهيكلي‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬نفسها‭ ‬كوسيط‭ ‬محايد،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬كقوة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬تسويات‭ ‬نهائية‭.‬

 

{ خبير‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬

كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا