العدد : ١٧٥٨٠ - الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٠ - الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مؤتمر حركة «فـتـح» الثامن ومصير القضية الفلسطينية

بقلم: أكرم عطا الله

الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

قررت‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬فتح‮»‬‭ ‬تنظيم‭ ‬مؤتمرها‭ ‬الثامن‭ ‬المزمع‭ ‬عقده‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬مايو‭ ‬الجاري،‭ ‬في‭ ‬4‭ ‬ساحات،‭ ‬هي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬ومصر‭ ‬ولبنان،‭ ‬بهدف‭ ‬ضمان‭ ‬أعلى‭ ‬تمثيل،‭ ‬مع‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬منع‭ ‬إسرائيل‭ ‬أعضاء‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬رام‭ ‬الله‭.‬

إن‭ ‬من‭ ‬يتابع‭ ‬تحضيرات‭ ‬حركة‭ ‬فتح‭ ‬لعقد‭ ‬مؤتمرها‭ ‬الثامن‭ ‬يمكن‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬الحركة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬قوة‭ ‬الدفع‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬أمواج‭ ‬التسونامي‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬يابسة‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وفي‭ ‬طريقه‭ ‬ليجرف‭ ‬كل‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬القائمة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬النكبة‭ ‬الجديدة‭ ‬بأحزابها‭ ‬وقواها‭ ‬القديمة‭ ‬وطويت‭ ‬صفحة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لتؤرخ‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬وما‭ ‬بعد،‭ ‬فإعدادات‭ ‬المؤتمر‭ ‬لا‭ ‬تناقش‭ ‬سياسات‭ ‬ولا‭ ‬فكراً‭ ‬ولا‭ ‬برامج‭ ‬كالتي‭ ‬اعتاد‭ ‬الزعيم‭ ‬التاريخي‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات‭ (‬أبو‭ ‬عمار‭) ‬أن‭ ‬يشعل‭ ‬ورشاتها‭ ‬بين‭ ‬مفكري‭ ‬وساسة‭ ‬الحركة‭.‬

فقد‭ ‬غاب‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬ليبدو‭ ‬المؤتمر‭ ‬كأنه‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬النخبة‭ ‬السياسية‭ ‬للحركة‭ ‬فيتم‭ ‬تفريخ‭ ‬مجموعات‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تحشيداً‭ ‬وتأييداً‭.‬

يضع‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الأمل‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬فتح‭ ‬باعتبارها‭ ‬القوة‭ ‬غير‭ ‬المغامرة‭ ‬والأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬وحرصاً،‭ ‬وقد‭ ‬ترسخ‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬والفرق‭ ‬الأشد‭ ‬وضوحاً‭ ‬بين‭ ‬المدرستين‭ ‬اللتين‭ ‬تصارعتا‭ ‬عقودا‭ ‬في‭ ‬برامجهما‭ ‬لينتهي‭ ‬مشروع‭ ‬التيار‭ ‬الإسلامي‭ ‬بكل‭ ‬تلك‭ ‬الخسارات‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

لكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬لم‭ ‬تدرك‭ ‬كيف‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬وستخيب‭ ‬آمال‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬فتح‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬لتلائم‭ ‬نفسها‭ ‬مع‭ ‬مستجدات‭ ‬الكارثة‭ ‬وأمواج‭ ‬التسونامي‭ ‬العاتية‭ ‬التي‭ ‬ستجرف‭ ‬الجميع‭.‬

إن‭ ‬فرادة‭ ‬الوضع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وأزمة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وانحسار‭ ‬الدخل‭ ‬وسيطرة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج‭ ‬ومحدودية‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬يرزح‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬مصدراً‭ ‬مهماً‭ ‬للدخل‭ ‬العالي‭ ‬ومستوى‭ ‬الحياة‭ ‬لدى‭ ‬المشتغلين‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬مراكزه‭ ‬الأولى‭ ‬وقادة‭ ‬الفصائل‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬نشأة‭ ‬السلطة،‭ ‬وهذا‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الفرص‭ ‬القائمة‭ ‬يأخذ‭ ‬طابع‭ ‬المزاحمة‭ ‬الشديدة‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬حركة‭ ‬فتح‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬احتكار‭ ‬إمكانيات‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭.‬

وفي‭ ‬غياب‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬مؤتمر‭ ‬فتح‭ ‬ورشة‭ ‬صراع‭ ‬سياسات‭ ‬وأفكار‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يصبح‭ ‬صراعات‭ ‬مواقع،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬مسألة‭ ‬عادية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬اعتقدت‭ ‬فيها‭ ‬الحركة‭ ‬أنها‭ ‬ألقت‭ ‬بالبندقية‭ ‬وتحولت‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬يقوم‭ ‬بمهمة‭ ‬إدارة‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما،‭ ‬فإنها‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬لحظة‭ ‬حقيقة‭ ‬حاولت‭ ‬تجاهلها‭ ‬طويلاً‭ ‬هي‭ ‬أزمة‭ ‬إسدال‭ ‬الستار‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬قادته‭ ‬الحركة‭ ‬بالتوجه‭ ‬إلى‭ ‬التسوية‭ ‬والمفاوضات،‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتوقف‭ ‬أمام‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تركها‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬لا‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬حركات‭ ‬التحرر‭ ‬ودورها‭ ‬مع‭ ‬شعب‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وتلك‭ ‬مكانة‭ ‬كانت‭ ‬مقبولة‭ ‬أثناء‭ ‬المفاوضات‭ ‬وفي‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬حلم‭ ‬الدولة،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬فكرياً‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الفراغ‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬البندقية‭ ‬ونهاية‭ ‬التسوية‭ ‬كبرنامج‭ ‬للحركة‭ ‬بعد‭ ‬الانعطافة‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬نحو‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭.‬

وبدل‭ ‬أن‭ ‬تستغل‭ ‬حركة‭  ‬فتح‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬ينهار‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بعد‭ ‬انكشاف‭ ‬مشروع‭ ‬حركة‭  ‬حماس‭ ‬ومعها‭ ‬باقي‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وبراءة‭ ‬حركة‭ ‬فتح‭ ‬من‭ ‬المغامرة،‭ ‬وبدل‭ ‬أن‭ ‬تستغل‭ ‬الأمر‭ ‬لتشكل‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬حاضنة‭ ‬أبوية‭ ‬وحالة‭ ‬رعوية‭ ‬فلسطينية‭ ‬بتوسيع‭ ‬مساحات‭ ‬الحركة‭ ‬لتتسع‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬خارج‭ ‬فتح،‭ ‬فإنها‭ ‬تضيق‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬حتى‭ ‬أمام‭ ‬أبناء‭ ‬فتح،‭ ‬لنجد‭ ‬كفاءات‭ ‬سياسية‭ ‬وإعلامية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الحركة‭ ‬لا‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬مؤتمراتها‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فالمعايير‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬أزمان‭ ‬مضت‭ ‬وإن‭ ‬تطلبت‭ ‬اللحظة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر‭ ‬مختلفاً‭ ‬لكنه‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬يشبه‭ ‬سابقيه‭ ‬كأن‭ ‬مياهاً‭ ‬كثيرة‭ ‬لم‭ ‬تجرِ‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬السياسة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتجرف‭ ‬معها‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وعلى‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬يتحسس‭ ‬رأسه‭.‬

لا‭ ‬يملك‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬ترف‭ ‬الخيارات،‭ ‬وبينما‭ ‬تنشغل‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بفكرة‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروع‭ ‬لجنة‭ ‬إدارية‭ ‬للضفة‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭ ‬حركة‭ ‬فتح‭ ‬بعد‭ ‬تطبيق‭ ‬النموذج‭ ‬بغزة،‭ ‬تستعد‭ ‬فتح‭ ‬لمؤتمرها‭ ‬بمقدمات‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬حداً‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬الشعور‭ ‬بالخطر‭ ‬لتنحصر‭ ‬التحضيرات‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الطبقة‭ ‬القيادية‭ ‬التي‭ ‬تنشغل‭ ‬المجموعات‭ ‬بالتحشيد‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬تعقده‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬اللحظات‭ ‬سواداً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

ويبدو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المزاج‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬التوزيع‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬وفقاً‭ ‬لمعايير‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الإحباط‭ ‬لرأي‭ ‬عام‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬فتح‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أعمدة‭ ‬البيت‭ ‬بعد‭ ‬الانهيارات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وإذ‭ ‬بها‭ ‬تدير‭ ‬مؤتمراً‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬بهذه‭ ‬المعايير‭ ‬وتلك‭ ‬معضلة‭. ‬كالعادة‭ ‬تحظى‭ ‬مؤتمرات‭ ‬فتح‭ ‬باهتمام‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬مؤتمرات‭ ‬الفصائل‭ ‬لأسباب‭ ‬كثيرة،‭ ‬وهذا‭ ‬المؤتمر‭ ‬يحظى‭ ‬بنفس‭ ‬الاهتمام،‭ ‬لكن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬ينعقد‭ ‬فيها‭ ‬شديدة‭ ‬الالتباس؛‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الضياع،‭ ‬وهنا‭ ‬سيحدد‭ ‬مؤتمر‭ ‬فتح‭ ‬هل‭ ‬سيكتب‭ ‬شهادة‭ ‬ولادتها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬الراهن‭ ‬أم‭ ‬سيكرس‭ ‬عجزها‭ ‬وفقاً‭ ‬للنكبة‭ ‬الراهنة‭ ‬وحركة‭ ‬التاريخ‭ ‬ومنطق‭ ‬الإزاحة‭ ‬الطبيعي‭ ‬بعد‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬صحفي‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا