العدد : ١٧٥٨٠ - الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٠ - الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حرب إيران والصراع على المعادن النادرة بين أمريكا والصين

بقلم: د. رشا مصطفى عوض

الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬محاولة‭ ‬لاستشراف‭ ‬طبيعة‭ ‬الحروب‭ ‬المقبلة،‭ ‬يُنسب‭ ‬إلى‭ ‬ألبرت‭ ‬أينشتاين‭ ‬قوله‭ ‬الشهير‭: ‬‮«‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬بأي‭ ‬أسلحة‭ ‬ستُخاض‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثالثة،‭ ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الرابعة‭ ‬ستُخاض‭ ‬بالعصى‭ ‬والحجارة‮»‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المفارقة‭ ‬الأعمق‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬السلاح‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬ما‭ ‬يصنعه‭ ‬ويُغذيه‭ ‬ويضمن‭ ‬استمراره‭. ‬فالحروب‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُفهم‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عدد‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬والمنصات‭ ‬العسكرية؛‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يُغذيها‭ ‬في‭ ‬العمق؛‭ ‬أي‭ ‬المعادن‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬التوجيه‭ ‬والرصد‭ ‬والدفاع‭ ‬الجوي،‭ ‬وفي‭ ‬الشرائح‭ ‬والمغناطيسات‭ ‬والسبائك‭ ‬والمواد‭ ‬عالية‭ ‬الأداء‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬عسكرية؛‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬تكشف‭ ‬بنية‭ ‬جديدة‭ ‬للقوة‭ ‬العالمية،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الجغرافيا‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الصناعية،‭ ‬وتتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬الجاهزية‭ ‬القتالية‭ ‬مع‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬المعدنية‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬هل‭ ‬تدفع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬إلى‭ ‬جولة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬أو‭ ‬الحرجة؟‭ ‬الجواب‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الدقة‭ ‬هو‭ ‬نعم،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬تنقل‭ ‬مواقع‭ ‬المناجم‭ ‬أو‭ ‬تغيّر‭ ‬خرائط‭ ‬الإنتاج‭ ‬مباشرة؛‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تُعيد‭ ‬تعريف‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬المعادن‭ ‬داخل‭ ‬معادلة‭ ‬الردع،‭ ‬وربما‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الاعتماد‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬حلقات‭ ‬صناعية‭ ‬تهيمن‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬أكثرها‭ ‬حساسية،‭ ‬وخاصة‭ ‬التكرير‭ ‬وصناعة‭ ‬المغناطيسات‭.‬

توظيف‭ ‬عسكري‭: ‬تكشف‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬مدخلات‭ ‬للتصنيع‭ ‬أو‭ ‬التحول‭ ‬الطاقي؛‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬الصلبة‭ ‬للجاهزية‭ ‬العسكرية‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬كثافة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬الصاروخي،‭ ‬والطائرات‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬والرادارات،‭ ‬والذخائر‭ ‬الدقيقة؛‭ ‬ارتفع‭ ‬معها‭ ‬الوزن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للمعادن‭ ‬الداخلة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تخلق‭ ‬أهمية‭ ‬المعادن‭ ‬من‭ ‬فراغ؛‭ ‬لكنها‭ ‬تنقلها‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬الحساب‭ ‬الصناعي‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الحساب‭ ‬الأمني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتضح‭ ‬في‭ ‬الآتي‭:‬

1-‭ ‬تقدم‭ ‬القيمة‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬نظيرتها‭ ‬الصناعية‭: ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‭ ‬المُستدام‭ ‬أو‭ ‬التصنيع‭ ‬المتقدم؛‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬ارتباطها‭ ‬المباشر‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬القتال‭ ‬أو‭ ‬الاستمرار‭ ‬فيه‭.‬

وتشير‭ ‬تحليلات‭ ‬حديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العناصر‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬والمعادن‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬المقاتلات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬والغواصات،‭ ‬والصواريخ‭ ‬الجوالة،‭ ‬والرادارات،‭ ‬والطائرات‭ ‬غير‭ ‬المأهولة،‭ ‬والذخائر‭ ‬الذكية‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬تستنزف‭ ‬وسائل‭ ‬الاعتراض‭ ‬والهجوم‭ ‬الدقيق‭ ‬تدفع‭ ‬هذه‭ ‬المعادن‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬الأولويات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

2-‭ ‬استهلاك‭ ‬الدفاع‭ ‬الصاروخي‭ ‬أعمق‭ ‬مما‭ ‬يبدو‭ ‬على‭ ‬السطح‭: ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الاستهلاك‭ ‬على‭ ‬الصاروخ‭ ‬نفسه؛‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتطلبه‭ ‬إنتاجه‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجه؛‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬عالية‭ ‬النقاء‭ ‬إلى‭ ‬مغناطيسات‭ ‬دقيقة،‭ ‬ومن‭ ‬معادن‭ ‬مقاومة‭ ‬للحرارة‭ ‬إلى‭ ‬مكونات‭ ‬إلكترونية‭ ‬حساسة؛‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬عسكري‭ ‬مطوّل‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬مع‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬الاعتراض‭ ‬والدفاع‭ ‬الجوي؛‭ ‬يضاعف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬فوراً‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬العرض‭ ‬الخام‭.‬

3-‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬وتحديات‭ ‬ملء‭ ‬المخازن‭ ‬وتفريغها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭: ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬الطلب‭ ‬الفوري‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬الميداني‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬ترفع‭ ‬أيضاً‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تكوين‭ ‬المخزونات‭ ‬العسكرية‭. ‬وقد‭ ‬طلبت‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬الماضي‭ ‬مقترحات‭ ‬لتعزيز‭ ‬إمدادات‭ ‬13‭ ‬معدنًا‭ ‬حرجًا‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬الأسلحة‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬وسلاسل‭ ‬الدفاع؛‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التفكير‭ ‬الأمريكي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬المعادن‭ ‬بوصفها‭ ‬مادة‭ ‬أولية؛‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الردع‭ ‬وسرعة‭ ‬التعويض‭.‬

4-‭ ‬تراجُع‭ ‬الكفاءة‭ ‬أمام‭ ‬منطق‭ ‬الجاهزية‭: ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬المورد‭ ‬الأرخص‭ ‬كلفة‭ ‬والأكثر‭ ‬وفرة،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فالمعيار‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬المورد‭ ‬الأوثق‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬التسليم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬الاضطراب‭. ‬ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمشتريات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2027‭ ‬قيودًا‭ ‬أشد‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المغناطيسات‭ ‬ومواد‭ ‬التنتالوم‭ ‬والتنجستن‭ (‬الذي‭ ‬يُطلق‭ ‬عليه‭ ‬أحياناً‭ ‬معدن‭ ‬الحروب‭)‬؛‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬مستخرجة‭ ‬أو‭ ‬مكررة‭ ‬أو‭ ‬مفصولة‭ ‬أو‭ ‬منتجة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مشمولة‭ ‬بالقيود،‭ ‬منها‭ ‬الصين‭. ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬انتقالاً‭ ‬صريحاً‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الكلفة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الجاهزية‭ ‬السيادية‭.‬

القدرة‭ ‬التحويلية‭: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القراءة‭ ‬التقليدية‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الخام‭ ‬تحت‭ ‬الأرض؛‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الندرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر؛‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الفصل،‭ ‬والتكرير،‭ ‬والتصنيع،‭ ‬والتسليم‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬موثوقة‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬المنجم‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬التحويلية‭ ‬تبقى‭ ‬أضعف‭ ‬من‭ ‬أخرى‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬الحلقات‭ ‬الأعلى‭ ‬قيمة‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لا‭ ‬تعزز‭ ‬فقط‭ ‬الحساسية‭ ‬تجاه‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة؛‭ ‬بل‭ ‬تؤشر‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬مكمن‭ ‬التفوق‭ ‬الصيني‭ ‬الحقيقي،‭ ‬كالآتي‭:‬

1-‭ ‬بداية‭ ‬الاختناق‭ ‬بعد‭ ‬الاستخراج‭: ‬تعكس‭ ‬المؤشرات‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬عناصر‭ ‬المغناطيسات‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬قد‭ ‬تضاعف‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬وأنه‭ ‬مرشح‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬النمو‭. ‬وتبدو‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬توافر‭ ‬الخام‭ ‬وحده؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬محدودية‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬أكاسيد‭ ‬ومعادن‭ ‬ومغناطيسات‭ ‬قابلة‭ ‬للاستخدام‭ ‬الصناعي‭ ‬والدفاعي‭.‬

2-‭ ‬هيمنة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬الحلقة‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭: ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية،‭ ‬تسيطر‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬91‭% ‬من‭ ‬تكرير‭ ‬العناصر‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬المغناطيسية،‭ ‬وقرابة‭ ‬94‭% ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬المغناطيسات‭ ‬الدائمة‭ ‬الملبدة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭. ‬وهذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الصينية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬التعدين؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التعدين؛‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬الحلقة‭ ‬التي‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬صناعية‭ ‬وعسكرية‭ ‬فعلية‭.‬

3-‭ ‬رفع‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬كلفة‭ ‬المنظومة‭: ‬لم‭ ‬تُصب‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬مناجم‭ ‬العناصر‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬مباشرة؛‭ ‬لكنها‭ ‬زادت‭ ‬هشاشة‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬فيها‭ ‬الصناعة‭ ‬العالمية؛‭ ‬أي‭ ‬الشحن،‭ ‬والتأمين،‭ ‬والطاقة،‭ ‬واليقين‭ ‬اللوجستي‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تطورات‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب‭ ‬يتعلق‭ ‬بمضاعفة‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬النقل‭ ‬والطاقة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الخام‭ ‬نفسه‭. ‬وهذه‭ ‬القناة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬كافية‭ ‬لرفع‭ ‬كلفة‭ ‬المعالجة‭ ‬والتصنيع‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة‭.‬

تنافس‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين‭: ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬القلق؛‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬السوق‭ ‬نفسه‭. ‬فالعالم‭ ‬يتجه‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬معدني‭ ‬جديد،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬السياسة‭ ‬الصناعية‭ ‬مع‭ ‬التحالفات‭ ‬الأمنية،‭ ‬وتُعاد‭ ‬فيه‭ ‬صياغة‭ ‬معنى‭ ‬السوق‭ ‬والتمويل‭ ‬والتسعير‭ ‬والتخزين‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬تعزز‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني؛‭ ‬لأنها‭ ‬تدفع‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقعه‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬عالمية‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬الانقسام،‭ ‬كالآتي‭:‬

1‭- ‬تقدم‭ ‬التحالفات‭ ‬المعدنية‭: ‬في‭ ‬شهر‭ ‬إبريل‭ ‬الماضي‭ ‬رفعت‭ ‬أستراليا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دعمهما‭ ‬المشترك‭ ‬لمشروعات‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬أسترالي،‭ ‬مع‭ ‬تمويل‭ ‬مشروعات‭ ‬للتكرير‭ ‬والعناصر‭ ‬الأرضية‭ ‬النادرة‭ ‬والغاليوم‭ ‬والتنجستن‭ ‬والغرافيت‭ ‬وغيرها‭. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬دلالة‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬على‭ ‬بعدها‭ ‬المالي؛‭ ‬بل‭ ‬تحمل‭ ‬بُعداً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬واضحاً؛‭ ‬إذ‭ ‬تدفع‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬بناء‭ ‬البدائل‭ ‬أولوية‭ ‬أمنية،‭ ‬وتُحوّل‭ ‬الشراكات‭ ‬المعدنية‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬الدفاعية‭ ‬الأوسع‭ ‬بين‭ ‬الحلفاء‭.‬

3-‭ ‬تحرك‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الشراء‭ ‬إلى‭ ‬التنظيم‭: ‬أطلقت‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬منصة‭ ‬لتجميع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬الحرجة‭ ‬وربط‭ ‬المشترين‭ ‬بالموردين‭ ‬والجهات‭ ‬الممولة‭ ‬ومقدمي‭ ‬التخزين‭. ‬وهذا‭ ‬التطور‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكتفي‭ ‬بدعوات‭ ‬التنويع؛‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تبني‭ ‬آلية‭ ‬مؤسسية‭ ‬لإدارة‭ ‬الطلب‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬الأحادي‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب؛‭ ‬تزداد‭ ‬جاذبية‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ ‬الجماعي‭ ‬للسوق‭.‬

4-‭ ‬فتحت‭ ‬الحرب‭ ‬منافسة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬المعركة‭ ‬نفسها‭: ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تراجع‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬البنيوي‭ ‬سيبقى؛‭ ‬فهناك‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التخزين،‭ ‬ومزيد‭ ‬من‭ ‬العقود‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬ومزيد‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الدفاعية‭. ‬وهذا‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬خريطة‭ ‬المعادن‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب؛‭ ‬لكنها‭ ‬تُسرّع‭ ‬تشكّل‭ ‬صراع‭ ‬أطول‭ ‬أمداً‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬منظومة‭ ‬معدنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭.‬

دروس‭ ‬مستفادة‭: ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬أوقفت‭ ‬إمدادات‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة‭ ‬مباشرة؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬كشفت‭ ‬معنى‭ ‬جديداً‭ ‬للسيطرة‭ ‬عليها‭. ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬2026،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬امتلاك‭ ‬الخام‭ ‬وحده‭ ‬معياراً‭ ‬كافياً‭ ‬للقوة،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬انخفاض‭ ‬السعر‭ ‬وحده‭ ‬معياراً‭ ‬كافياً‭ ‬للأمان؛‭ ‬لكن‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬باتت‭ ‬تُقاس‭ ‬بامتلاك‭ ‬المنظومة؛‭ ‬أي‭ ‬منجماً‭ ‬وتكريراً‭ ‬وتصنيعاً‭ ‬وتسعيراً‭ ‬وتخزيناً‭ ‬وتحالفاً‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬التسليم‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الاضطراب‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يُمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬تعزز‭ ‬بالفعل‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة؛‭ ‬لأنها‭ ‬ترفع‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬داخل‭ ‬بنية‭ ‬الردع‭ ‬الحديثة،‭ ‬وتكشف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬حلقاتها‭ ‬الأشد‭ ‬حساسية،‭ ‬بينما‭ ‬تسعى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬هذا‭ ‬الاعتماد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬استراتيجية‭.‬

وهكذا،‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬المعدن‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬جاهزية،‭ ‬والجاهزية‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ،‭ ‬والنفوذ‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬عندما‭ ‬تختبر‭ ‬الحرب‭ ‬حدود‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

{‭ ‬أكاديمية‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا