العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٩ - الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

قصة مثيرة لفنان ثروته للدولة وأبناؤه بلا إرث!

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ١٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

أب‭ ‬يهب‭ ‬ثروته‭ ‬للدولة‭ ‬ويحرم‭ ‬أبناءه‭ ‬السبعة‭. ‬الخبر‭ ‬تداوله‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬والجرائد‭ ‬ونشرات‭ ‬الأخبار،‭ ‬وشدّني‭ ‬كثيراً،‭ ‬لأن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬ما‭ ‬يتجاوز‭ ‬الشهرة‭ ‬والملايين،‭ ‬وتطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬يسكن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بيت‭.‬

إبراهيم‭ ‬تاتليسس،‭ ‬إمبراطور‭ ‬الأغنية‭ ‬الشعبية‭ ‬التركية‭ ‬الذي‭ ‬بنى‭ ‬ثروة‭ ‬تُقدَّر‭ ‬بمئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬المستشفى‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬والسبعين‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استأصل‭ ‬الأطباء‭ ‬مرارته،‭ ‬ووقف‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرات‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحمل‭ ‬أثر‭ ‬الوجع‭ ‬في‭ ‬وجهه‭. ‬تحدّث‭ ‬باختصار‭ ‬وحسم،‭ ‬وأعلن‭ ‬وصيته‭ ‬للملأ‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يمشي‭ ‬على‭ ‬قدميه‭.‬

القصة‭ ‬جذورها‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المستشفى‭. ‬فصوته‭ ‬الشعبي‭ ‬رافق‭ ‬ملايين‭ ‬العرب‭ ‬والأتراك‭ ‬عقودا،‭ ‬وأغانيه‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُسمع‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬كثيرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭. ‬رجل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬وصل‭ ‬به‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يُعلن‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرات‭ ‬قطيعته‭ ‬مع‭ ‬أبنائه‭. ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬يكشف‭ ‬عمق‭ ‬الجرح‭.‬

قبل‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬بأشهر،‭ ‬كان‭ ‬النزاع‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬المحاكم،‭ ‬حين‭ ‬طالب‭ ‬نجله‭ ‬الأكبر‭ ‬أحمد‭ ‬بتعيين‭ ‬وصيٍّ‭ ‬على‭ ‬والده‭ ‬بحجة‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونه‭. ‬والأب‭ ‬الذي‭ ‬شقّ‭ ‬طريقه‭ ‬من‭ ‬الصفر،‭ ‬من‭ ‬فتى‭ ‬فقير‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬يمتلك‭ ‬الفنادق‭ ‬والعقارات‭ ‬والقنوات‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬ردّ‭ ‬بدعاوى‭ ‬قضائية‭ ‬طالت‭ ‬نجله‭ ‬وحفيده‭ ‬معاً‭. ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬أهلية‭ ‬الأب‭ ‬وعقله‭ ‬القانوني‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُوجَّه‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬بنى‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نفسه‭.‬

القانون‭ ‬التركي‭ ‬يكفل‭ ‬للأبناء‭ ‬حصة‭ ‬محجوزة‭ ‬في‭ ‬التركة‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالوصية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬أعلنه‭ ‬الرجل‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرات‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مختلفاً‭ ‬عما‭ ‬ستقرره‭ ‬المحاكم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬القانون‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أثقل‭ ‬وأكثر‭ ‬إيلاماً‭: ‬هل‭ ‬يملك‭ ‬الإنسان‭ ‬أخلاقياً‭ ‬أن‭ ‬يمحو‭ ‬أبناءه‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حياً‭ ‬يرى‭ ‬ويسمع؟

الأبناء‭ ‬لم‭ ‬يختاروا‭ ‬أن‭ ‬يولدوا‭ ‬لأب‭ ‬مشهور‭. ‬وجاؤوا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يختاروا‭ ‬شروطها‭. ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬الأب‭ ‬‮«‬لن‭ ‬يحصلوا‭ ‬على‭ ‬قرش‭ ‬واحد‮»‬،‭ ‬فهو‭ ‬يُعلن‭ ‬جرحا‭ ‬بلغ‭ ‬حدّ‭ ‬الانفجار‭ ‬أمام‭ ‬الملأ‭.‬

المال‭ ‬الذي‭ ‬يُوهب‭ ‬للدولة‭ ‬لن‭ ‬يُرمّم‭ ‬علاقة‭ ‬تصدّعت‭. ‬والأب‭ ‬بدوره‭ ‬لم‭ ‬يختَر‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬الاتهام‭ ‬أمام‭ ‬أبنائه‭. ‬من‭ ‬يُطعن‭ ‬في‭ ‬أهليته‭ ‬العقلية‭ ‬من‭ ‬صلبه‭ ‬يحمل‭ ‬جرحاً‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً‭.‬

وثمة‭ ‬ما‭ ‬يستوقف‭ ‬أكثر‭.. ‬المغني‭ ‬لديه‭ ‬سبعة‭ ‬أبناء‭. ‬الخلاف‭ ‬القانوني‭ ‬نشأ‭ ‬مع‭ ‬أحدهم،‭ ‬والدعاوى‭ ‬طالت‭ ‬اثنين‭. ‬فكيف‭ ‬يقع‭ ‬الحرمان‭ ‬على‭ ‬السبعة‭ ‬جميعاً‭ ‬بجريرة‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬اثنين؟‭ ‬العقوبة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬مرفوضة،‭ ‬وفي‭ ‬الأخلاق‭ ‬هي‭ ‬أشد‭ ‬إيلاماً‭. ‬الأبناء‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يُخطئوا‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬واحدة‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬أشعل‭ ‬الخلاف‭. ‬هل‭ ‬الغضب‭ ‬حين‭ ‬يعمى‭ ‬يُميّز‭ ‬بين‭ ‬مذنب‭ ‬وبريء؟

من‭ ‬يُحسن‭ ‬بناء‭ ‬الأعمال‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يحتاج‭ ‬رعاية‭ ‬متواصلة‭. ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الأبناء‭ ‬تحتاج‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬وحضور‭ ‬وحوار‭ ‬يسبق‭ ‬الخلاف‭. ‬الآباء‭ ‬الذين‭ ‬يغرقون‭ ‬في‭ ‬ثرواتهم‭ ‬أحياناً‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬الوصية‭ ‬ليجدوا‭ ‬أمامهم‭ ‬غرباء‭ ‬يحملون‭ ‬اسمهم‭.‬

في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬نتساءل‭ ‬أحياناً‭ ‬كيف‭ ‬وصلت‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭. ‬والإجابة‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬أن‭ ‬جذر‭ ‬المشكلة‭ ‬يتجاوز‭ ‬المال،‭ ‬إنها‭ ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬تتسع‭ ‬ببطء‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬الواحد‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬هوّة‭ ‬لا‭ ‬يردمها‭ ‬إرث‭ ‬ولا‭ ‬وصية‭.‬

ما‭ ‬الإرث‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يتركه‭ ‬الإنسان‭ ‬خلفه؟‭ ‬المال‭ ‬يُوزَّع‭ ‬أو‭ ‬يُوهب‭ ‬أو‭ ‬تبتلعه‭ ‬الخلافات‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأبناء‭ ‬هو‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬تماماً،‭ ‬طريقة‭ ‬أب‭ ‬في‭ ‬الحديث،‭ ‬لحظة‭ ‬وقف‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬جانبهم،‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬طال‭ ‬حتى‭ ‬نسوا‭ ‬ملامحه‭. ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬كثيرة‭ ‬بيننا‭ ‬تدور‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الأضواء،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كاميرات‭ ‬ولا‭ ‬محاكم‭ ‬ولا‭ ‬صحف،‭ ‬لكن‭ ‬بنفس‭ ‬الثمن‭.‬

الإرث‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يُكتب‭ ‬عند‭ ‬كاتب‭ ‬العدل‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الأجدى‭ ‬لتاتليسس‭ ‬ولكل‭ ‬أب‭ ‬يحمل‭ ‬جرحاً‭ ‬من‭ ‬أبنائه‭ ‬أن‭ ‬يتساءل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يوقّع‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬حياتهم،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬فعلاً؟

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا