أب يهب ثروته للدولة ويحرم أبناءه السبعة. الخبر تداوله الناس في وسائل التواصل والجرائد ونشرات الأخبار، وشدّني كثيراً، لأن في هذه القصة ما يتجاوز الشهرة والملايين، وتطرح سؤالاً يسكن في كل بيت.
إبراهيم تاتليسس، إمبراطور الأغنية الشعبية التركية الذي بنى ثروة تُقدَّر بمئات الملايين من الدولارات، خرج من المستشفى وهو في الرابعة والسبعين من عمره بعد أن استأصل الأطباء مرارته، ووقف أمام الكاميرات وهو لا يزال يحمل أثر الوجع في وجهه. تحدّث باختصار وحسم، وأعلن وصيته للملأ وهو لا يزال يمشي على قدميه.
القصة جذورها أعمق من باب المستشفى. فصوته الشعبي رافق ملايين العرب والأتراك عقودا، وأغانيه لا تزال تُسمع في بيوت كثيرة حتى اليوم. رجل من هذا الحجم وصل به الأمر إلى أن يُعلن أمام الكاميرات قطيعته مع أبنائه. وهذا وحده يكشف عمق الجرح.
قبل هذا الإعلان بأشهر، كان النزاع قد وصل إلى المحاكم، حين طالب نجله الأكبر أحمد بتعيين وصيٍّ على والده بحجة أنه لم يعد قادراً على إدارة شؤونه. والأب الذي شقّ طريقه من الصفر، من فتى فقير في جنوب تركيا إلى رجل يمتلك الفنادق والعقارات والقنوات التلفزيونية، ردّ بدعاوى قضائية طالت نجله وحفيده معاً. الطعن في أهلية الأب وعقله القانوني هو من أشد ما يمكن أن يُوجَّه إلى إنسان بنى حياته كلها على الاعتماد على نفسه.
القانون التركي يكفل للأبناء حصة محجوزة في التركة لا تسقط بالوصية، ما يعني أن ما أعلنه الرجل أمام الكاميرات قد يكون مختلفاً عما ستقرره المحاكم في نهاية المطاف. غير أن السؤال الأهم يتجاوز حدود القانون إلى ما هو أثقل وأكثر إيلاماً: هل يملك الإنسان أخلاقياً أن يمحو أبناءه من حياته وهو لا يزال حياً يرى ويسمع؟
الأبناء لم يختاروا أن يولدوا لأب مشهور. وجاؤوا إلى هذه العلاقة من دون أن يختاروا شروطها. حين يقول الأب «لن يحصلوا على قرش واحد»، فهو يُعلن جرحا بلغ حدّ الانفجار أمام الملأ.
المال الذي يُوهب للدولة لن يُرمّم علاقة تصدّعت. والأب بدوره لم يختَر أن يجد نفسه في قفص الاتهام أمام أبنائه. من يُطعن في أهليته العقلية من صلبه يحمل جرحاً من نوع مختلف تماماً.
وثمة ما يستوقف أكثر.. المغني لديه سبعة أبناء. الخلاف القانوني نشأ مع أحدهم، والدعاوى طالت اثنين. فكيف يقع الحرمان على السبعة جميعاً بجريرة واحد أو اثنين؟ العقوبة الجماعية في القانون مرفوضة، وفي الأخلاق هي أشد إيلاماً. الأبناء الذين لم يُخطئوا يجدون أنفسهم في خانة واحدة مع من أشعل الخلاف. هل الغضب حين يعمى يُميّز بين مذنب وبريء؟
من يُحسن بناء الأعمال يعرف أن كل شيء يحتاج رعاية متواصلة. العلاقة مع الأبناء تحتاج هي الأخرى إلى بناء وحضور وحوار يسبق الخلاف. الآباء الذين يغرقون في ثرواتهم أحياناً يصلون إلى الوصية ليجدوا أمامهم غرباء يحملون اسمهم.
في مجتمعاتنا نتساءل أحياناً كيف وصلت الأسر إلى هذه النقطة. والإجابة في الغالب أن جذر المشكلة يتجاوز المال، إنها المسافة التي تتسع ببطء بين الناس داخل البيت الواحد حتى تصبح هوّة لا يردمها إرث ولا وصية.
ما الإرث الحقيقي الذي يتركه الإنسان خلفه؟ المال يُوزَّع أو يُوهب أو تبتلعه الخلافات. لكن ما يبقى في ذاكرة الأبناء هو شيء آخر تماماً، طريقة أب في الحديث، لحظة وقف فيها إلى جانبهم، أو غياب طال حتى نسوا ملامحه. في بيوت كثيرة بيننا تدور هذه المعادلة بعيداً عن الأضواء، من دون كاميرات ولا محاكم ولا صحف، لكن بنفس الثمن.
الإرث الحقيقي لا يُكتب عند كاتب العدل. وربما كان الأجدى لتاتليسس ولكل أب يحمل جرحاً من أبنائه أن يتساءل قبل أن يوقّع: ما الذي أردت أن أكون في حياتهم، وما الذي كنت فعلاً؟
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك