خلال الذكرى الـخمسين بعد المائتين لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، يُعدّ شهر التراث العربي الأمريكي هذا وقتًا مناسبًا للتأمل في تاريخ الهجرة العربية إلى أمريكا ووجود الجالية العربية المستمر هنا على مدى قرون من الزمن.
وخلال القرن الأول من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لم يأتِ سوى عدد قليل من المهاجرين من العالم العربي، تاركين وراءهم حكايات متنوعة، ما بين مهاجر عربي قاتل في حرب الاستقلال الأمريكية إلى ذلك العربي القادم من شمال إفريقيا الذي استقر في ولاية كارولينا الشمالية في أوائل القرن الثامن عشر.
لكن في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بدأت مجموعات أكبر من المهاجرين العرب بالوصول. وعلى غرار نظرائهم من جنوب أوروبا، سعوا إلى الحصول على فرص عمل في مدن المصانع في نيو إنجلاند، وولايات منتصف المحيط الأطلسي، وولايات الغرب الأوسط، وقد هاجر معظمهم من مناطق الإمبراطورية العثمانية المعروفة اليوم باسم سوريا ولبنان.
ومثل غيرهم من المجتمعات المهاجرة العرقية، استقر هؤلاء المهاجرين العرب بالقرب من عائلاتهم الممتدة وأصدقائهم من القرى أو المدن التي أتوا منها، وقاموا ببناء أماكن للعبادة لتأسيس أنفسهم في مجتمعاتهم الجديدة.
تنتشر المجتمعات المسيحية المارونية الكاثوليكية والسريانية أو اليونانية الأرثوذكسية في ولايات كونيتيكت ورود آيلاند وماساتشوستس ونيويورك، ويعود تاريخها جميعًا إلى القرن التاسع عشر. وقد تأسست أول المساجد في أمريكا في نفس الفترة تقريبًا في ولايتي داكوتا الشمالية وأيوا على يد مهاجرين مسلمين لبنانيين.
وقد شهدت الهجرة من منطقة جبل لبنان ارتفاعاً حاداً خلال العقد الثاني من القرن العشرين، نتيجة للمجاعة التي نجمت عن الحرب العالمية الأولى وأعمال الحلفاء والأتراك. وقد فقد جبل لبنان جراء هذه العوامل ما يقارب نصف سكانه بسبب الجوع والمرض والهجرة.
ومثل غيرهم من المهاجرين المتوسطيين في ذلك الوقت عمل الكثير منهم كباعة متجولين وراحوا يبيعون بضائعهم وخدماتهم من باب إلى باب. ونظراً إلى اعتبارهم «أجانب» بسبب بشرتهم الداكنة، نشأت ردود فعل عنيفة ضد الإيطاليين واليونانيين و«السوريين»، ووقع كثيرون منهم ضحايا للعنف وحتى الإعدام خارج نطاق القانون.
وبحلول منتصف عشرينيات القرن العشرين تم إعداد تشريع لإلغاء حصص التأشيرات الخاصة بهم، ما أدى إلى انخفاض حاد في الهجرة القانونية من العالم العربي.
وقد شهدت الموجة الأولى من الهجرة العربية، من عام 1880 إلى عام 1920، حوالي 65000 مهاجر من «سوريا الكبرى». وخلال العقود الأربعة التالية انخفض عدد المهاجرين الجدد من الدول العربية إلى أقل من 20000.
ولا شك أن غياب المهاجرين الجدد، والكساد الكبير، وفيض الوطنية المفرطة التي تولدت عن الحربين العالميتين وحملة المكارثية، كانت من أهم العوامل التي عجلت باندماج «السوريين» في الحياة الأمريكية.
وبحلول ستينيات القرن العشرين، ونتيجة للنمو الطبيعي، بلغ عدد الأمريكيين العرب ما يقارب ثلاثة أرباع مليون نسمة، معظمهم من السوريين واللبنانيين. ومع رفع القيود المفروضة على هجرة العرب، بدأ عدد أفراد الجالية وتكوينها بالتغير والنمو.
ارتفعت الهجرة الأمريكية من المنطقة العربية إلى أكثر من 100 ألف مهاجر في العقد الواحد. ويعود هذا الارتفاع إلى: الظروف المضطربة التي هزت المنطقة العربية، بما في ذلك قيام إسرائيل وطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم؛ والاضطرابات الأهلية الناجمة عن النضال من أجل التخلص من الحكم الاستعماري؛ وتراكم طلبات اللاجئين السوريين واللبنانيين الساعين إلى لم شمل أسرهم بعد عقود من الانفصال.
وبينما كان المهاجرون السابقون في الغالب مسيحيين من الشرق العربي، كانت هذه الموجة الثالثة أكثر تنوعًا: ما يقرب من الربع من سوريا ولبنان، والربع من مصر، ومجموعة أكبر قليلاً من الأردن (العديد منهم فلسطينيون)، والباقون من 14 دولة عربية أخرى.
وقد شهدت العقود الأولى من هذا القرن أكبر الزيادات في الهجرة العربية. وكانت الحروب والاضطرابات السياسية من العوامل الرئيسية التي دفعت 1.1 مليون شخص إلى الهجرة، حيث جاء أكثر من نصفهم من العراق ومصر والأردن، وثلث آخر من الصومال وسوريا ولبنان واليمن.
وقد اتبع هؤلاء المهاجرون الجدد أنماط الاستيطان نفسها ومساراً مماثلاً نحو النجاح كما فعلت الموجات السابقة. فعلى سبيل المثال، قدم اليمنيون في سبعينيات القرن الماضي كعمال مزارع أو موانئ، ثم أصبحوا الآن منظمين في كتلة قوية من أصحاب الأعمال الصغيرة في نيويورك وعبر كاليفورنيا، بينما يشكل أبناؤهم رابطة من المهنيين اليمنيين الشباب.
وينطبق هذا الأمر نفسه على الفلسطينيين والمصريين والأردنيين والعراقيين، وكذلك على الجاليات الصومالية والسودانية التي وصلت في الآونة الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وبينما كان المسؤولون المنتخبون العرب الأمريكيون في القرن الماضي لبنانيين في الغالب، يشغل الفلسطينيون والمصريون واليمنيون والصوماليون والسودانيون الآن مناصب عامة مهمة.
إننا نروي قصص النجاح هذه ونحتفل بها، ولكن لإكمال الصورة، يجب الإشارة إلى بعض العوامل الإضافية. فقد دفعت الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط والسياسات الأمريكية الكارثية العديد من الأمريكيين العرب إلى الانخراط في العمل السياسي. ومع ازدياد أعدادنا وقدراتنا التنظيمية، تبنت بعض الجماعات المؤيدة لإسرائيل نهجاً قائماً على مبدأ الربح والخسارة في التمكين السياسي.
لقد بُذلت جهود لإسكات أصواتنا، وتشويه سمعتنا، واستبعادنا من السياسة والإعلام، ما أدى إلى تحريض خطير ضد العرب، وتشويه سمعة القادة والناشطين العرب الأمريكيين، وحتى تلقي تهديدات بالقتل وعنف سياسي يستهدف قادة ومنظمات مجتمعنا.
لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد؛ فعلى الرغم من التعصب وجرائم الكراهية والحملات الرامية إلى تشويه سمعتنا وإسكاتنا، استمر مجتمعي في النمو من حيث القدرة والتمثيل والصوت.
أما الأمر الأكثر إثارة للاستغراب فهو لا يتعلق بالعداء الذي تحمله المجتمع العربي الأمريكي، بل بإصراره على المطالبة بالمشاركة الكاملة في الحياة المدنية الأمريكية، وعدم فقدانه الإيمان بوعد أمريكا كأمة من المهاجرين، وإدراكه أن عملنا يعزز الديمقراطية الأمريكية كل يوم.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك