لأسباب عديدة يطول شرحها، قد يتراجع الإنسان العربي خطوةً أو خطواتٍ عن محاولة الابتكار، لا عجزاً في بنيته العقلية والمعرفية، بل لأنّه يميل إلى ما هو أسهل وأقلّ كلفةً.
غير أنّ ما يبدو راحةً هنا يُخفي علاقةً أعمق؛ فكلّما ابتعد الإنسان عن إنتاج المعرفة اقترب من الاعتماد على من ينتجها، وكلّما اكتفى باستهلاك الابتكار أصبح جزءاً من منظومة تُملى عليه، ومن ثم تضيع فرص امتلاك أدوات الفهم، ليعيش داخل حدود من يصنعها.
تتزاحم الأرقام والتقارير والدراسات التي تحاول أن تمسك بصورة الواقع العربي وتقارب موقعه من المستقبل العالمي في سياق التقنيات التفاعلية المسمّاة الذكاء الاصطناعي، والسؤال كالعادة يبدو بسيطاً وقاسياً في آن معا: هل نحن جزء من صناعة المستقبل أم مجرّد مستهلكين نهائيين. سؤال قد تطول الإجابة عنه، لكن في سباقات التاريخ الكُبرى لا يخسر المتأخّر موقعه، بل يخسر قدرته على تعريف نفسه، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم؛ فنحن أمام بنية جديدة للاقتصاد العالمي تُعاد فيها صياغة مفهوم القيمة ذاته بين من يصنعها ومن يملكها ومن يدفع ثمنها.
والأمر هنا لا يتعلّق بالشركات كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فشركات الذكاء الاصطناعي لا تولد في فراغ ولا تنمو بالمصادفة، بل هي نتاج بيئة كاملة تصنعها الحكومات من قوانين بيانات واضحة وبنية تحتية رقمية متينة واستثمار طويل النَّفس في البحث العلمي ومنظومة تعليم فكرية لا تلقينية. لذا، حين تتوافر هذه العناصر تظهر الشركات القادرة على المنافسة، وحين تغيب تغيب معها القدرة على الإنتاج، ويبقى الاستهلاك الخيار الوحيد.
عربياً، تشير التقارير إلى أنّنا نستخدم الذكاء الاصطناعي بكثرة. نعم، لكن من دون أن نتحكّم فيه أو نستفيد من عوائده الحقيقية، أي أنّنا أمام فجوة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد، لكنّني لم أكن في يوم من الأيام متشائماً حيال أمّتي العربية، ولا أقول إنّ العالم العربي خارج السباق، لكنّه أيضاً ليس في موقع متقدّم، بل نحن بوضوح في مرحلة بناء القاعدة.
وفي تجارب السعودية والإمارات وقطر تعزية لنا جميعاً، فهي دول استثمرت في البنية التحتية، وفي جذب الكفاءات، وفي صياغة سياسات أكثر مرونةً. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال تتحرّك داخل منظومة عالمية لم تصنعها، وهناك أيضاً دول أخرى بدأت لكن على استحياء وفي نطاق ضيّق.
والحقيقة أنّ لا مشكلة لدينا في نقص العقول والمواهب والإرادات، بل في فجوات أكثر عمقاً وتنظيماً، فجوات تتّصل بالبنية التحتية ومحدودية مراكز البيانات، كأن تكون موجودةً، لكنّها غير منظّمة أو غير متاحة، أو ببساطة غير مستثمَرة، وبحوسبة غير كافية، وباعتماد جزء كبير منها على بنى خارجية، ومن ثم هناك فجوة في السياسات مثل غياب أطر تنظيمية واضحة أو ضعف في دعم الابتكار وتشتّت في الجهود بين المؤسّسات.
وهنا يتجلّى التحدّي الاستراتيجي الأكبر؛ فنحن في المحصّلة نستخدم الذكاء الاصطناعي، لكنّنا لا نمتلكه، ونعتمد على منصّات عالمية، وعلى نماذج طُوّرت خارج سياقنا وضمن أولويات لا تشبهنا دائماً، والنتيجة أنّ جزءاً كبيراً من القيمة الاقتصادية التي نولّدها يذهب إلى الخارج بينما نحتفظ نحن بدور المستخدم.
لكن الصورة ليست قاتمة كما قد تبدو؛ فهناك نافذة حقيقية يمكن البناء عليها إذا أُحسن فهمها وتوظيفها، فالمنافسة ليست في بناء نماذج عملاقة تضاهي ما تنتجه الشركات العالمية، فهذا سباق مُكلف ومعقّد، لكنّ الفرصة الحقيقية تكمن في الذكاء المتخصّص في التطبيقات التي تنطلق من واقعنا وتخدم احتياجاتنا وتبني قيمة داخل بيئتنا.
ولدينا ما يمكن البناء عليه؛ على سبيل المثال فرصة لتطوير نماذج تفهمها بعمق وتنتج محتوى عالي الجودة، بها تُفتح مجالات واسعة في قطاعات مثل الطاقة واللوجستيات والخدمات الحكومية، وهي قطاعات تمتلك فيها المنطقة خبرة وثقلاً يمكن أن يتحوّلا إلى ساحات ريادة إذا ما أُدخل الذكاء الاصطناعي فيها بذكاء.
سأكون متفائلاً أكثر بأن أقول إنّ طبيعة بعض الدول العربية، لأنّها أكثر مركزية في اتخاذ القرار، قد تمنحها ميزةً إضافيةً في تسريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وخصوصاً في مجالات الحكومة الرقمية. فالقدرة على التنفيذ السريع إذا اقترنت برؤية واضحة قد تختصر سنوات من التردّد.
إذن، السؤال ليس عن مقدار التأخّر، بل عن كيفية التحرّك من موقعنا ومواردنا. فاللحاق لا يكون بتقليد الآخرين في كلّ شيء، بل بفهم نقاط قوتنا واستثمارها. فليس مطلوباً أن نصبح نسخةً من وادي السيليكون، بل أن نبني قيمةً حقيقيةً داخل سياقنا، وبأدوات تناسبنا، وهذه بحدّ ذاتها لحظة تحتاج إلى وضوح وقرارات تُبنى على فهم عميق لطبيعة التحوّل لا على ردّات فعل متأخّرة.
سباق التقنية والنماذج الكبرى وسياقات الذكاء الاصطناعي لن تنتظر أحداً. لكنّه أيضاً ديدن العلم؛ لا يغلق الباب أمام من يقرّر أن يدخل بجدّية، وكل ما نحتاج إليه اليوم، قبل كلّ شيء، هو أن نرى في هذا التحوّل واقعاً يُعاد تشكيلنا داخله، ومن يشارك في تشكيله يكتب موقعه في العالم المقبل.
{ خبير اقتصادي من الأردن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك