العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كيف نجعل الذكاء الاصطناعي فرصة لبناء مستقبل عربي؟

بقلم: د. طلال أبو غزالة

الاثنين ١١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لأسباب‭ ‬عديدة‭ ‬يطول‭ ‬شرحها،‭ ‬قد‭ ‬يتراجع‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬خطوةً‭ ‬أو‭ ‬خطواتٍ‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬الابتكار،‭ ‬لا‭ ‬عجزاً‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬العقلية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬بل‭ ‬لأنّه‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أسهل‭ ‬وأقلّ‭ ‬كلفةً‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬راحةً‭ ‬هنا‭ ‬يُخفي‭ ‬علاقةً‭ ‬أعمق؛‭ ‬فكلّما‭ ‬ابتعد‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬اقترب‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬ينتجها،‭ ‬وكلّما‭ ‬اكتفى‭ ‬باستهلاك‭ ‬الابتكار‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬تُملى‭ ‬عليه،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تضيع‭ ‬فرص‭ ‬امتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬الفهم،‭ ‬ليعيش‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬من‭ ‬يصنعها‭.‬

تتزاحم‭ ‬الأرقام‭ ‬والتقارير‭ ‬والدراسات‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تمسك‭ ‬بصورة‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬وتقارب‭ ‬موقعه‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التقنيات‭ ‬التفاعلية‭ ‬المسمّاة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والسؤال‭ ‬كالعادة‭ ‬يبدو‭ ‬بسيطاً‭ ‬وقاسياً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معا‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭ ‬أم‭ ‬مجرّد‭ ‬مستهلكين‭ ‬نهائيين‭. ‬سؤال‭ ‬قد‭ ‬تطول‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬سباقات‭ ‬التاريخ‭ ‬الكُبرى‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬المتأخّر‭ ‬موقعه،‭ ‬بل‭ ‬يخسر‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تعريف‭ ‬نفسه،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم؛‭ ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬بنية‭ ‬جديدة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تُعاد‭ ‬فيها‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬القيمة‭ ‬ذاته‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يصنعها‭ ‬ومن‭ ‬يملكها‭ ‬ومن‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنها‭.‬

والأمر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالشركات‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى؛‭ ‬فشركات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬ولا‭ ‬تنمو‭ ‬بالمصادفة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬بيئة‭ ‬كاملة‭ ‬تصنعها‭ ‬الحكومات‭ ‬من‭ ‬قوانين‭ ‬بيانات‭ ‬واضحة‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬رقمية‭ ‬متينة‭ ‬واستثمار‭ ‬طويل‭ ‬النَّفس‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬ومنظومة‭ ‬تعليم‭ ‬فكرية‭ ‬لا‭ ‬تلقينية‭. ‬لذا،‭ ‬حين‭ ‬تتوافر‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬تظهر‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة،‭ ‬وحين‭ ‬تغيب‭ ‬تغيب‭ ‬معها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ويبقى‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الخيار‭ ‬الوحيد‭.‬

عربياً،‭ ‬تشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أنّنا‭ ‬نستخدم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بكثرة‭. ‬نعم،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتحكّم‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬نستفيد‭ ‬من‭ ‬عوائده‭ ‬الحقيقية،‭ ‬أي‭ ‬أنّنا‭ ‬أمام‭ ‬فجوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬لكنّني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬متشائماً‭ ‬حيال‭ ‬أمّتي‭ ‬العربية،‭ ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬إنّ‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬خارج‭ ‬السباق،‭ ‬لكنّه‭ ‬أيضاً‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬متقدّم،‭ ‬بل‭ ‬نحن‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬القاعدة‭.‬

وفي‭ ‬تجارب‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وقطر‭ ‬تعزية‭ ‬لنا‭ ‬جميعاً،‭ ‬فهي‭ ‬دول‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وفي‭ ‬جذب‭ ‬الكفاءات،‭ ‬وفي‭ ‬صياغة‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونةً‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتحرّك‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬عالمية‭ ‬لم‭ ‬تصنعها،‭ ‬وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بدأت‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬استحياء‭ ‬وفي‭ ‬نطاق‭ ‬ضيّق‭.‬

والحقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬لا‭ ‬مشكلة‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬العقول‭ ‬والمواهب‭ ‬والإرادات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬فجوات‭ ‬أكثر‭ ‬عمقاً‭ ‬وتنظيماً،‭ ‬فجوات‭ ‬تتّصل‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬ومحدودية‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات،‭ ‬كأن‭ ‬تكون‭ ‬موجودةً،‭ ‬لكنّها‭ ‬غير‭ ‬منظّمة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬متاحة،‭ ‬أو‭ ‬ببساطة‭ ‬غير‭ ‬مستثمَرة،‭ ‬وبحوسبة‭ ‬غير‭ ‬كافية،‭ ‬وباعتماد‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬بنى‭ ‬خارجية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬مثل‭ ‬غياب‭ ‬أطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬واضحة‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الابتكار‭ ‬وتشتّت‭ ‬في‭ ‬الجهود‭ ‬بين‭ ‬المؤسّسات‭.‬

وهنا‭ ‬يتجلّى‭ ‬التحدّي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأكبر؛‭ ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬المحصّلة‭ ‬نستخدم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لكنّنا‭ ‬لا‭ ‬نمتلكه،‭ ‬ونعتمد‭ ‬على‭ ‬منصّات‭ ‬عالمية،‭ ‬وعلى‭ ‬نماذج‭ ‬طُوّرت‭ ‬خارج‭ ‬سياقنا‭ ‬وضمن‭ ‬أولويات‭ ‬لا‭ ‬تشبهنا‭ ‬دائماً،‭ ‬والنتيجة‭ ‬أنّ‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬نولّدها‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بينما‭ ‬نحتفظ‭ ‬نحن‭ ‬بدور‭ ‬المستخدم‭.‬

لكن‭ ‬الصورة‭ ‬ليست‭ ‬قاتمة‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تبدو؛‭ ‬فهناك‭ ‬نافذة‭ ‬حقيقية‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليها‭ ‬إذا‭ ‬أُحسن‭ ‬فهمها‭ ‬وتوظيفها،‭ ‬فالمنافسة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نماذج‭ ‬عملاقة‭ ‬تضاهي‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية،‭ ‬فهذا‭ ‬سباق‭ ‬مُكلف‭ ‬ومعقّد،‭ ‬لكنّ‭ ‬الفرصة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬المتخصّص‭ ‬في‭ ‬التطبيقات‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬واقعنا‭ ‬وتخدم‭ ‬احتياجاتنا‭ ‬وتبني‭ ‬قيمة‭ ‬داخل‭ ‬بيئتنا‭. ‬

ولدينا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه؛‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬فرصة‭ ‬لتطوير‭ ‬نماذج‭ ‬تفهمها‭ ‬بعمق‭ ‬وتنتج‭ ‬محتوى‭ ‬عالي‭ ‬الجودة،‭ ‬بها‭ ‬تُفتح‭ ‬مجالات‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬الطاقة‭ ‬واللوجستيات‭ ‬والخدمات‭ ‬الحكومية،‭ ‬وهي‭ ‬قطاعات‭ ‬تمتلك‭ ‬فيها‭ ‬المنطقة‭ ‬خبرة‭ ‬وثقلاً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحوّلا‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬ريادة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أُدخل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬فيها‭ ‬بذكاء‭.‬

سأكون‭ ‬متفائلاً‭ ‬أكثر‭ ‬بأن‭ ‬أقول‭ ‬إنّ‭ ‬طبيعة‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬لأنّها‭ ‬أكثر‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬قد‭ ‬تمنحها‭ ‬ميزةً‭ ‬إضافيةً‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الحكومة‭ ‬الرقمية‭. ‬فالقدرة‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭ ‬السريع‭ ‬إذا‭ ‬اقترنت‭ ‬برؤية‭ ‬واضحة‭ ‬قد‭ ‬تختصر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التردّد‭.‬

إذن،‭ ‬السؤال‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬مقدار‭ ‬التأخّر،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬التحرّك‭ ‬من‭ ‬موقعنا‭ ‬ومواردنا‭. ‬فاللحاق‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بتقليد‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬بفهم‭ ‬نقاط‭ ‬قوتنا‭ ‬واستثمارها‭. ‬فليس‭ ‬مطلوباً‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬نسخةً‭ ‬من‭ ‬وادي‭ ‬السيليكون،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نبني‭ ‬قيمةً‭ ‬حقيقيةً‭ ‬داخل‭ ‬سياقنا،‭ ‬وبأدوات‭ ‬تناسبنا،‭ ‬وهذه‭ ‬بحدّ‭ ‬ذاتها‭ ‬لحظة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وضوح‭ ‬وقرارات‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬لطبيعة‭ ‬التحوّل‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬ردّات‭ ‬فعل‭ ‬متأخّرة‭.‬

سباق‭ ‬التقنية‭ ‬والنماذج‭ ‬الكبرى‭ ‬وسياقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لن‭ ‬تنتظر‭ ‬أحداً‭. ‬لكنّه‭ ‬أيضاً‭ ‬ديدن‭ ‬العلم؛‭ ‬لا‭ ‬يغلق‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬من‭ ‬يقرّر‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬بجدّية،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬اليوم،‭ ‬قبل‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬واقعاً‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيلنا‭ ‬داخله،‭ ‬ومن‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬تشكيله‭ ‬يكتب‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬المقبل‭.‬

{‭ ‬خبير‭ ‬اقتصادي‭ ‬من‭ ‬الأردن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا