العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨١ - الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

زيارة ترامب للصين والبحث عن تفاهمات جديدة

بقلم: هاني عوكل

الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬إنها‭ ‬الزيارة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬للصين‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الشهر‭ ‬الجاري،‭ ‬بعد‭ ‬الزيارة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬قبل‭ ‬ثمانية‭ ‬أعوام،‭ ‬والتي‭ ‬وصفت‭ ‬حينذاك‭ ‬بزيارة‭ ‬دولة‭ ‬تاريخية،‭ ‬وحظي‭ ‬فيها‭ ‬ترامب‭ ‬باستقبال‭ ‬خاص‭ ‬ومراسم‭ ‬استثنائية‭.‬

جولة‭ ‬المفاوضات‭ ‬المرتقبة‭ ‬في‭ ‬بكين‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يشهد‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬غلياناً،‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وطهران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬وفي‭ ‬خضم‭ ‬حرب‭ ‬مستنزفة‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬صديقة‭ ‬الصين،‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والغرب‭ ‬الأوروبي‭.‬

كذلك‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬الحرب‭ ‬المستعرة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬الأمريكي‭ ‬والصيني‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬بدأتها‭ ‬واشنطن‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬صينية،‭ ‬وما‭ ‬استتبعه‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬وشمولها‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والاستثمارات‭ ‬والتنافس‭ ‬الجيوسياسي‭.‬

الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وكذلك‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬أضعفت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬التأييد‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬34‭%‬،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬بسبب‭ ‬تأثير‭ ‬الملفات‭ ‬المذكورة‭ ‬أعلاه‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬وارتفاع‭ ‬التضخم‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬حزب‭ ‬ترامب‭ ‬الجمهوري‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬بعد‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الآن،‭ ‬وهي‭ ‬مهمة‭ ‬جداً‭ ‬لأنها‭ ‬ستقيّم‭ ‬شعبية‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬وستكون‭ ‬بمثابة‭ ‬استفتاء‭ ‬على‭ ‬سياساته‭. ‬وثمة‭ ‬تعويل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬إنجازات‭ ‬سريعة‭ ‬لمنع‭ ‬تآكل‭ ‬شعبيته‭ ‬قبل‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭.‬

هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬تجعل‭ ‬ترامب‭ ‬يبدي‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً‭ ‬لزيارة‭ ‬الصين،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬البارد‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬ولن‭ ‬تتوقف‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬بينهما‭ ‬بسبب‭ ‬الزيارة،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬هو‭ ‬سعي‭ ‬لإدارة‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬وتهدئة‭ ‬مؤقتة‭ ‬للأوضاع‭.‬

أسعار‭ ‬النفط‭ ‬متذبذبة‭ ‬وتتجه‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع،‭ ‬وتنعكس‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والإمداد،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬الدول‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬متدرج‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬وكذلك‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تأثرت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬بأزمة‭ ‬الطاقة‭.‬

زيارة‭ ‬ترامب‭ ‬تأتي‭ ‬لكل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يدعو‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬الإيراني‭ ‬بإقناع‭ ‬طهران‭ ‬بالقبول‭ ‬باتفاق‭ ‬يجنب‭ ‬استكمال‭ ‬الحرب،‭ ‬وكذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬لبكين‭ ‬مصلحة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬لفتح‭ ‬ملفات‭ ‬أخرى‭ ‬تستهدف‭ ‬منع‭ ‬تصعيد‭ ‬اقتصادي‭ ‬أكبر،‭ ‬وتحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

وتدرك‭ ‬بكين‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يحاول‭ ‬استثمار‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬لتعزيز‭ ‬فرصه‭ ‬السياسية‭ ‬وتحقيق‭ ‬إنجاز‭ ‬اقتصادي‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬وتسويقه‭ ‬داخلياً،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تحرمه‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬لأنها‭ ‬أيضاً‭ ‬تريد‭ ‬استثمار‭ ‬الزيارة‭ ‬لمنع‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬اقتصادية‭ ‬شاملة‭.‬

لكنّ‭ ‬هناك‭ ‬اختلافاً‭ ‬في‭ ‬الأولويات‭ ‬حقيقةً،‭ ‬إذ‭ ‬يجد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬نجاحه‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬يلبي‭ ‬تطلعاته‭ ‬ويمنع‭ ‬من‭ ‬انفجار‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬بينما‭ ‬تتصدر‭ ‬اهتمامات‭ ‬الصين‭ ‬مسألة‭ ‬خفض‭ ‬التصعيد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬والسماح‭ ‬لها‭ ‬بتصدير‭ ‬السلع‭ ‬والمنتجات‭ ‬الصينية‭.‬

والسبب‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬فعلاً‭ ‬تتأثر‭ ‬بارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬لكنها‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الانشغال‭ ‬الأمريكي‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ميزة‭ ‬تدفعها‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬هناك‭ ‬لأنها‭ ‬المنطقة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسيةً‭ ‬لها‭ ‬أمنياً‭ ‬وجيوسياسياً‭.‬

وهذا‭ ‬قد‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تايوان‭ ‬الملف‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬جوهر‭ ‬الخلاف‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬وكذلك‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬بكين‭ ‬منتصراً‭ ‬أمام‭ ‬شعبه،‭ ‬ولذلك‭ ‬قد‭ ‬يُعوّل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬إنجاز‭ ‬اقتصادي‭ ‬سريع‭ ‬ويتجنب‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوتّر‭ ‬أجواء‭ ‬النقاش‭.‬

ومثلما‭ ‬يحاول‭ ‬ترامب‭ ‬تحقيق‭ ‬أعلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الدعاية‭ ‬لنفسه‭ ‬وبلده،‭ ‬ستستغل‭ ‬بكين‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬للدعاية‭ ‬لنفسها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬قوة‭ ‬عالمية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القفز‭ ‬عنها،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬والحوار‭ ‬مع‭ ‬خصومها،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬المرتقبة،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تنافسي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬إطاراً‭ ‬تعاونياً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬تهديداً‭ ‬لعرشها،‭ ‬لكنها‭ ‬تفضل‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬بطريقة‭ ‬النفَسْ‭ ‬الطويل‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تدرك‭ ‬الصين‭ ‬أن‭ ‬جولة‭ ‬ترامب‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬استراحة‭ ‬مقاتل‮»‬،‭ ‬تهدأ‭ ‬اليوم‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تنفجر‭ ‬في‭ ‬الغد‭ ‬القريب،‭ ‬لذلك‭ ‬هناك‭ ‬فهم‭ ‬صيني‭ ‬للتحركات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬واقتناع‭ ‬بأن‭ ‬الساعة‭ ‬لم‭ ‬تحن‭ ‬بعد‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬لهذا‭ ‬التنافس،‭ ‬والتعويل‭ ‬على‭ ‬عامل‭ ‬الوقت‭.‬

إن‭ ‬التنين‭ ‬الصيني‭ ‬يعمل‭ ‬بصمت،‭ ‬ويوظف‭ ‬كل‭ ‬إمكاناته‭ ‬وطاقاته‭ ‬للتحول‭ ‬السريع‭ ‬نحو‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬سيسخّرها‭ ‬بذكاء‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬تصنيعاته،‭ ‬خاصة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وحينذاك‭ ‬ستختلف‭ ‬شكل‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬لكنها‭ ‬مقبلة‭ ‬لا‭ ‬محالة‭.‬

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا