في الحقيقة، أنا لا أغبط ولا أحسد أحدا من الأخوة الذين تم اختيارهم لعضوية المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» الذي تبدأ أعماله 14 مايو 2026، لا بل أشفق عليهم من عظم المسؤولية وثقل الأمانة، أنتم تحملون أنين غزة ووجع الضفة واستباحة القدس وقهر المنفى وعذاب المخيم!
ستتوزعون وعددكم 2540 عضوا على 4 مواقع، في رام الله وغزة وبيروت والقاهرة، سترون بأم أعينكم وعلى بعد أمتار من مقر اجتماعكم في رام الله مصيف بلادنا الجميلة، المستوطنات الإسرائيلية وهي تبتلع أرضنا وسترون قطعان المستوطنين يجوبون ضفتنا بسلاحهم ويعربدون بها قتلا وحرقا ونهبا مدعومين بجيش الاحتلال بصلفه وعنجهيته!
ويا من ستجتمعون في غزة ركن بلادنا الجنوبي المدجج بالتاريخ، أينما يممتم وجوهكم سترون مظاهر الإبادة الجماعية، سيصطدم بصركم بالركام وسترون القطاع وقد احتلت دولة الاحتلال أكثر من نصفه، وستستمعون إلى روايات أمهاتنا الثكلى وأطفالنا اليتامى وشبابنا الذين فقدوا الأمل والأفق وسيحكي لكم كبار السن كيف نجوا بأعجوبة من الإبادة وسيروون لكم قصص أصدقائهم كبار السن الشجعان الذين رحلوا!
وفي بيروت العاصمة العربية الجميلة، سيتذكر الجمع حي «الفاكهاني» وشقة ياسر عرفات وكيف كان ينزل لمهماته وفي جيوبه قطع الحلوى «الملبس» بالعامية الفلسطينية ليوزعه على الأطفال الفلسطينيين واللبنانيين الذين يتحلقون حوله بمحبة، وستكون قريبة من مكان انعقاد مؤتمركم مقبرة الشهداء لتقرأوا الفاتحة على أرواح الشهداء، فهناك قبر مفتي فلسطين الحاج «أمين الحسيني» وقبر الشهيد الأديب الشاعر «كمال ناصر» وقبور كل الشهداء الذين مضوا دفاعا عن أنبل وأقدس وأعدل قضية!
لقد تحمل معنا الأخوة في لبنان أعباء جساما وكانوا حماة للثورة الفلسطينية وكانوا البيئة الحاضنة لنضالنا وما زال أهلنا يعيشون في لبنان في مخيمات الصمود وعيونهم ترنو إلى فلسطين التي خرجوا منها في عام النكبة، ومفاتيح بيوتهم معلقة على جدار المخيم أو في عقد يزين صدورهم!
وفي القاهرة هناك شعب عروبي عريق حمل معنا قضيتنا وكان السند والظهير ونشاركه المصير والجغرافيا وأحبطنا معه الكثير من المؤامرات على مر الزمن وقهرنا معا مشاريع التوطين والتهجير، فلتزوروا مستشفيات مصر لتروا بأم أعينكم جراحات أبناء القطاع الباسل وما تعرضوا له من حرب أرادت قتلهم فإن نجوا عاشوا ولكن بعضهم أضحوا مشوهين ومبتوري الأطراف!
أيها الذاهبون إلى المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» الذي يعقد في 14 مايو 2026 م على بعد يوم فقط من الذكرى 78 للنكبة العربية الفلسطينية الكبرى التي وقعت في 15 مايو 1948 م، أنتم ستقررون مصير حركتكم ووطنكم، فلتكونوا أنتم أولا أسياد أنفسكم ليكون المؤتمر سيد نفسه، لقد جرت مياه كثيرة في النهر منذ المؤتمر السابع الذي عقد في عام 2016 م، عليكم إعادة الاعتبار لحركتكم الأبية التي فقدت رصيدها الشعبي وفقدت تأثيرها، عليكم إعادة بناء الثقة بين القاعدة والقيادة، فكما قال الشاعر «يا بعد عبس عن بني ذبيان»! وبما يخص علاقة الحركة بالسلطة الوطنية، فقد تداخلت حركة «فتح» حد التماهي مع السلطة الوطنية، فلم تعد تعرفها أهي حركة أم سلطة؟ أهي تنظيم أم إدارة؟ لا حدود واضحة بين النضالي والوظيفة! هذا التماهي أفقد الحركة تميزها فلم تعد حركة «فتح» شبيهة الناس بل هي غريبة عنهم!
عليكم أيها الأخوة العمل على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني مع الأخوة والرفاق في الفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية على أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية، فنحن لا نملك ترف الوقت وحتى لا يفرض علينا نظامنا السياسي من الخارج حسب ما يسمونه «إعادة الهندسة»!
على المؤتمر أن يرسم خطة قابلة للتنفيذ الفوري لمقاومة الاحتلال والاستيطان والتهجير القسري، فمشاريع الاستيطان على أشدها وبلغ عدد المستوطنين 881 ألف مستوطن يعيثون فسادا في الضفة الغربية وتعمل هذه الحكومة الصهيونية الفاشية على استكمال منظومة استيطان كاملة في الضفة الغربية المحتلة!
على المؤتمر أن يعلم أننا نزلنا عن الجبل التزاما بوعود الدولة عبر التسوية والمفاوضات ولا بد من الاعتراف أن مشروع التسوية قد ارتطم بالحائط الصهيوني المحصن أمريكيا، والستار أسدل على هذا المشروع، فماذا نحن فاعلون؟ علينا ألا نذكر التسوية بعد اليوم، بل العمل على شق طريق وبرنامج جديدين نستند بهما لعظمة وعملقة شعبنا!
أيتها الأخت الفاضلة والأخ الكريم الذين تجتمعون في هذا الحدث المفصلي المهم، لا تخرجوا غزة من التداول، غزة ركن بلادنا الجنوبي كانت وستبقى خزاننا النضالي والاسم الأول في مشروعنا الوطني، غزة هي قضية العصر والزمن القادم، كونوا في قلب أحداثها لا تستسلموا لمجلس «ترامب» للسلام، غزة ليست مشروعا استثماريا ولا هي شواطئ سياحية للأثرياء، غزة وطننا وأهلنا وأحلامنا القادمة.
كلكم تعلمون أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي نتاج تسوية سياسية شاركت بها دول عربية ودولية وهي تسوية موقع عليها وملتزمة بها ورحبت بها وأيدتها وتعاملت مع مخرجاتها جميع الدول في العالم، فلماذا السكوت خاصة من جانب كل من الأوروبي الأمريكي عن حجب أموال المقاصة عن السلطة الفلسطينية؟ وكيف يستطيع موظفو السلطة تلبية احتياجاتهم بالحد الأدنى؟ ولماذا لا نعمل على شق طريق جديد يضمن لنا التحكم بأموالنا بعيدا عن القرصنة الصهيونية؟
ماذا عن علاقاتنا مع إخواننا العرب الذين أثبتت الأيام الصعبة والمحن وقوفهم المبدئي إلى جانبنا رغم الضغوط الأمريكية الكثيرة فمصر والأردن صدتا مشاريع التهجير والتوطين، ودول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بذلت الجهود الدبلوماسية والسياسية ونظمت المملكة العربية السعودية المؤتمرات الدولية لدعم القضية الفلسطينية ومن أجل العمل لشق مسار يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وإلى اعتراض المشاريع الصهيونية والأمريكية لشطب فلسطين الأرض والشعب والقضية، علينا العمل مع أشقائنا العرب لفرض تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية وعدم القبول باستبعاد المنظمة عن كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني حتى لا يفتح الباب لتطبيق خطة اللجنة الإدارية في الضفة الغربية أسوة باللجنة الإدارية في غزة!
إن هذا المؤتمر هو استحقاق وطني دستوري وديمقراطي، فليكن مؤتمر إنقاذ حقيقي للحركة يعيدها لألقها، لفكرها، لمبادئها ولقيمها الأصيلة، لتعد حركة «فتح» إلى ينابيعها الصافية وروحها النضالية، ودورها الطليعي، ولتعد لأبنائها الصابرين الذين ضحوا بسنين عمرهم قابضين على الجمر مضحين بالغالي والنفيس من أجل القضية والوطن، لم يعد مقبولا أن تبقى قواعد «فتح» التنظيمية والجماهيرية مشتتة!
إن «فتح» هي وسيلتنا الى تحرير فلسطين، هي التضحية والكرامة، ولن تكون «فتح» إن لم تشتبك مع المشروع الصهيوني الاستعماري، و«فتح» تعرف طريقها ولن تصبر طويلا على هذه الحرب التي تستهدف وجود فلسطين في ظل انسداد الأفق السياسي ولن تصمت على تآكل تمثيلها.
إن هذا المؤتمر أمانة تاريخية ثقيلة في وقت عصيب صعب مفصلي، وفق الله الجميع، من حضر ومن لم يحضر، فالنضال مستمر وعلينا العمل للخروج باتفاق على برنامج تنظيمي وسياسي قوي يحفظ وحدة حركتنا الأبية، والذين سينالون شرف عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري سنقول لهم مبروك وسنحاسبكم حركيا، ذلك أن مواقعكم هذه هي للعمل وللنضال وليست للوجاهة!
{ كاتب فلسطيني مقيم
في مملكة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك