بذرائع متناقضة، حمَّل كل طرف الآخر مسؤولية خرق الهدنة الهشة في الحرب الإيرانية. لم تكن الاشتباكات المتكررة عشوائية بقدر ما كانت اختبارًا بالفعل ورد الفعل لأوضاع القوة القلقة حول مضيق هرمز.
الطرفان الأمريكي والإيراني لا يرغبان في خوض جولة جديدة، واسعة ومدمرة، من الحرب. هذه حقيقة سياسية وعسكرية تضع قيودًا غليظة على احتمالات انفجار كتل النيران من جديد. كلاهما محكوم بحسابات واعتبارات تردع الفكرة نفسها.
الإيرانيون منهكون اقتصاديًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا، لكنهم غير مستعدين لخسارة أية أوراق تفاوضية يحوزونها مجانًا، ولا توجد لديهم أدنى ثقة في أي وعود يقطعها على نفسه الطرف الآخر.
البيت الأبيض، بالمقابل، واقع تحت ضغط الرأي العام، الذي يناهض الحرب والتورط في مستنقعها بأغلبية كبيرة تنذر بخسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل .هذه سوف تكون هزيمة سياسية موجعة وغير محتملة للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».
«لن نمنح إيران فرصة الحصول على السلاح النووي، الذي لن تتردد في استخدامه ضد إسرائيل والدول الأوروبية.. وأمريكا أيضًا».
العبارة بنصها، المنسوبة إلى «ترامب»، تكشف مدى التراجع الفادح في أهداف الحرب، من إطاحة النظام الإيراني وإنهاء برنامجيه النووي والصاروخي، ووقف دعم وتمويل ما يسمى أذرعها في المنطقة، خاصة «حزب الله» في لبنان، إلى مسألتين محددتين: مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم.
إنها تراجعات واضحة، ولكن يهدد «ترامب» بالحصار والتلويح، من وقت لآخر، بإعادة إيران إلى العصر الحجري، ويطلب أن يخفف وطأتها بإنجاز واضح في المسألة النووية، كأن تسلمه طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب، أو تقبل بنقله إلى دولة أخرى، روسيا مثلًا.
بتعبير فيه نفاد صبر يزيد من وطأته قرب زيارته للصين: «إنهم يريدون التفاوض أكثر مني، ومن الأفضل أن يوقعوا الاتفاق بسرعة»، لكنه يبدو غير واثق، فـ «الاتفاق قد يحدث أو لا يحدث».
توقيت الزيارة للصين ضاغط إضافي على أعصابه، يريد أن يزور بكين وهو في مركز قوة، وليس في وضع من يطلب المساندة في الخروج بأسرع وقت من ورطة الحرب الإيرانية.
هو يدرك نصف الحقيقة: «الإيرانيون وصلوا إلى نهاية الطريق»، لكنه لا يريد أن يعترف أنه وصل إليها قبلهم!
فرضية نهاية الطريق دعته إلى سيناريو أخير يفرض الحصار البحري لخنق الاقتصاد الإيراني المنهك، لكن الوقت يمضي دون أن يتبدى أمل قريب.
وفق ما هو منشور في الصحافة الأمريكية، منسوبًا للاستخبارات المركزية، فإن بوسع الإيرانيين تحمل الضغوط الاقتصادية وتبعات الحصار البحري على قدرة تخزين نفطها، لأربعة أشهر مقبلة. هذه الفترة أطول مما بوسع أعصاب «ترامب» أن تحتمله.
التخطيط الأمريكي والإسرائيلي المشترك لإطاحة النظام، بداعي تراكم أسباب الغضب الاجتماعي، فشل تمامًا بالحرب. ما حدث هو العكس تمامًا.
استدعت الحرب مشاعر للوقوف معًا في خندق واحد، في ظل الحرب. والأزمة الداخلية في إيران تأجلت بالحرب، لكنها ما زالت ماثلة بصورة، أو أخرى، وتضع قيودًا لا يمكن إنكارها على ثنائية التفاوض والحرب.
إنها حرب على الوقت، ومن يصرخ أولًا؟ أحد أوجه المأزق الأمريكي الحالي، أن إدارة الرئيس ترامب تبدو تفتقر إلى كفاءة إدارة قوة عظمى.
كان تعثرها واضحا في إنجاز نتائج على الأرض يقول «ترامب» بمقتضاها إنه نجح فيما فشل فيه الرئيسان السابقان «باراك أوباما» و«جو بايدن».
إثر كل مرة تُخرق فيها الهدنة الهشة أمريكيًا، يؤكد «ترامب»: «وقف إطلاق النار لا يزال ساريًا.. والمفاوضات لم تتوقف»» .كل شيء محتمل في أية لحظة، التوصل إلى اتفاق، أو العودة إلى الحرب».
يبدو متعجلًا تمامًا، في ضوء أن الوقت يمضي دون التوصل إلى اتفاق يلبى اشتراطاته، إنها حرب استنزاف للوقت والأعصاب معًا.
هكذا يدرك الإيرانيون قواعد نائية التفاوض والحرب. «ندرس حاليًا المقترح الأمريكي، الذي وصلنا عبر الوسيط الباكستاني» .دراسة على مهل، واستعداد في نفس الوقت لكل الاحتمالات.
يقول الإيرانيون: «كلما بدا الحل السياسي ممكنًا، يتبدى عمل عسكري أمريكي متهور».
و«لا نهتم بالمهل الزمنية والتهديدات» التي يطلقها «ترامب» مرة بعد أخرى.
كان ذلك تلخيصًا إيرانيًا لفجوة عدم الثقة في الأداء الأمريكي، وفق تصريح وزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي».
الإيرانيون يتعرضون دائمًا للضغوط، لكنها لا تنجح معهم» .كان ذلك تلخيصًا آخر لسياسة التحدي إلى آخر الشوط.
نحن أمام إرادتين واستراتيجيتين متناقضتين تمامًا. فشلت جولات التفاوض واحدة إثر أخرى .كان ذلك الفشل محتومًا بقدر عمق التناقضات.
مع تعثر العمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، بدأ التفكير في الخنق الاقتصادي حد الاستسلام، لكن إيران تقول إنها انتقلت إلى ما أسمته «الجهاد الاقتصادي» وأن الأولوية هي: إنهاء الحرب بضمانات دولية على كل الجبهات.
الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية تتبنى رفع الحصار البحري مقابل إعادة فتح مضيق هرمز كاملًا، وتأجيل الملفات الملغمة كالملف النووي إلى مرحلة لاحقة، تُرفع فيها العقوبات المفروضة على إيران وربما السماح باستعادة مليارات مجمدة في البنوك الغربية.
تطلب الاستراتيجية التفاوضية الأمريكية إجبار الإيرانيين، بإحكام الحصار والتلويح بحرب مدمرة، على تقديم تنازلات جوهرية لم يتم الحصول عليها خلال الحرب.
إذا ما وافقت إيران على مثل هذه التنازلات، خاصة مشروعها النووي، فإن شرعية نظامها تهتز بعمق، ويكون السؤال مشروعًا حينها: لماذا بُذلت التضحيات الجسيمة من حصار وعقوبات وحروب؟!
لهذا السبب بالذات، من أجل الإبقاء على شيء من شرعية النظام ومستقبله، ليس متوقعا أن يتراجع الإيرانيون، ربما يناورون، أو يتقبلون حلولًا وسطًا، دون تقديم تنازلات جوهرية.
{ كاتب صحفي مصري

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك