العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.. شريكٌ للإبداع أم بديلٌ للعقل؟

بقلم: د. نهال المرباطي

الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يخوض‭ ‬مجتمعنا‭ ‬الأكاديمي‭ ‬اليوم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المراحل‭ ‬تحولاً‭ ‬في‭ ‬تاريخه؛‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مجرد‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬القاعات‭ ‬الدراسية‭ ‬والمختبرات‭ ‬البحثية‭. ‬ومع‭ ‬انتشار‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي،‭ ‬يجد‭ ‬طلبة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭: ‬هل‭ ‬نستخدم‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬كجسر‭ ‬للعبور‭ ‬نحو‭ ‬آفاق‭ ‬إبداعية‭ ‬جديدة،‭ ‬أم‭ ‬كمتكأٍ‭ ‬نعتمد‭ ‬عليه‭ ‬فيلغي‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬التفكير؟

نحن‭ ‬اليوم‭ ‬نعيش‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬من‭ ‬‮«‬التلقين‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الإدارة‭ ‬الذكية‮»‬‭ ‬للمعرفة،‮ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬حين‭ ‬تُستخدم‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬مساعداً‭ ‬أكاديمياً‮»‬‭ ‬فائق‭ ‬القدرة‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الإجابات،‭ ‬بل‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تبسيط‭ ‬المفاهيم‭ ‬المعقدة،‭ ‬وتنظيم‭ ‬هيكلية‭ ‬البحوث،‭ ‬وتوليد‭ ‬مسودات‭ ‬أولية‭ ‬تكسر‭ ‬حاجز‭ ‬‮«‬الجمود‭ ‬الإبداعي‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬ينقل‭ ‬الطالب‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬‮«‬المتلقي‭ ‬السلبي‮»‬‭ ‬للمعلومة‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬‮«‬المدير‭ ‬الذكي‮»‬‭ ‬للبيانات،‭ ‬مما‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬جودة‭ ‬المخرجات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والإنتاجية‭ ‬البحثية‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬‮ ‬خصوصا‭ ‬عندما‭ ‬ينمو‭ ‬المدير‭ ‬والمساعد‭ ‬هنا‭ ‬بكثرة‭ ‬التساؤلات‭ ‬وتغذية‭ ‬المعلومات‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬حقيقية‭ ‬وموثقة‭.‬

يجب‭ ‬على‭ ‬الطالب‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬المثلث‭ ‬الذهبي‭ ‬للتعلم‭ ‬الرقمي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضلاع‭ ‬مترابطة‭. ‬أولها‭ ‬فهم‭ ‬الأدوات‭ ‬وتوظيفها‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬الإلمام‭ ‬بمختلف‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬واختيار‭ ‬الأداة‭ ‬الأنسب‭ ‬لتسهيل‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬وتوفير‭ ‬الوقت‭ ‬للمهام‭ ‬الأكثر‭ ‬تعقيداً‭.‬‮ ‬

‭ ‬يليها‭ ‬التفكير‭ ‬الناقد‭:‬‮ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬اليقظة‭ ‬الذهنية‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬وصحة‭ ‬المعلومة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الآلة،‭ ‬وعدم‭ ‬التسليم‭ ‬بالمخرجات‭ ‬الرقمية‭ ‬كحقائق‭ ‬مطلقة‭.‬‮ ‬ثم‭ ‬ثالثها‭ ‬وأهمها‭ ‬احترام‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭: ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الالتزام‭ ‬بالأمانة‭ ‬العلمية،‭ ‬والشفافية‭ ‬في‭ ‬الإفصاح‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬تدخل‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬المبدعين‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬تقدم‭ ‬المجتمعات‭ ‬ورفعتها‭ ‬علمياً‭ ‬وتقنياً‭ ‬وأخلاقيا‭.‬

ولذلك‭ ‬وجب‭ ‬علينا‭ ‬اليوم‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬التقييم‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والفهم الحقيقي،‭ ‬فهو‭ ‬المقياس‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الواجب‭ ‬المنزلي‭ ‬التقليدي‭ ‬مقياساً‭ ‬كافياً‭ ‬للفهم؛‭ ‬لذا‭ ‬نتجه‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬تقييم‭ ‬‮«‬العملية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬‮«‬النتيجة‮»‬‭ ‬فقط‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬الأهمية‭ ‬القصوى‭ ‬لمرحلة‭ ‬نمذجة‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشاريع،‭ ‬ومرحلة‭ ‬بناء‭ ‬النماذج‭ ‬الأولية‭ (‬Prototyping‭)‬؛‭ ‬فهي‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأنجح‭ ‬لقياس‭ ‬تقدم‭ ‬الأعمال‭ ‬والبحوث‭ ‬المهمة‭.‬‮ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خطوة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬توثيقية‭ ‬حية‭ ‬تظهر‭ ‬كيفية‭ ‬ارتباط‭ ‬الأفكار‭ ‬وتسلسلها‭ ‬في‭ ‬عقل‭ ‬الطالب‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النمذجة،‭ ‬يستطيع‭ ‬الأكاديمي‭ ‬لمس‭ ‬مدى‭ ‬استيعاب‭ ‬الطالب‭ ‬للمادة،‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المفاهيم‭ ‬النظرية‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬ملموسة،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬النهائي‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬مخرجات‭ ‬آلية‭ ‬صماء‭ ‬تبعدنا‭ ‬عن‭ ‬فخ‭ ‬‮«‬الحلول‭ ‬الجاهزة‮»‬‭ ‬وتبرز‭ ‬النزاهة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العروض‭ ‬الشفهية‭ ‬والمقالات‭ ‬الفورية‭ ‬والنقاشات‭ ‬المستمرة‭ ‬داخل‭ ‬الصفوف‭ ‬الدراسية‭.‬

إن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬هنا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الاتكال‭ ‬الرقمي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يضعف‭ ‬ملكات‭ ‬التحليل‭. ‬فالاعتماد‭ ‬على‭ ‬‮«‬الإجابات‭ ‬الجاهزة‮»‬‭ ‬دون‭ ‬تمحيص‭ ‬يقتل‭ ‬الإبداع‭ ‬الأصيل‭ ‬ويحول‭ ‬الطالب‭ ‬إلى‭ ‬ناقل‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬النزاهة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬أن‭ ‬الآلة‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬مساعد‭ ‬طيار‮»‬‭ (‬Co‭-‬pilot‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬الطالب‭ ‬هو‭ ‬القائد‭ ‬الممسك‭ ‬بزمام‭ ‬التفكير‭ ‬والابتكار‭.‬

وفي‭ ‬الختام‭ ‬نمرر‭ ‬هنا‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬طلبة‭ ‬المستقبل‭ ‬الذكي‭: ‬أيها‭ ‬الطالب،‭ ‬إن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أداة‭ ‬لتمكينك‭ ‬وليس‭ ‬لاستبدالك‭. ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬لتخصيص‭ ‬تعلمك‭ ‬بما‭ ‬يناسب‭ ‬قدراتك‭ ‬وأنماط‭ ‬تعليمك،‭ ‬سواء‭ ‬كنت‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الخرائط‭ ‬الذهنية‭ ‬لتعزيز‭ ‬ذاكرتك‭ ‬الصورية،‭ ‬أو‭ ‬كنت‭ ‬باحثاً‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬هيكلة‭ ‬أسئلته‭ ‬البحثية‭ ‬ثم‭ ‬تحليل‭ ‬البيانات‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قياسي‭ ‬وبطريقة‭ ‬كتابة‭ ‬احترافية،‭ ‬أو‭ ‬متعثراً‭ ‬دراسياً‭ ‬قد‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬فهم‭ ‬النصوص‭ ‬المعقدة‭ ‬بطريقة‭ ‬صوتيةٍ‭ ‬أو‭ ‬بصرية‭.‬

نوجهك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دائماً‭ ‬ذكياً‭ ‬في‭ ‬استخدامك‭ ‬للتقنية‭ ‬حسب‭ ‬سياسة‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والتي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬لمستك‭ ‬الإنسانية‭ ‬وفكرك‭ ‬النقدي‭ ‬الشخصي؛‭ ‬فالتكنولوجيا‭ ‬قد‭ ‬تكتب‭ ‬نصاً‭ ‬بليغاً،‭ ‬لكنها‭ ‬لن‭ ‬تملك‭ ‬أبداً‭ ‬الرؤية‭ ‬أو‭ ‬الحس‭ ‬الإبداعي‭ ‬الذي‭ ‬تملكه‭ ‬أنت‭ ‬وحدك؛‭ ‬فالاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬هو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬عقلِ‭ ‬فردٍ‭ ‬مؤمنٍ‭ ‬بأن‭ ‬إنجازه‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬حيث‭ ‬تنتهي‭ ‬قدرات‭ ‬الآلة،‭ ‬ليصنع‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً‭ ‬يليق‭ ‬بطموحاتنا‭ ‬الوطنية‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬مساعد‭ ‬بقسم‭ ‬العمارة

والتصميم‭ ‬الداخلي،‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا