كُتَّاب العلاقات الدولية ركزوا منذ بداية القرن العشرين على أهمية الأوضاع «الجيوسياسية» بين الدول، وبينما كانت البداية التوازن ما بين اليابسة والماء في التسليح وحركة الجيوش، فإن مُضي القرن ودخول تكنولوجيات جديدة قدمت السيارات والمدرعات والطائرات إلى ميادين القتال خلقا أدوارا جديدة لليابسة كحاضنة لتقدم الجيوش وتراجعها الاستراتيجي، والماء بات حاضنا للسفن والغواصات التي لديها القدرة على نقل أعداد كبيرة من الجنود؛ والتي تحتوي على أسباب للردع، مع حمل صواريخ نووية تصعب معرفة موقعها في أعماق المحيطات.
«التاريخ» بين الأمم مثل دائما نظرة إلى الجغرافيا في تلازمها مع طفرات الزمن وتراكمات كمية تفرز مع الزمان تغييرات نوعية. التطورات التكنولوجية في السماء والبحر تجاوز الحواجز والموانع الجغرافية، وباتت البضائع والسلع والبشر والقيم تنتقل بسرعة العولمة بين الدول والأمم.
في الوقت نفسه فإن الحالة الشرق أوسطية التي تلت «الربيع العربي» قامت سياسيا واستراتيجيا على أساس مفهومين: أولهما أن التناقضات والصراعات داخل الدولة أشد وأكثر دموية من أي صراعات إقليمية أخرى. انتشرت الحرب الأهلية في أكثر من دولة، سوريا والعراق واليمن وليبيا أمثلة معروفة.
في كل الأحوال كانت مشاهد العنف والتفاعلات الحادة داخل الدولة ذات طبيعة سياسية واقتصادية وطائفية ومذهبية، وما جاء من خارجها كان اعتمادا على أطراف داخلية قادرة على التعبئة والحشد والمواجهة. وثانيهما أن الدولة، ربما نتيجة ما سبق، تقلصت فاعليتها كفاعل أساسي في العلاقات الإقليمية، وظهر إلى جانبها فاعلون ليسوا بدول مثل جماعة الإخوان الإرهابية، وتوابعها من القاعدة وحتى «داعش».
السمة الأساسية لهذه «الفواعل» أنها كانت تعمل عبر الدول، ولها تصوراتها الخاصة لفكرة الدولة، حتى إن واحدة منها- داعش- أقامت «دولة الخلافة» عبر الحدود العراقية السورية، متحدية في ذلك الجغرافيا السياسية التي استقرت في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. المدهش أن هؤلاء الفاعلين الجدد لم تفلح وحدة العقيدة والتشدد الأيديولوجي بينهم في منع صراعات دموية جرت بين القاعدة وداعش، وبين كليهما والإخوان المسلمين.
الآن في النصف الثاني من العقد الثالث من القرن العشرين فإن العالم والشرق الأوسط يشهدان عودة الجغرافيا السياسية بامتياز، وتَلازُم الجوار الجغرافي مع العنف والحرب، بعد أن استعادت الدولة وإقليمها مكانتهما.
الجغرافيا هنا ليست خطوطا على الخرائط، وإنما هي القلاع التي تحيط بالديموغرافيا وهويتها ونظرتها إلى موقعها وسط دول عديدة. «حرب إيران» الجارية فتحت الباب على مصراعيه لجغرافية «مضيق هرمز» لكي يكون مفتاحا ليس فقط بين طهران وواشنطن على أبواب الأسلحة النووية؛ وإنما أكثر من ذلك مفتاحا للطاقة، حيث يمر 20% من البترول إلى الأسواق العالمية والاقتصاد الدولي.
حديث المضايق بات وصفا مباشرا لإحدى مراحل الحرب التي عندها تقوم إيران بتحدي العالم وتفرض وصايتها على المضيق؛ وتقوم الولايات المتحدة بالحصار على الحصار عن طريق قفل الطرق على الموانئ الإيرانية والانقضاض على السفن التي تخرج منها وتعود إليها وتقوم بأسر بحاراتها، وسلب ما فيها من نفط وسلع وبضائع فيما سماه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «أعمال القرصنة». وحينما قامت الولايات المتحدة برسم مسار «الحرية» الآمن للسفن العالقة لمرور السفن من ميناءي عجمان الواقع على الخليج العربي والفجيرة الواقع على خليج عمان في الإمارات العربية المتحدة؛ فإن إيران قامت بعدوان غاشم بالصواريخ والمسيرات على الدولة.
عودة الجغرافيا السياسية هذه المرة لا تستعيد فقط قصص الاستيلاء على الأرض أو قطاعات من البحر؛ أو تكتفي بالحصول على الموارد الطبيعية، ومنها النفط والغاز اللذان يوجدان في أراضي دول أخرى، وإنما تخلق آليات أزمة عالمية، ربما تأتى بأصداء أحداث سابقة ترتبط بقناة السويس المصرية في 1956 أو 1967 أو مضيق باب المندب في 1973. وأكثر من ذلك تثير الحرب السعي نحو تغييرات جذرية وهيكلية بنقل ممرات النفط والغاز من البحر إلى البر؛ وتقضي بالعودة إلى الطاقة النووية؛ والطاقة الخضراء الشمسية وغيرها من الرياح والتحولات العضوية.
إن تصور مثل هذه النتائج في نطاق عالمي متسع يضع أهمية المنطقة الشرق أوسطية موضع الاختبار؛ وفي نفس الوقت تفرز تحولا في التاريخ الإنساني لا يقل عن طاقة البخار وآلة الاحتراق الداخلي والسيارات الكهربائية، وكلٌّ منها بشَّر بعالم جديد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك