العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٣ - الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الحرب وعودة الجغرافيا السياسية والاقتصادية

بقلم: د. عبد المنعم سعيد

الخميس ١٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

كُتَّاب‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬ركزوا‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الأوضاع‭ ‬‮«‬الجيوسياسية‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وبينما‭ ‬كانت‭ ‬البداية‭ ‬التوازن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬اليابسة‭ ‬والماء‭ ‬في‭ ‬التسليح‭ ‬وحركة‭ ‬الجيوش،‭ ‬فإن‭ ‬مُضي‭ ‬القرن‭ ‬ودخول‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬جديدة‭ ‬قدمت‭ ‬السيارات‭ ‬والمدرعات‭ ‬والطائرات‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬القتال‭ ‬خلقا‭ ‬أدوارا‭ ‬جديدة‭ ‬لليابسة‭ ‬كحاضنة‭ ‬لتقدم‭ ‬الجيوش‭ ‬وتراجعها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬والماء‭ ‬بات‭ ‬حاضنا‭ ‬للسفن‭ ‬والغواصات‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الجنود؛‭ ‬والتي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬أسباب‭ ‬للردع،‭ ‬مع‭ ‬حمل‭ ‬صواريخ‭ ‬نووية‭ ‬تصعب‭ ‬معرفة‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬المحيطات‭.‬

‮«‬التاريخ‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬مثل‭ ‬دائما‭ ‬نظرة‭ ‬إلى‭ ‬الجغرافيا‭ ‬في‭ ‬تلازمها‭ ‬مع‭ ‬طفرات‭ ‬الزمن‭ ‬وتراكمات‭ ‬كمية‭ ‬تفرز‭ ‬مع‭ ‬الزمان‭ ‬تغييرات‭ ‬نوعية‭. ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬والبحر‭ ‬تجاوز‭ ‬الحواجز‭ ‬والموانع‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وباتت‭ ‬البضائع‭ ‬والسلع‭ ‬والبشر‭ ‬والقيم‭ ‬تنتقل‭ ‬بسرعة‭ ‬العولمة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والأمم‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فإن‭ ‬الحالة‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬قامت‭ ‬سياسيا‭ ‬واستراتيجيا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مفهومين‭: ‬أولهما‭ ‬أن‭ ‬التناقضات‭ ‬والصراعات‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬أشد‭ ‬وأكثر‭ ‬دموية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬صراعات‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى‭. ‬انتشرت‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دولة،‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭ ‬وليبيا‭ ‬أمثلة‭ ‬معروفة‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬كانت‭ ‬مشاهد‭ ‬العنف‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الحادة‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وطائفية‭ ‬ومذهبية،‭ ‬وما‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬خارجها‭ ‬كان‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬داخلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعبئة‭ ‬والحشد‭ ‬والمواجهة‭. ‬وثانيهما‭ ‬أن‭ ‬الدولة،‭ ‬ربما‭ ‬نتيجة‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬تقلصت‭ ‬فاعليتها‭ ‬كفاعل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وظهر‭ ‬إلى‭ ‬جانبها‭ ‬فاعلون‭ ‬ليسوا‭ ‬بدول‭ ‬مثل‭ ‬جماعة‭ ‬الإخوان‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وتوابعها‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬وحتى‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭.‬

السمة‭ ‬الأساسية‭ ‬لهذه‭ ‬‮«‬الفواعل‮»‬‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬عبر‭ ‬الدول،‭ ‬ولها‭ ‬تصوراتها‭ ‬الخاصة‭ ‬لفكرة‭ ‬الدولة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭- ‬داعش‭- ‬أقامت‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬الخلافة‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬العراقية‭ ‬السورية،‭ ‬متحدية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬استقرت‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬المدهش‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفاعلين‭ ‬الجدد‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬وحدة‭ ‬العقيدة‭ ‬والتشدد‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬بينهم‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬صراعات‭ ‬دموية‭ ‬جرت‭ ‬بين‭ ‬القاعدة‭ ‬وداعش،‭ ‬وبين‭ ‬كليهما‭ ‬والإخوان‭ ‬المسلمين‭.‬

الآن‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يشهدان‭ ‬عودة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬بامتياز،‭ ‬وتَلازُم‭ ‬الجوار‭ ‬الجغرافي‭ ‬مع‭ ‬العنف‭ ‬والحرب،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استعادت‭ ‬الدولة‭ ‬وإقليمها‭ ‬مكانتهما‭.‬

الجغرافيا‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬خطوطا‭ ‬على‭ ‬الخرائط،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬القلاع‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالديموغرافيا‭ ‬وهويتها‭ ‬ونظرتها‭ ‬إلى‭ ‬موقعها‭ ‬وسط‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭. ‬‮«‬حرب‭ ‬إيران‮»‬‭ ‬الجارية‭ ‬فتحت‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬لجغرافية‭ ‬‮«‬مضيق‭ ‬هرمز‮»‬‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬مفتاحا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬وواشنطن‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية؛‭ ‬وإنما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مفتاحا‭ ‬للطاقة،‭ ‬حيث‭ ‬يمر‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬البترول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الدولي‭.‬

حديث‭ ‬المضايق‭ ‬بات‭ ‬وصفا‭ ‬مباشرا‭ ‬لإحدى‭ ‬مراحل‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬عندها‭ ‬تقوم‭ ‬إيران‭ ‬بتحدي‭ ‬العالم‭ ‬وتفرض‭ ‬وصايتها‭ ‬على‭ ‬المضيق؛‭ ‬وتقوم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالحصار‭ ‬على‭ ‬الحصار‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬قفل‭ ‬الطرق‭ ‬على‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬والانقضاض‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬منها‭ ‬وتعود‭ ‬إليها‭ ‬وتقوم‭ ‬بأسر‭ ‬بحاراتها،‭ ‬وسلب‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬نفط‭ ‬وسلع‭ ‬وبضائع‭ ‬فيما‭ ‬سماه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬‮«‬أعمال‭ ‬القرصنة‮»‬‭. ‬وحينما‭ ‬قامت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬برسم‭ ‬مسار‭ ‬‮«‬الحرية‮»‬‭ ‬الآمن‭ ‬للسفن‭ ‬العالقة‭ ‬لمرور‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬ميناءي‭ ‬عجمان‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والفجيرة‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬خليج‭ ‬عمان‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة؛‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬قامت‭ ‬بعدوان‭ ‬غاشم‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬على‭ ‬الدولة‭.‬

عودة‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬لا‭ ‬تستعيد‭ ‬فقط‭ ‬قصص‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬قطاعات‭ ‬من‭ ‬البحر؛‭ ‬أو‭ ‬تكتفي‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ومنها‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬اللذان‭ ‬يوجدان‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬وإنما‭ ‬تخلق‭ ‬آليات‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية،‭ ‬ربما‭ ‬تأتى‭ ‬بأصداء‭ ‬أحداث‭ ‬سابقة‭ ‬ترتبط‭ ‬بقناة‭ ‬السويس‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬1956‭ ‬أو‭ ‬1967‭ ‬أو‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬في‭ ‬1973‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تثير‭ ‬الحرب‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬وهيكلية‭ ‬بنقل‭ ‬ممرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬إلى‭ ‬البر؛‭ ‬وتقضي‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة‭ ‬النووية؛‭ ‬والطاقة‭ ‬الخضراء‭ ‬الشمسية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الرياح‭ ‬والتحولات‭ ‬العضوية‭.‬

إن‭ ‬تصور‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬عالمي‭ ‬متسع‭ ‬يضع‭ ‬أهمية‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ ‬موضع‭ ‬الاختبار؛‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تفرز‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬طاقة‭ ‬البخار‭ ‬وآلة‭ ‬الاحتراق‭ ‬الداخلي‭ ‬والسيارات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬وكلٌّ‭ ‬منها‭ ‬بشَّر‭ ‬بعالم‭ ‬جديد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا