يبدو أن هناك خلافات داخل إدارة ترامب حول كيفية التعامل مع إيران وهذا أمر طبيعي، لكن لا بد من الإشارة إلى أن الخلافات حول إدارة ملف الحرب والتفاوض، بين أركان الإدارة، تنطلق من اعتبارات خاصة بكل طرف، ولعل أهم شخصين هنا، هما جي دي فانس نائب ترامب، ووزير خارجيته المهاجر الكوبي السابق ماركو روبيو، واعتبارات الرجلين تنبع من طموحهما في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة عام 2028، حيث يتقدم فانس بشكل لافت، لذلك أظهر ميلاً واضحاً لوقف الحرب والتوجه إلى التفاوض، ثم تفضيل الحصار على العودة إلى الحرب، لأنه يدرك أن هذا هو الطريق للإبقاء على حظوظه في البقاء في البيت الأبيض.
لكنه قد تعلم من درس كامالا هاريس، التي خسرت بسبب عدم نجاح جو بايدن في التخلص من «جر» نتنياهو له في أتون الحرب، وفانس لديه فرصة أفضل من هاريس، ذلك أن هناك وقتاً حتى موعد الانتخابات، بينما هاريس فقدت هذه الفرصة، لأن الانتخابات جرت في ظل حرب شنها وفرض أجندتها نتنياهو، وزج بها بايدن بالضد من رغبته، فعاقب الناخب الأمريكي هاريس على خطيئة بايدن، ويحاول فانس اليوم تجنب معاقبة الناخب بسبب الحرب.
أما روبيو، وهو أقل ميلاً للحصار والتفاوض، وإن كان أيضاً ليس متحمساً للحرب مثل وزير الحرب بيت هيغسيث، لذلك توارى عن الأنظار، عند لحظة المواجهة بين الخيارين، فهو ومنذ البداية، ارتضى تقديم فانس على شخصه، ليبقي على حظه كرقم ثان، أو حتى كبديل، في حال، تسبب موقف فانس بإحباط خيار مواصلة الحرب، في إغلاق باب الترشح أمامه، فما زال الجمهوريون يقيمون الوزن الحاسم لأموال اللوبي الصهيوني في الانتخابات، وكان ملاحظاً تسريب هذا اللوبي لما سمّي إحباط فانس لخطة «الموساد» الإسرائيلي، الخاصة بإسقاط النظام الإيراني، بعد مئة ساعة من الضربة الأولى التي ركزت على اغتيال القيادة الإيرانية، عبر الزج بالقوات الكردية لتعبر الحدود ولتلتحم «بالجماهير» الإيرانية المطالبة بإسقاط النظام، كما رسم سيناريو «الموساد» خطته لإسقاط النظام الإيراني.
المهم لقد تنقل الرئيس ترامب من عرض الاستسلام بلا شروط على إيران، إلى اختيار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وملاحقة سفنها عبر البحار والمحيطات، معتبراً أن إيران في حالة «انهيار»، معتبراً أن الحصار يخنق الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني من الضائقة أصلاً، فيما جاء الحصار الأمريكي البحري رداً على سيطرة إيران على مضيق هرمز، تلك السيطرة التي ظهرت خلال الحرب، ولم تكن موجودة أصلاً قبلها، أي أن إيران حتى في آخر عرض تفاوضي قدمته، في ثلاث مراحل، كانت المرحلة الأولى منه عبارة عن إعلان صريح بوقف الحرب، وعدم العودة إليها أو التهديد بها، مقابل فتح المضيق من قبل إيران، أي بالنتيجة فإن أمريكا لو وافقت على العرض الإيراني الذي اعتبره البيت الأبيض جيداً، لكنه غير كاف، أو جيد لدرجة أنه منع خيار العودة إلى الحرب، أو على الأقل إعلان ذلك فوراً، وهذا يؤكد أن حرب ترامب لم تحقق أهدافها.
أما الحصار الأمريكي البحري، فصحيح أنه يخنق الاقتصاد الإيراني، لكن لا بد من الإشارة هنا، حتى تتضح الصورة تماماً، إلى أن أمريكا تفرض عقوبات اقتصادية، بما في ذلك حجز الأموال الإيرانية في البنوك الأمريكية منذ 47 سنة، أي منذ إسقاط نظام الشاه، وتشمل تلك العقوبات عدم استيراد أهم منتج إيراني، وخاصة، أي النفط، ورغم كل تلك السنين، لم يسقط النظام الإيراني، ولم تنهر الدولة، بل الأهم، هو أن ما تعتبره إسرائيل بشكل مؤكد من تهديد إيراني وجودي لها لم يزل قائماً، بل تزايد عبر السنوات، والحصار الأمريكي الآن يزيد الوضع الاقتصادي الإيراني سوءاً، لكن في الوقت نفسه يبقي على إغلاق مضيق هرمز، وكانت إيران في حال التوصل إلى اتفاق ولو وفق عرضها، وبعد المرحلة الأولى منه، ستحصل على دخل من الرسوم التي ستبدأ تحصيلها من المضيق، لكن الحصار الأمريكي لا يضغط على الاقتصاد الإيراني فقط، بل يعد عنوانا لأزمة حادة في الطاقة، أو ما يمكن وصفه بحرب الطاقة العالمية.
أما إيران، فهناك احتمال أن تواجه الحصار البحري الأمريكي عدة أشهر كما يرجح مراقبون، بل يمكن تصدير النفط الإيراني عبر بحر قزوين، وعبر حدودها البرية لكي ينتقل إلى روسيا قاصداً الصين والهند، وغيرهما، أو عبر الحدود مع أفغانستان وغيرهما، لأن الصين وروسيا على الأقل لن تقاطعا إيران اقتصادياً، لكن العالم، خاصة السوق الأوروبي، سيعاني في مواجهة ارتفاع سعر النفط، والداخل الأمريكي نفسه قد يعلن غضبه تجاه تضخم أسعار السلع التي يستورد معظمها من كل أنحاء العالم.
إن التحركات الدولية حاليا ستركز على قطع الطريق أمام المسار الذي تريده إيران من خلال الدفع بترتيب إدارة إقليمية للمضيق، وعدم العودة إلى ما كان عليه حال المضيق قبل الحرب، وهذا ما ظهر من خلال عقد الاجتماع الاستثنائي لمجلس التعاون الخليجي، واتخاذه قراراً، كان من الواضح أن الاجتماع قد عقد من أجل اتخاذه، وهو رفض فرض الرسوم على مرور السفن التجارية وناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
أي رفض ما تعتبره إيران منجزاً لها في الحرب مع أمريكا وإسرائيل. ويبقى الأهم وهو أن وجهة الصراع، بعد المواجهة العسكرية، قد اتضحت في أمرين، هما أنها كانت صداماً عالمياً اتخذ من الشرق الأوسط ميداناً يؤكد أهمية هذه المنطقة بالنسبة إلى النظام العالمي، والأمر الثاني، أن حقل الصراع العالمي هو اقتصادي يؤكد المقولة الشهيرة، عن كون السياسة اقتصاداً مكثفاً.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك