العدد : ١٧٥٧٦ - الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٦ - الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أسطول الصمود.. ومعركة الضمير في وجه الهيمنة

بقلم: إسماعيل الريماوي

الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬تتكثف‭ ‬فيها‭ ‬التناقضات‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬يعود‭ ‬البحر‭ ‬ليكون‭ ‬مسرحًا‭ ‬لصراعٍ‭ ‬يتجاوز‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬نفسه،‭ ‬ليست‭ ‬المسألة‭ ‬مجرد‭ ‬تحركات‭ ‬عسكرية‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬قوافل‭ ‬مدنية‭ ‬هناك،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬نموذجين‭: ‬نموذج‭ ‬القوة‭ ‬العارية‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬إرادتها‭ ‬بالنار،‭ ‬ونموذج‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يحاول،‭ ‬رغم‭ ‬هشاشته،‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬ثغرة‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬الصمت‭.‬

أساطيل‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬المحمّلة‭ ‬بالطائرات‭ ‬والبوارج،‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬تحمل‭ ‬معها‭ ‬تاريخًا‭ ‬طويلًا‭ ‬من‭ ‬التدخلات‭ ‬التي‭ ‬أُعيد‭ ‬تسويقها‭ ‬دائمًا‭ ‬تحت‭ ‬عناوين‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الفوضى‭ ‬وفق‭ ‬مصالح‭ ‬محددة،‭ ‬حين‭ ‬تُحشد‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬الهائلة،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬لا‭ ‬تُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أوسع‭: ‬تثبيت‭ ‬معادلة‭ ‬الهيمنة،‭ ‬وضمان‭ ‬التفوق‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وإبقاء‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬توتر‭ ‬دائم‭ ‬تُدار‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.‬

هذه‭ ‬الأساطيل‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬كما‭ ‬يُروَّج،‭ ‬بل‭ ‬دفاعًا‭ ‬عن‭ ‬توازنات‭ ‬مفروضة،‭ ‬تُختزل‭ ‬فيها‭ ‬شعوب‭ ‬بأكملها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أوراق‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬الأمم،‭ ‬هي‭ ‬أساطيل‭ ‬تعرف‭ ‬طريقها‭ ‬جيدًا‭ ‬إلى‭ ‬سواحل‭ ‬النار،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬مأساة‭ ‬شعب‭ ‬يُباد‭ ‬تحت‭ ‬الحصار‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تظهر‭ ‬أساطيل‭ ‬أخرى،‭ ‬متواضعة‭ ‬في‭ ‬شكلها،‭ ‬عظيمة‭ ‬في‭ ‬معناها،‭ ‬تحمل‭ ‬نشطاء‭ ‬ومتضامنين،‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬أوروبا،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬العواصم‭ ‬العربية،‭ ‬لتكسر‭ ‬حصار‭ ‬غزة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لتكسر‭ ‬الصمت‭ ‬عنه،‭ ‬هذه‭ ‬الأساطيل‭ ‬لا‭ ‬تغيّر‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬لكنها‭ ‬تغيّر‭ ‬شيئًا‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭: ‬الرواية‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تُبحر‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬القوافل،‭ ‬تُحرج‭ ‬العالم،‭ ‬وتضعه‭ ‬أمام‭ ‬مرآة‭ ‬قاسية‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬تدّعي‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تخشى‭ ‬قوارب‭ ‬تحمل‭ ‬مساعدات‭ ‬إنسانية؟‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لخطاب‭ ‬‮«‬حماية‭ ‬الأديان‭ ‬والقيم‮»‬‭ ‬أن‭ ‬يتعايش‭ ‬مع‭ ‬سياسات‭ ‬التجويع‭ ‬والعقاب‭ ‬الجماعي؟‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬طويل،‭ ‬فالمشهد‭ ‬وحده‭ ‬كافٍ‭: ‬بحرٌ‭ ‬تُسيّره‭ ‬بوارج‭ ‬الحرب،‭ ‬وآخر‭ ‬تحاول‭ ‬عبوره‭ ‬قوارب‭ ‬الحياة‭.‬

لكن‭ ‬المأساة‭ ‬الأعمق‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الانكشاف‭ ‬العربي،‭ ‬فبينما‭ ‬تتحرك‭ ‬هذه‭ ‬الأساطيل‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬أوروبا‭ ‬بدافع‭ ‬إنساني،‭ ‬يغيب‭ ‬الفعل‭ ‬العربي،‭ ‬أو‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬صفا‭ ‬واحدا‭ ‬ضد‭ ‬ايران‭ ‬لا‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكشف‭ ‬الضعف‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬التبعية،‭ ‬وفي‭ ‬فهم‭ ‬معنى‭ ‬الانتماء‭ ‬لقد‭ ‬تحوّلت‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬أخلاقي‭ ‬مفتوح،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬للقوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬للمنطقة‭ ‬بأكملها،‭ ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يوظف‭ ‬كل‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬بالقوة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬إلا‭ ‬صوته،‭ ‬لكنه‭ ‬يصرّ‭ ‬على‭ ‬استخدامه،‭ ‬وبينهما،‭ ‬يقف‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية،‭ ‬تآكلت‭ ‬فيها‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬العجز‭ ‬والتواطؤ‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أساطيل‭ ‬الصمود،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬رمزية،‭ ‬تظلّ‭ ‬تذكيرًا‭ ‬بأن‭ ‬الرواية‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬بعد،‭ ‬فالصورة‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬القوة‭ ‬فرضها‭ ‬يمكن‭ ‬كسرها،‭ ‬ولو‭ ‬بقارب‭ ‬صغير،‭ ‬ولو‭ ‬بصوتٍ‭ ‬فردي،‭ ‬وغزة‭ ‬التي‭ ‬أرادوا‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معزولة‭ ‬ومنسية،‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬كشفٍ‭ ‬عالمي،‭ ‬تفضح‭ ‬من‭ ‬يدعم‭ ‬القتل،‭ ‬ومن‭ ‬يصمت‭ ‬عنه،‭ ‬ومن‭ ‬يحاول،‭ ‬ولو‭ ‬بحدّه‭ ‬الأدنى،‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬وجهه‭.‬

فلا‭ ‬تُقاس‭ ‬قيمة‭ ‬الأساطيل‭ ‬بحجمها‭ ‬ولا‭ ‬بترسانتها،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تمثّله،‭ ‬فأساطيل‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬ترسم‭ ‬حدود‭ ‬السيطرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬شرعية،‭ ‬وأساطيل‭ ‬الصمود‭ ‬قد‭ ‬تُمنع‭ ‬من‭ ‬الوصول،‭ ‬لكنها‭ ‬تصل‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني،‭ ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬يتحدد‭ ‬موقع‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الفاصلة‭: ‬إما‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬الموت،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يحيا‭.‬

في‭ ‬الخلاصة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وضع‭ ‬هذه‭ ‬الأساطيل‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬واحد،‭ ‬فالفارق‭ ‬بينها‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الحجم‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬القوة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الجوهر‭ ‬والمعنى‭. ‬أساطيل‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬تتحرك‭ ‬محمّلة‭ ‬بكل‭ ‬أدوات‭ ‬الدمار،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عيون‭ ‬إسرائيل،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬إشعال‭ ‬المنطقة‭ ‬وسفك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدماء،‭ ‬أما‭ ‬أساطيل‭ ‬الصمود،‭ ‬فهي‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬صغيرة‭ ‬وضعيفة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تحمل‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر؛‭ ‬قوة‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تفضح،‭ ‬والإرادة‭ ‬التي‭ ‬تكشف،‭ ‬والضمير‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬أن‭ ‬يصمت‭.‬

هنا‭ ‬يتجلى‭ ‬الفرق‭ ‬العميق‭: ‬بين‭ ‬من‭ ‬يرسل‭ ‬البوارج‭ ‬ليحمي‭ ‬مشروعًا‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬والقمع،‭ ‬ومن‭ ‬يركب‭ ‬البحر‭ ‬ليعرّي‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬ويكشف‭ ‬وجهه‭ ‬الفاشي‭ ‬أمام‭ ‬العالم،‭ ‬بين‭ ‬أساطيل‭ ‬تُفرض‭ ‬بها‭ ‬الوقائع‭ ‬بالنار،‭ ‬وأخرى‭ ‬تُكتب‭ ‬بها‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لتقول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬تحاول‭ ‬إسرائيل‭ ‬تسويقه‭ ‬كديمقراطية‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬قناع‭ ‬يتهاوى‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭.‬

وبين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مفتوحًا‭: ‬أيُّ‭ ‬الأساطيل‭ ‬سيبقى‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬التاريخ؟‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عبرت‭ ‬البحار‭ ‬لتصنع‭ ‬حربًا،‭ ‬أم‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬أبحرت‭ ‬لتقول‭ ‬كلمة‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬القوة؟

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا