لا يستطيع أحدٌ التكهُّن بمدى ما تنطوي عليه الهدنة الحالية من قدرة على الصمود، خصوصاً وأنّ الخبرة المستمدّة من نمط العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في الفترة الأخيرة تشير إلى أنّ الحرب قد تندلع بينهما من جديد في أية لحظة، حتى لو استؤنفت المفاوضات مرّة أخرى.
فالحرب الأولى على إيران، اندلعت في وقت كانت فيه المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة تجري على قدم وساق، وكان الوسيط العماني يشيد بالتقدّم الذي تحرزه. والحرب الثانية على إيران، والتي كانت حرباً إسرائيلية أمريكية مشتركة هذه المرة، شنّت كذلك في وقت كانت فيه المفاوضات تجري على قدم وساق وكان الوسيط العماني يشيد بالتقدّم الذي تحرزه.
لذا فإنّ العودة إلى التفاوض من جديد لن تشكّل ضمانة تحول دون استئناف الحرب وقد لا تفضي بالضرورة إلى اتفاق ينهي هذه الجولات المتكرّرة من القتال. فحتى كتابة هذه السطور كان ترامب لا يزال يصرّ على أنّ أيّ مفاوضات جديدة تجرى مع إيران يجب أن تحقّق ما لم يتمكَّن من تحقيقه بالحرب، أي إلى:
1- تفكيك برنامج إيران النووي بالكامل ونهائياً، بما في ذلك التزام إيران بعدم إجراء أيّ تخصيب لليورانيوم على أراضيها وتسليم كلّ ما تحوزه من يورانيوم مخصّب بنسبة 60%.
2- تقليص برنامج إيران الصاروخي بما يؤدّي إلى عدم إنتاج صواريخ يزيد مداها على 200 كم.
3- قطع إيران لكلّ أشكال العلاقة مع: الأذرع الموالية لها في المنطقة. ولأنّ إيران لم تتجاوب مع ذلك حتى الآن، ما يعني أنّ ترامب سيجد نفسه مضطراً إن آجلاً أو عاجلاً للاختيار بين بدائل ثلاثة: استئناف القتال، أو تجميد الوضع على ما هو عليه، أو البحث عن حلول وسط تفضي إلى إنهاء الحرب.
خيار استئناف القتال يبدو مستبعداً لأسباب كثيرة، أهمها إجماع الخبراء العسكريين على أنّ القصف الجوي والصاروخي لا يكفي لتحقيق انتصار حاسم في الحرب ويحتاج إلى اجتياح بري هناك مصاعب في القيام به.
لكن إمكانية استئناف الضربات الجوية والصاروخية في أيّ وقت تظل أمراً غير مستبعد، رغم عدم جدواها على الصعيد الاستراتيجي، بل وسوف يؤدّي اللجوء إليها على الأرجح إلى تعميق المأزق الحالي.
أما خيار إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، والذي يعني استمرار الولايات المتحدة في فرض الحصار على الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج واستمرار إيران في فرض إغلاق مضيق هرمز، فربما يكون أقلّ كلفة من الخيار الأول لكنه لا يخلو بدوره من العيوب، خصوصاً في ظلّ تباين وجهات النظر حول مدى قدرة كلّ من الطرفين المتصارعين على تحمّل تكاليفه وأعبائه السياسية والاقتصادية. فبينما يرى البعض أنّ إيران لن تقوى على مواجهة الحصار نظراً لكلفته الاقتصادية الباهظة، يرى آخرون أنّ الولايات المتحدة لا تستطيع تحمّل ردّات الفعل الناجمة عن تأثير إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي.
لم يبقَ أمام الولايات المتحدة، في ضوء ما تقدّم، من خيار آخر سوى أن تضطر في نهاية المطاف إلى الموافقة على تقديم تنازلات تؤدّي إلى إنهاء الحرب، لن يكون من السهل على الرئيس ترامب أن يقبل به لسببين؛ الأول: أنّ أيّ تنازل يقدّمه لنظام سعى علناً لإسقاطه سيعدّ اعترافاً صريحاً بالفشل وبالهزيمة، وبالتالي ستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على الداخل الأمريكي، قد يكلّفه فقدان الأغلبية التشريعية في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
وهذه الأوضاع تدفعنا إلى الاعتقاد بأنّ جميع الخيارات المحتملة نظرياً تبدو غير مرجّحة عملياً، فكيف وصلت تفاعلات المنطقة والعالم إلى هذا المأزق المستحكم، وما المخرج؟
الواقع أنّ الاستعصاء الحالي لأزمات المنطقة يعود إلى سبب جوهري، مفاده أنها أزمات تداخلت وتشابكت إلى درجة أصبح من المتعذّر معالجة أيّ منها بمعزل عن الآخر، لذا تبدو الحاجة ماسّة إلى نهج جديد يسمح بمعالجتها بطريقة شاملة ومتوازية في الوقت نفسه.
ويعود هذا التداخل، من ناحية، إلى تناقضات كامنة في بنية المشروع الصهيوني نفسه، وأخرى كامنة في بنية السياسات الإسرائيلية تجاه دول المنطقة، من ناحية أخرى. ولأنّ المشروع الصهيوني توسّعي بحكم بنيته، فمن الطبيعي أن يشكّل مصدر تهديد لكلّ الأطراف المستهدفة، التي لا تقتصر على الدول المجاورة للكيان الصهيوني فحسب وإنما تمتد لمجمل دول المنطقة ككلّ.
صحيح أنّ جوهر الصراع يعود إلى التناقض القائم مع الشعب الفلسطيني بالذات، لأنّ المشروع الصهيوني استهدف منذ البداية الاستيلاء على كامل أرضه ووطنه التاريخي، غير أنّ نزعته التوسّعية الكامنة دفعته إلى التطلّع إلى ما هو أوسع والاستيلاء بالتالي على مساحات شاسعة من الأراضي المملوكة لشعوب أخرى، منها سيناء في مصر، والجولان في سوريا، وجنوب الليطاني في لبنان...إلخ.
ولأنّ نزعته التوسّعية نحو التمدّد في أراضي الغير صاحبتها نزعة موازية نحو الهيمنة على المنطقة كلّها، بدليل أنّ السياسة الخارجية للكيان الصهيوني تمحورت حول حرصه الدائم على تحقيق التفوّق العسكري على دول المنطقة مجتمعة وعدم السماح لأيّ دولة أخرى في المنطقة بالتفوّق عليه، ما يفسّر صدامه الحالي مع إيران، والذي يستهدف في جوهره تجريدها من كلّ مظاهر القوة والنفوذ.
قد تؤدّي الموازين التي أفرزتها التفاعلات الناجمة عن جولة القتال الأخيرة، إلى تجميد الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة عند خطوط القتال الحالية، ولا سيما أنّ التحالف الصهيوأمريكي الذي تشكّل في المواجهة الراهنة مقبل على استحقاقات انتخابية مهمة هذا العام (انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في الولايات المتحدة والانتخابات التشريعية العامة في الكيان الصهيوني).
غير أنّ هذا التجميد لن يؤدّي إلى حلّ دائم للصراع في المنطقة، ومن ثم فلا بدّ له أن ينفجر من جديد في جولات قتال دورية، لا يستطيع أحد أن يتكهّن منذ الآن متى ولا كيف ستحدث، ما لم يبدأ التفكير جدياً في تسوية شاملة ومتوازنة لهذا الصراع ولذلك هناك حاجة إلى مناقشة وبلورة المعالم الرئيسية لمثل هذه التسوية الشاملة، بالتعاون بين الدول العربية والإسلامية الرئيسية في المنطقة.
ففي مقابل ما يطرحه التحالف الصهيوأمريكي من تسويات جزئية منفصلة مع أطراف النزاع في المنطقة،، ينبغي أن تتعاون الدول العربية والإسلامية الرئيسية في المنطقة، خصوصاً مصر والسعودية وتركيا وباكستان، لتقديم طرح بديل لتسوية شاملة للصراع في المنطقة، يقوم على العناصر الآتية:
1- انسحاب «إسرائيل» من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 كافة.
2- إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.
3- إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل ومن القواعد العسكرية الأجنبية.
4- الاتفاق على إطار مؤسسي أمني جامع يحول دون اندلاع سباق تسلّح في المنطقة، ويحافظ على توازن القوى بين دولها كافة، وتضمنه القوى الكبرى من خلال قرار يصدر عن مجلس الأمن.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك