لم تخلق المدينة الذكية من فراغ، بل هي امتداد لمسيرة عمرانية تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام؛ فالمدن القديمة مثل بابل وروما طورت أنظمة مائية ومعمارية معقدة لإدارة الموارد وتوزيع السكان وهو ما يعد أول أشكال «الذكاء الحضري». وفى العصور الوسطى، استخدمت مدن مثل فلورنسا سجلات ديموغرافية لتحسين الصحة العامة.
أما في القرن التاسع عشر، فقد أدت الثورة الصناعية إلى توسع غير مسبوق في المدن، جاعلة منها مراكز إنتاج وتجارة، لكنها في المقابل ولدت تحديات هيكلية مثل الاكتظاظ السكاني، التلوث البيئي، انعدام العدالة الاجتماعية، وضعف البنى التحتية. وفى هذا السياق، برزت المدن الذكية كأنموذج حضري جديد يسعى إلى إعادة تأهيل العلاقة بين الإنسان والمدينة عبر التكنولوجيا، لا كغاية بحد ذاتها، بل كوسيلة لتحقيق العدالة، الشمول، والاستدامة.
ومع ظهور الحاسوب في ستينيات القرن العشرين، بدأت أولى محاولات الرقمنة عبر مشروع «Community Analysis Bureau» في لوس أنجلوس (1967)، الذي استخدم التحليل الإحصائي لرسم خرائط الفقر، وهو ما يعد البذرة الأولى لاستخدام البيانات في صنع القرار البلدي.
ومنذ عام 2011، صار معرض «Smart City Expo World Congress» في برشلونة المنصة العالمية الرئيسية لتبادل الخبرات، حيث يجتمع صناع القرار، الباحثون، والشركات التكنولوجية لعرض الحلول المبتكرة. وفى السنوات الأخيرة، برزت الصين كقوة رائدة في هذا المجال، إذ تشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الصين تستضيف نحو 50% من المشروعات الحضرية الذكية عالميا، من ضمن مبادراتها الوطنية، وبرنامج «الحزام والطريق الرقمي». ومن أبرز الأمثلة مدينة هانجتشو، التي طورت نظام «City Brain» بالشراكة مع شركة علي بابا، والذي يقلل أوقات الانتظار عند التقاطعات بنسبة تصل إلى 15% باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويحسن سرعة حركة المرور بنسبة 11%، ما وفر 15 دقيقة يوميا لكل سائق في المتوسط.
لقد ظهر مفهوم المدن الذكية في العقود الأخيرة كاستجابة تكنولوجية ومؤسسية للتحديات الحضرية المتزايدة. وتعرف المدينة الذكية اليوم بأنها منطقة حضرية تدمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز جودة الحياة، وتحسين كفاءة الخدمات العامة، وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية. وتعتمد المدن الذكية على مجموعة مترابطة من المكونات في صدارتها البنية التحتية الرقمية التي تشكل العمود الفقري، وتشمل شبكات الجيل الخامس، مراكز البيانات السحابية، وأجهزة إنترنت الأشياء الموزعة، حيث يقدر عدد الأجهزة المتصلة عالميا بـ30 مليار جهاز بحلول عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 75 مليارا بحلول عام 2030. وترسل هذه الأجهزة بيانات مستمرة إلى منصات سحابية تعالج بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ما يمكن من التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها مثل ازدحام المرور أو تفشى الأمراض. كما تقوم أنظمة المعلومات الجغرافية بدور محوري في التخطيط الحضري، بينما تستخدم تقنيات «البلوك تشين» لتأمين المعاملات الحكومية وضمان شفافيتها.
تسعى المدن الذكية إلى تحقيق خمسة أهداف استراتيجية: (1) تحسين جودة الحياة عبر خدمات عامة فعالة؛ (2) تعزيز الاستدامة البيئية من خلال الاقتصاد الدائري والطاقة النظيفة؛ (3) دعم الاقتصاد المحلى عبر الابتكار الرقمي وريادة الأعمال؛ (4) تمكين المشاركة المجتمعية عبر منصات رقمية تفاعلية؛ (5) بناء المرونة الحضرية لمواجهة الأزمات المناخية والصحية. وتشير دراسة حديثة إلى أن المدن الذكية حققت تحسنا بنسبة 22% في مؤشر جودة الحياة مقارنة بالمدن التقليدية، بخاصة في مجالات النقل، الصحة والتعليم الرقمي.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى تسارع مذهل في اعتماد هذا الأنموذج الحضري؛ فبحلول نهاية عام 2024، تم استثمار أكثر من 1000 مدينة حول العالم بشكل جدي في مشروعات ذكية، بإنفاق تجاوز 1.5 تريليون دولار أمريكي عالميا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 3.5 تريليونات دولار بحلول عام 2030. والأكثر إثارة أن التحليلات تشير إلى أن هذه المدن قادرة على خفض معدلات الجريمة بنسبة تصل إلى 30% عبر أنظمة المراقبة الذكية والتنبؤ بالجرائم، وتقليل زمن الرحلات اليومية بنسبة 20% عبر أنظمة النقل الذكية، وخفض انبعاثات الكربون بنسبة 10-15% من خلال إدارة الطاقة والمباني الذكية.
ففي مجال الاستدامة، تمثل الشبكات الذكية نقلة نوعية في إدارة الطاقة. ففي كوبنهاجن، ساعدت هذه الشبكات على تحقيق هدف الحياد الكربوني بحلول عام 2025 من خلال دمج مصادر الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الاستهلاك، ما أدى إلى تخفيض استهلاك الطاقة في المباني العامة بنسبة 25%. كما خفضت أنظمة المياه الذكية في برشلونة استهلاك المياه بنسبة 25%، ووفرت أكثر من 58 مليون دولار سنويا، عبر استخدام مستشعرات ضغط وتدفق مدمجة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالتسربات. وفي إدارة النفايات، تستخدم مدن مثل سيول صناديق قمامة ذكية ترسل تنبيهات لدى امتلائها، ما قلل انبعاثات الكربون من شاحنات الجمع بنسبة 30% وحسن كفاءة الجمع بنسبة 50%.
تواجه المدن الذكية تحديات تتمثل في أولا، الخصوصية والأمان السيبراني: فكل جهاز متصل يشكل نقطة اختراق محتملة، وقد ارتفعت الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحضرية بنسبة 170% بين عام 2020 وعام 2024، مع تكلفة متوسطة للاختراق الواحد بلغت 4.5 مليونات دولار. ثانيا، التكاليف الباهظة: إذ يتطلب تنفيذ مشروع مدينة ذكية متوسطة الحجم استثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار، مع فترة استرداد طويلة الأجل. ثالثا، الفجوة الرقمية: فالتقنيات الذكية قد تقصي الفئات الضعيفة ككبار السن، ذوي الدخل المحدود، أو غير المتعلمين رقميا ما يعمق عدم المساواة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 37% من سكان العالم لا يزالون غير متصلين بالإنترنت. ولهذا، يدعو مفكرون إلى «مدن ذكية شاملة» تدمج البعد الاجتماعي في تصميمها التكنولوجي.
ختاما؛ المدينة الذكية ليست مجرد مشروع تقني، بل هي رؤية حضارية متكاملة هدفها إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا والمكان. ومع تسارع التحولات المناخية والديموغرافية، يصبح هذا الأنموذج ضرورة وجودية. ومع ذلك، فإن نجاحه لا يقاس بعدد المستشعرات أو خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بل بمدى تحقيقه للعدالة والشمول والاستدامة. وبحسب توقعات الأمم المتحدة، فإن 68% من سكان العالم (نحو 7 مليارات نسمة) سيعيشون في المدن بحلول عام 2050، ما يجعل الاستثمار في مدن ذكية عادلة وآمنة ومستدامة أولوية استراتيجية للقرن الحادي والعشرين؛ والمستقبل سيكون للحكومات والشركات التي تعي أن التكنولوجيا ليست غاية، بل هي وسيلة قوية لبناء مجتمعات إنسانية مزدهرة وقادرة على الصمود
{ أكاديمي وخبير في التخطيط العمراني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك