العدد : ١٧٥٧٤ - الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٤ - الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

لماذا يصمت العالم على جرائم إسرائيل ضد الصحفيين؟

بقلم: د. أحمد يوسف

الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لقد‭ ‬أعادت‭ ‬جريمة‭ ‬مقتل‭ ‬الصحفية‭ ‬اللبنانية‭ ‬أمل‭ ‬خليل‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬استهداف‭ ‬الإعلاميين،‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إسرائيل‭. ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬كل‭ ‬صاحب‭ ‬ضمير‭ ‬وقلم‭ ‬حر‭: ‬لماذا‭ ‬تفلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬دائمًا‭ ‬من‭ ‬العقاب؟‭ ‬ومن‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬غطاء‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬بحق‭ ‬الإنسانية؟‭!‬

في‭ ‬الحروب،‭ ‬تتحول‭ ‬الكلمة‭ ‬والصورة‭ ‬إلى‭ ‬جبهةٍ‭ ‬موازيةٍ،‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭. ‬فالصحفي‭ ‬لا‭ ‬ينقل‭ ‬الحدث‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬العالمي‭ ‬تجاهه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬حين‭ ‬تتعلق‭ ‬بجرائم‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصحفي‭ ‬نفسه‭ ‬هدفًا‭ ‬مباشرًا،‭ ‬في‭ ‬محاولةٍ‭ ‬واضحةٍ‭ ‬لإسكات‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬يوثّق‭ ‬ويفضح‭.‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬امتدادات‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان،‭ ‬عن‭ ‬نمطٍ‭ ‬خطيرٍ‭ ‬من‭ ‬الاستهداف‭ ‬الممنهج‭ ‬للصحفيين‭. ‬فالأرقام‭ ‬المتداولة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬سقوط‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬150‭ ‬إلى‭ ‬200‭ ‬صحفي‭ ‬فلسطيني‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬حصائل‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الإعلاميين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬النزاعات‭ ‬الحديثة‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فقد‭ ‬سقط‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬خلال‭ ‬التغطية‭ ‬الميدانية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اتساع‭ ‬دائرة‭ ‬الاستهداف‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬غزة‭.‬

هذه‭ ‬الأرقام،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬صادمة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تروي‭ ‬القصة‭ ‬كاملة‭. ‬فالمسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بأضرار‭ ‬جانبية‭ ‬أو‭ ‬أخطاء‭ ‬عسكرية،‭ ‬بل‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم،‭ ‬تستهدف‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬كاميرا‭ ‬أو‭ ‬قلمًا‭ ‬يحاول‭ ‬نقل‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬الميدان‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬خطورة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«تجريم‭ ‬الحقيقة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬نقل‭ ‬الواقع‭ ‬فعلًا‭ ‬محفوفًا‭ ‬بالموت‭.‬

إن‭ ‬حكومة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬تبدو،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬وكأنها‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكاميرا‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬فعل‭ ‬مقاومة‮»‬‭. ‬فالصورة‭ ‬التي‭ ‬توثق‭ ‬استهداف‭ ‬الأطفال،‭ ‬أو‭ ‬تدمير‭ ‬المستشفيات،‭ ‬أو‭ ‬تسوية‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭ ‬بالأرض،‭ ‬تمثل‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للرواية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وتُحرجها‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬إسكات‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬يصبح‭ ‬هدفًا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬عن‭ ‬الغطاء‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬حيث‭ ‬يتكئ‭ ‬نتنياهو،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬على‭ ‬ضمانات‭ ‬حماية‭ ‬توفرها‭ ‬له‭ ‬مواقف‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬وسياساته،‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬كثيرون‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬انحيازًا،‭ ‬بل‭ ‬وتوفر‭ ‬مظلة‭ ‬سياسية‭ ‬تُضعف‭ ‬فرص‭ ‬المساءلة‭ ‬الدولية،‭ ‬وتمنح‭ ‬إسرائيل‭ ‬هامشًا‭ ‬أوسع‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬سياساتها‭ ‬دون‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬محاسبة‭ ‬حقيقية‭.‬

ومنذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬اتخذت‭ ‬إسرائيل‭ ‬خطوة‭ ‬إضافية،‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬دخول‭ ‬الصحفيين‭ ‬الأجانب‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬واضحة‭ ‬لفرض‭ ‬تعتيم‭ ‬إعلامي‭ ‬شامل‭. ‬هذا‭ ‬المنع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إجراءً‭ ‬أمنيًا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إخفاء‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬قتل‭ ‬وتدمير‭ ‬وتجويع‭ ‬وحصار،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬سياسات‭ ‬تهجير‭ ‬قسري‭.‬

لكن،‭ ‬ورغم‭ ‬هذه‭ ‬القيود،‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬حجب‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالكامل‭. ‬فقد‭ ‬تمكن‭ ‬الصحفيون‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬بوسائل‭ ‬بسيطة‭ ‬وإمكانات‭ ‬محدودة،‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬صورة‭ ‬المأساة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬خرجت‭ ‬مشاهد‭ ‬الدمار‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الركام،‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬شاشات‭ ‬العالم،‭ ‬لتكشف‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتضع‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولياته‭ ‬الأخلاقية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكشف‭ ‬لم‭ ‬يُترجم‭ ‬إلى‭ ‬ردعٍ‭ ‬حقيقي‭. ‬فالمواقف‭ ‬الدولية،‭ ‬في‭ ‬معظمها،‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الإدانة‭ ‬اللفظية،‭ ‬دون‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬تضمن‭ ‬المساءلة‭. ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬أو‭ ‬التردد‭ ‬شجّع‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬سياسة‭ ‬الاستهداف،‭ ‬وأرسل‭ ‬رسالة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬الصحفيين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬دون‭ ‬تبعات‭ ‬جدية‭.‬

إن‭ ‬استهداف‭ ‬الصحفيين‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬فقط‭ ‬انتهاكًا‭ ‬لحرية‭ ‬التعبير،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اعتداء‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الحقيقة‭. ‬فكل‭ ‬صحفي‭ ‬يُقتل‭ ‬هو‭ ‬شاهدٌ‭ ‬يُغتال،‭ ‬وروايةٌ‭ ‬تُطمس،‭ ‬ودليلٌ‭ ‬يُفقد‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬الصمت‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬حيادًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التواطؤ‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭.‬

اليوم،‭ ‬يقف‭ ‬العالم‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تفعيل‭ ‬آليات‭ ‬المساءلة‭ ‬الدولية،‭ ‬ومحاسبة‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي،‭ ‬وعلى‭ ‬منظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭ ‬بأكملها‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬الكاميرا‭ ‬التي‭ ‬يخشاها‭ ‬الاحتلال‭ ‬ليست‭ ‬سلاحًا،‭ ‬لكنها‭ ‬تملك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخطر‭: ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬الصحفيين‭ ‬ليست‭ ‬مطلبًا‭ ‬مهنيًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ضرورة‭ ‬إنسانية‭ ‬وأخلاقية‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يتحرك‭ ‬العالم‭ ‬لوقف‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬فسيبقى‭ ‬القتل‭ ‬مستمرًا،‭ ‬وستبقى‭ ‬الحقيقة‭ ‬مستهدفة‭ ‬وتمضي‭ ‬الجريمة،‭ ‬مرةً‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬بلا‭ ‬عقاب‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬صحفي‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا