في الخامس من مايو، يحل اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يأتي هذا العام تحت عنوان «بناء عالم يسوده السلام»، حيث كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أعلنت اليوم العالمي لحرية الصحافة في ديسمبر 1993م، بناء على توصية من المؤتمر العام لمنظمة «يونسكو»، على خلفية «إعلان ويندهوك».
وويندهوك هي مدينة في ناميبيا بإفريقيا، كانت قد شهدت في عام 1991م حلقة دراسية عقدتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو»، وعنيت بتعزيز صحافة إفريقية مستقلة عن السيطرة الحكومية أو السياسية أو الاقتصادية، وتقوم على مبدأ التعددية، بعيدًا عن ظاهرة الاحتكارات، حتى تكون هناك مساحة مناسبة من التنوع ونقل مختلف الآراء الموجودة في المجتمع.
ويأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة تذكيرًا للحكومات بوجوب الوفاء بالتزامها نحو تأكيد حرية الصحافة، كما أنه يُتيح للإعلاميين والإعلاميات فرصة التأمل في مسائل حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة. والظن أن حرية الصحافة هي القضية الأولى التي تهم الجماعة الصحفية في مختلف دول العالم.
والاحتفال بهذا اليوم هو مناسبة جيدة من أجل الاحتفاء بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييم حالة حرية الصحافة في العالم أجمع، والدفاع عن وسائل الإعلام من الاعتداء على استقلالها، وتكريم الصحفيين الذين قضوا حتفهم في أثناء أداء واجباتهم. وحرية الصحافة التي نقصدها ونتطلع إليها تعني حرية الوصول إلى المعلومات، وحرية نشرها والحوار بشأنها، وحرية إصدار الصحف، وهي لذلك ترتبط بحرية الرأي وحرية التعبير، وحق الجمهور في الوصول إلى المعرفة. ومن جانب آخر فإن المسؤولية هي الوجه الآخر للحرية، ما يُعبر عنه بالحرية المسؤولة.
وخلال السنوات الأخيرة شاهدنا حول العالم بعض حوادث تعطيل الصحفيين ومنعهم من الوصول إلى البيانات والمعلومات، وتصاعد التهديدات الموجهة إلى سلامة الصحفيين، ومن ذلك تكرار حوادث مقتل الصحفيين والصحفيات، وبالأخص في أماكن الصراعات والحروب والنزاعات المسلحة، والاستمرار المتزايد في استخدام التشريعات كأداة لقمع الصحافة وتقييد حريتها، فضلًا عن التحديات الخاصة بقدرة وسائل الإعلام على الاستمرار، والتحديات الخاصة باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي ومنصاتها بشكل غير مسؤول من جانب البعض.
ويشير تقرير «الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتطوير وسائل الإعلام – التقرير العالمي للفترة 2022-2024م» إلى أن حرية الصحافة قد شهدت أكبر تراجع لها منذ عام 2012م، وتراجع مؤشر حرية التعبير الصادر عن معهد «V-Dem» بنسبة تفوق 10% خلال السنوات العشر الماضية!
وإن كان في المقابل هناك مشاهد مشجعة وإيجابية مثل صعود تيار الصحافة الاستقصائية التعاونية، ونمو الاشتراكات الإخبارية المدفوعة، وتعزيز الحوكمة التشاركية للمحتوى الإلكتروني، ومكافحة المعلومات المضللة والشائعات والأخبار الزائفة، ونفاذ نحو 1.5 مليار شخص إلى وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة من 2020م إلى 2025م.
على أي حال فمن الواجب التأكيد هنا عدة أمور أساسية.. أولًا: حرية الصحافة والإعلام هي حق أساسي من حقوق الإنسان، والحرية هي الرئة التي تتنفس بها الصحافة وتعمل من خلالها، في صالح المجتمع/ المجتمعات، ومن ثم فهي لازمة وضرورية لعمل الصحفيين والإعلاميين.
ثانيًا: حرية الصحافة لازمة أيضًا للجمهور المتعطش للمعرفة، بما يحقق الشفافية والنزاهة والمساءلة، وهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق الديمقراطية وتعظيم جهود التنمية المستدامة على أرض الواقع.
ثالثًا: المعلومات هي منفعة عامة، ما يفرض دعم سلامة المعلومات وضمان الوصول إليها وانتقالها بسلاسة ويسر، في إطار من احترام المصلحة الوطنية وتطلعات المجتمع الدولي.
وتبقى تحية واجبة للجماعة الصحفية الصامدة بقوة والمطالِبة بالحرية، التي تعمل بنزاهة وأمانة وإخلاص من أجل هذا الوطن، ومن أجل عالمنا الإنساني المشترك، تُسهم بنصيبها في تشكيل منظومة القيم الإيجابية ودعم وترسيخ الأخلاق النبيلة والسامية، تشتبك مع قضايا الفقر والمرض والجهل والأمية، وتناقش بمهنية قضايا الديمقراطية والحرية والتنمية والتعليم، والتغيرات المناخية ومصادر الطاقة، وتعنى بقضايا تمكين المرأة والشباب وذوى الاحتياجات الخاصة، ومواجهة خطابات التمييز والتعصب والعنف والتنمر ومختلف أشكال الكراهية، من أجل عالم يسوده السلام وينعم بالاستقرار.
{ كاتب وباحث إعلامي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك