العدد : ١٧٥٧٣ - الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٣ - الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حرية الصحافة وبناء عالم يسوده السلام

بقلم: د. رامي عطا صديق

الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬مايو،‭ ‬يحل‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة،‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬بناء‭ ‬عالم‭ ‬يسوده‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬أعلنت‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬1993م،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬توصية‭ ‬من‭ ‬المؤتمر‭ ‬العام‭ ‬لمنظمة‭ ‬‮«‬يونسكو‮»‬،‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬ويندهوك‮»‬‭.‬

وويندهوك‭ ‬هي‭ ‬مدينة‭ ‬في‭ ‬ناميبيا‭ ‬بإفريقيا،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬شهدت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1991م‭ ‬حلقة‭ ‬دراسية‭ ‬عقدتها‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للتربية‭ ‬والعلوم‭ ‬والثقافة‭ ‬‮«‬يونسكو‮»‬،‭ ‬وعنيت‭ ‬بتعزيز‭ ‬صحافة‭ ‬إفريقية‭ ‬مستقلة‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬الحكومية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التعددية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاحتكارات،‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬مساحة‭ ‬مناسبة‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬ونقل‭ ‬مختلف‭ ‬الآراء‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

ويأتي‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬تذكيرًا‭ ‬للحكومات‭ ‬بوجوب‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزامها‭ ‬نحو‭ ‬تأكيد‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يُتيح‭ ‬للإعلاميين‭ ‬والإعلاميات‭ ‬فرصة‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬وأخلاقيات‭ ‬المهنة‭. ‬والظن‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬هي‭ ‬القضية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬الجماعة‭ ‬الصحفية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم‭.‬

والاحتفال‭ ‬بهذا‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬مناسبة‭ ‬جيدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة،‭ ‬وتقييم‭ ‬حالة‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أجمع،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬استقلالها،‭ ‬وتكريم‭ ‬الصحفيين‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬حتفهم‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬أداء‭ ‬واجباتهم‭. ‬وحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬التي‭ ‬نقصدها‭ ‬ونتطلع‭ ‬إليها‭ ‬تعني‭ ‬حرية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات،‭ ‬وحرية‭ ‬نشرها‭ ‬والحوار‭ ‬بشأنها،‭ ‬وحرية‭ ‬إصدار‭ ‬الصحف،‭ ‬وهي‭ ‬لذلك‭ ‬ترتبط‭ ‬بحرية‭ ‬الرأي‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير،‭ ‬وحق‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭. ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬المسؤولية‭ ‬هي‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للحرية،‭ ‬ما‭ ‬يُعبر‭ ‬عنه‭ ‬بالحرية‭ ‬المسؤولة‭.‬

وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬شاهدنا‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬بعض‭ ‬حوادث‭ ‬تعطيل‭ ‬الصحفيين‭ ‬ومنعهم‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات،‭ ‬وتصاعد‭ ‬التهديدات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬سلامة‭ ‬الصحفيين،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬تكرار‭ ‬حوادث‭ ‬مقتل‭ ‬الصحفيين‭ ‬والصحفيات،‭ ‬وبالأخص‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬والاستمرار‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬التشريعات‭ ‬كأداة‭ ‬لقمع‭ ‬الصحافة‭ ‬وتقييد‭ ‬حريتها،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬التحديات‭ ‬الخاصة‭ ‬بقدرة‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬والتحديات‭ ‬الخاصة‭ ‬باستخدام‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ومنصاتها‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسؤول‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬البعض‭.‬

ويشير‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬الاتجاهات‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وتطوير‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬–‭ ‬التقرير‭ ‬العالمي‭ ‬للفترة‭ ‬2022‭-‬2024م‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬قد‭ ‬شهدت‭ ‬أكبر‭ ‬تراجع‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2012م،‭ ‬وتراجع‭ ‬مؤشر‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬معهد‭ ‬‮«‬V‭-‬Dem‮»‬‭ ‬بنسبة‭ ‬تفوق‭ ‬10‭% ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الماضية‭!‬

وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬هناك‭ ‬مشاهد‭ ‬مشجعة‭ ‬وإيجابية‭ ‬مثل‭ ‬صعود‭ ‬تيار‭ ‬الصحافة‭ ‬الاستقصائية‭ ‬التعاونية،‭ ‬ونمو‭ ‬الاشتراكات‭ ‬الإخبارية‭ ‬المدفوعة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الحوكمة‭ ‬التشاركية‭ ‬للمحتوى‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬ومكافحة‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬والشائعات‭ ‬والأخبار‭ ‬الزائفة،‭ ‬ونفاذ‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬2020م‭ ‬إلى‭ ‬2025م‭.‬

على‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬فمن‭ ‬الواجب‭ ‬التأكيد‭ ‬هنا‭ ‬عدة‭ ‬أمور‭ ‬أساسية‭.. ‬أولًا‭: ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬والإعلام‭ ‬هي‭ ‬حق‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬والحرية‭ ‬هي‭ ‬الرئة‭ ‬التي‭ ‬تتنفس‭ ‬بها‭ ‬الصحافة‭ ‬وتعمل‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬المجتمع‭/ ‬المجتمعات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهي‭ ‬لازمة‭ ‬وضرورية‭ ‬لعمل‭ ‬الصحفيين‭ ‬والإعلاميين‭.‬

ثانيًا‭: ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬لازمة‭ ‬أيضًا‭ ‬للجمهور‭ ‬المتعطش‭ ‬للمعرفة،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬الشفافية‭ ‬والنزاهة‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وهي‭ ‬ترتبط‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بتحقيق‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وتعظيم‭ ‬جهود‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

ثالثًا‭: ‬المعلومات‭ ‬هي‭ ‬منفعة‭ ‬عامة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬دعم‭ ‬سلامة‭ ‬المعلومات‭ ‬وضمان‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬وانتقالها‭ ‬بسلاسة‭ ‬ويسر،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتطلعات‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

وتبقى‭ ‬تحية‭ ‬واجبة‭ ‬للجماعة‭ ‬الصحفية‭ ‬الصامدة‭ ‬بقوة‭ ‬والمطالِبة‭ ‬بالحرية،‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بنزاهة‭ ‬وأمانة‭ ‬وإخلاص‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬عالمنا‭ ‬الإنساني‭ ‬المشترك،‭ ‬تُسهم‭ ‬بنصيبها‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬الإيجابية‭ ‬ودعم‭ ‬وترسيخ‭ ‬الأخلاق‭ ‬النبيلة‭ ‬والسامية،‭ ‬تشتبك‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬الفقر‭ ‬والمرض‭ ‬والجهل‭ ‬والأمية،‭ ‬وتناقش‭ ‬بمهنية‭ ‬قضايا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬والتنمية‭ ‬والتعليم،‭ ‬والتغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتعنى‭ ‬بقضايا‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬والشباب‭ ‬وذوى‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومواجهة‭ ‬خطابات‭ ‬التمييز‭ ‬والتعصب‭ ‬والعنف‭ ‬والتنمر‭ ‬ومختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الكراهية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عالم‭ ‬يسوده‭ ‬السلام‭ ‬وينعم‭ ‬بالاستقرار‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬إعلامي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا