العدد : ١٧٥٧٣ - الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٣ - الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تأثيرات الحصار البحري الأمريكي في الاقتصاد الإيراني

بقلم: د. وليد عبد الحي

الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬المشهد‭ ‬الإيراني‭ ‬القائم‭ ‬حاليًا،‭ ‬هناك‭ ‬حصار‭ ‬أمريكي‭ ‬يستهدف،‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي،‭ ‬إغلاق‭ ‬أبواب‭ ‬التجارة‭ ‬الإيرانية‭ ‬النفطية‭ ‬والغازية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بقية‭ ‬بنود‭ ‬التجارة‭ ‬التقليدية‭. ‬وبالمقابل،‭ ‬هناك‭ ‬حصار‭ ‬إيراني‭ ‬يتم‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬بل‭ ‬وفرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬عبره‭. ‬

تأثيرات‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأمريكي‭: ‬حاولتُ‭ ‬مراجعة‭ ‬التقارير‭ ‬الدولية‭ ‬المختلفة‭ ‬حول‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬للحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬بُعدين‭ ‬هما‭ ‬الأكثر‭ ‬أهميةً‭ ‬وإلحاحًا‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الإيراني‭: ‬البعد‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬النفط‭ ‬والغاز؛‭ ‬حيث‭ ‬تتراوح‭ ‬تقديرات‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬مبيعات‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬50–60%‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬مبيعات‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭ ‬تضرر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بعد‭ ‬إلغاء‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬واشنطن‭ ‬عام‭ ‬2018؛‭ ‬إذ‭ ‬تراجعت‭ ‬مبيعات‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬إلى‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬بعد‭ ‬عامين‭. ‬وازداد‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬انعكاسات‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني،‭ ‬وتراجع‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتزعزع‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬للعملة‭ ‬الإيرانية‭.‬

لكن‭ ‬إيران‭ ‬حققت‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬النجاح‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬التكيف‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬2021‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬أبريل‭ ‬الحالي‭ (‬بداية‭ ‬الحصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭). ‬وتمكنت‭ ‬إيران،‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الآليات،‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ (‬كمعدل‭ ‬للفترة‭ ‬من‭ ‬2021‭ ‬–‭ ‬أول‭ ‬عام‭ ‬2026‭)‬،‭ ‬وبلغ‭ ‬حتى‭ ‬مارس‭ ‬2026‭ ‬معدلًا‭ ‬أعلى‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬1‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬برميل،‭ ‬بل‭ ‬أحيانًا‭ ‬كان‭ ‬يصل‭ ‬المستوى‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭. ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬كان‭ ‬كبيرا،‭ ‬لأنها‭ ‬امتصت‭ ‬الجزء‭ ‬الرئيسي‭ ‬من‭ ‬الصادرات‭ ‬النفطية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وهي‭ ‬دولة‭ ‬تجاوزت‭ ‬الانصياع‭ ‬للإجراءات‭ ‬العقابية‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لخنق‭ ‬التكيف‭ ‬الإيراني‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭. ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬التكيف‭ ‬الإيراني‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأمريكي؛‭ ‬فالتقديرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحصار‭ ‬أعاد‭ ‬مستوى‭ ‬الصادرات‭ ‬النفطية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬الانخفاض‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬ليصبح‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬500‭ ‬و600‭ ‬ألف‭ ‬برميل‭. ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬تقدير‭ ‬التصدير‭ ‬‮«‬الرسمي‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬رفعت‭ ‬آليات‭ ‬التكيف‭ ‬الإيرانية‭ ‬هذا‭ ‬المعدل‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭:‬

أ‭- ‬آلية‭ ‬أسطول‭ ‬الظل‭ (‬Shadow‭ ‬Fleet‭)‬،‭ ‬وتتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ناقلات‭ ‬نفط‭ ‬قديمة‭ ‬تم‭ ‬تعطيل‭ ‬أنظمة‭ ‬التعريف‭ ‬فيها‭ (‬AIS‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬تعطيل‭ ‬التتبع‭ ‬الآلي‭ ‬للسفن،‭ ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬تغييب‭ ‬موقع‭ ‬السفينة‭ ‬عن‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬والسفن‭ ‬الأخرى‭ (‬أي‭ ‬أقرب‭ ‬للتهريب‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬تقوم‭ ‬بتغيير‭ ‬مستمر‭ ‬لهويتها‭ ‬لتجنب‭ ‬الرصد‭.‬

ب‭- ‬تغيير‭ ‬الوسم‭ ‬أو‭ ‬الهوية‭ ‬البحرية‭ (‬Rebranding‭)‬،‭ ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬بنقل‭ ‬النفط‭ ‬من‭ ‬سفينة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬البحار‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬Transfer‭ ‬STS‭) ‬لإخفاء‭ ‬منشأ‭ ‬النفط،‭ ‬إضافةً‭ ‬إلى‭ ‬تزوير‭ ‬وثائق‭ ‬الشحن‭ ‬لبيعه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬إيران‭.‬

وقد‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬الآليات،‭ ‬حتى‭ ‬منتصف‭ ‬أبريل‭ ‬الحالي،‭ ‬إلى‭ ‬تمكن‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬تخزين‭ ‬كميات‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬بالحصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬بساعات،‭ ‬كما‭ ‬نقلت‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬62‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬بين‭ ‬الناقلات‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬مارس‭ (‬قبل‭ ‬فرض‭ ‬الحصار‭ ‬كإجراء‭ ‬احترازي‭). ‬كما‭ ‬استعانت‭ ‬إيران‭ ‬بنقل‭ ‬النفط‭ ‬عبر‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬وعبر‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬تزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬التخزين‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬تقنية‭ ‬وتكاليف‭ ‬أخرى‭.‬

توظيف‭ ‬إيران‭ ‬لنظام‭ ‬المقايضة‭ ‬النفطية‭ (‬Oil‭ ‬Swap‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تستقبل‭ ‬نفطًا‭ ‬من‭ ‬جوارها‭ ‬الشمالي‭ (‬كازاخستان‭ ‬وتركمانستان‭ ‬وروسيا‭... ‬إلخ‭) ‬عبر‭ ‬ميناء‭ ‬‮«‬نكا‮»‬‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬قزوين،‭ ‬وتقوم‭ ‬بتكريره‭ ‬لصالح‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬ثم‭ ‬تصدّر‭ ‬نفس‭ ‬الكمية‭ ‬من‭ ‬موانئها‭ ‬الجنوبية‭ ‬البعيدة‭ ‬عن‭ ‬الحصار‭ ‬نيابةً‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬الشمالي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬لتلك‭ ‬الدول‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬الضخمة‭ ‬لزبائنهم‭ ‬النفطيين‭.‬

أما‭ ‬الغاز،‭ ‬فكان‭ ‬حجم‭ ‬التصدير‭ ‬الإيراني‭ ‬حوالي‭ ‬9‭.‬6‭ ‬مليارات‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬سنويًا‭ ‬قبل‭ ‬الحصار،‭ ‬لكنه‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬هامشية‭ ‬جدًا‭ ‬بعد‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأمريكي‭.‬

هناك‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬تراهن‭ ‬عليه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬حصارها،‭ ‬وهو‭ ‬الجانب‭ ‬الخاص‭ ‬بالمواد‭ ‬الغذائية؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬11‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬لكن‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬الغذائي‭ ‬المحلي‭ ‬الإيراني‭ ‬يغطي‭ ‬85‭% ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬الإيرانية‭ ‬حتى‭ ‬مرحلة‭ ‬بدء‭ ‬الحصار،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬التأثير‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬أهمية،‭ ‬رغم‭ ‬مراهنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬التوتر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬يمكنها‭ ‬استثماره‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأمريكي‭ ‬يضر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني،‭ ‬فإن‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إيران‭ ‬أضر‭ ‬بالأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وتسعى‭ ‬إيران‭ ‬لتوظيف‭ ‬حصارها‭ ‬للمضيق‭ ‬لفك‭ ‬الحصار‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ومعه‭ ‬العقوبات‭ ‬كلها‭. ‬

‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬ينتظر‭ ‬نضج‭ ‬‮«‬الطهي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬أزمة‭ ‬الحصارات‭ ‬الراهنة‭ ‬ليتدخل‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭ ‬ليطرح‭ ‬حلولا‭ ‬تقرب‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬فيعزز‭ ‬مكانة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الروسية‭. ‬

{أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭ ‬مختص

‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا