اليوم، وفي المستقبل، سيشهد العالم تحولات عميقة ومتسارعة تمس جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية، الأمر الذي جعل التفكير في المستقبل لا يُعدّ ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وجودية واستراتيجية حتمية.
وفي ظل هذا السياق التحولي، لم تعد الاستراتيجية مجرد خطة إدارية أو أداة تنظيمية قصيرة المدى، وإنما غدت قضية مصيرية تتعلق بقدرة الأفراد والمؤسسات والدول على البقاء، والتكيف، وصناعة موقع فاعل في عالم يتسم بعدم اليقين وتعدد المخاطر.
ومن هذا المنطلق، برز اتجاه فكري في الأدبيات المعاصرة يُعرف بفقه الاستراتيجية، بوصفه مقاربة تسعى إلى الفهم العميق للاستراتيجية من حيث منطقها، ومقاصدها، وشروط فاعليتها، متجاوزةً بذلك المقاربات التقنية التي تختزل الاستراتيجية في نماذج وأدوات إجرائية.
فقه الاستراتيجية بوصلة معرفية لصناعة المستقبل
يُفهم فقه الاستراتيجية باعتباره علمًا بالفهم لا بالتطبيق فقط؛ إذ ينشغل بتحليل الأسس الفكرية والمعرفية التي تقوم عليها الاستراتيجيات، وبالكشف عن العلاقة بين الرؤية، والسياق، والقيم، والزمن. ويؤكد هذا المفهوم أن امتلاك استراتيجية لا يكفي، ما لم يكن الفاعل الاستراتيجي واعيًا بمنطقها الداخلي وبالتحولات المستقبلية التي تستهدف التعامل معها. وفي هذا الإطار، يشترك فقه الاستراتيجية مع حقل استشراف المستقبل في رفض منطق التنبؤ الحتمي، واعتماد منطق الاستعداد الواعي، حيث يُنظر إلى المستقبل بالإضافة إلى أنه قدر، ليصبح مشروعًا إنسانيًا قابلاً للصناعة والتوجيه ضمن حدود السنن والاحتمالات.
استشراف المستقبل من التنبؤ إلى الصناعة
تُميز أدبيات استشراف المستقبل بين المستقبل كزمن قادم خارج عن السيطرة، والمستقبل كمجال للفعل الاستراتيجي الواعي. ويؤكد هذا التمييز أن الاستشراف لا يعني ادعاء المعرفة بالغيب أو الغد، بل بناء تصورات متعددة للآتي، واستكشاف الاتجاهات الكبرى، والتعامل مع التحولات القادمة بروح المبادرة لا ردّة الفعل.
فالدول – مثلاً- التي انتقلت من التخطيط التنموي القصير الأجل إلى تبنّي رؤى وطنية طويلة المدى لم تكن تسعى إلى التنبؤ بالمستقبل، بل إلى صناعته عبر توجيه السياسات العامة، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والتقنية ضمن أفق استراتيجي واحد. وهذا التحول يعكس فهمًا فقهيًا للاستراتيجية بوصفها أداة للتموضع المستقبلي، لا مجرد استجابة آنية للتحديات.
الأبعاد الفلسفية المشتركة بين فقه الاستراتيجية واستشراف المستقبل
أولاً: البعد الغائي؛ المستقبل بوصفه أفقًا للمعنى
يرتكز فقه الاستراتيجية على تصور غائي للفعل الإنساني، قريب مما طرحه أرسطو حول الغاية، حيث لا يكون للفعل معنى إن لم يكن موجهًا نحو غاية مستقبلية. وتُعد الرؤية الاستراتيجية في هذا السياق تعبيرًا عن تصور معياري لما ينبغي أن يكون، لا مجرد وصف لما هو قائم. فالمؤسسات التي تربط استراتيجياتها بالاستدامة والابتكار لا تفعل ذلك بدافع امتثال شكلي، بل انطلاق من تصور مستقبلي للمؤسسة ودورها في المجتمع العالمي.
ثانيًا: البعد المعرفي؛ الوعي بحدود التنبؤ
ينسجم فقه الاستراتيجية مع الطرح المعرفي الذي يؤكد محدودية المعرفة البشرية حيال المستقبل، وهو ما يجعل الاستشراف قائمًا على السيناريوهات لا على اليقين. فالفشل الاستراتيجي في كثير من الحالات لم يكن نتيجة نقص البيانات، بل قصور في الفهم العميق للتحولات، فمثلاً: مؤسسات امتلكت موارد ضخمة لكنها أخفقت في التحول الرقمي، في مقابل مؤسسات صغيرة نسبيًا استطاعت قراءة الاتجاهات المستقبلية مبكرًا، ما يعكس الفرق بين امتلاك أدوات التخطيط وامتلاك فقه الاستراتيجية.
ثالثًا: البعد الزمني؛ الانتقال من أسر الحاضر إلى أفق المستقبل
يفهم فقه الاستراتيجية الزمن بوصفه بُعدًا مركزيًا في الفعل الإنساني؛ إذ يشير إغفال المستقبل إلى الوقوع في التبعية، بينما يتيح الوعي الزمني الانتقال إلى الفعل المبادر. وهذا المعنى حاضر بوضوح في استشراف المستقبل بوصفه جهدًا فكريًا لتحرير القرار الاستراتيجي من ضغط اللحظة الراهنة.
رابعًا: البعد الأخلاقي والحضاري؛ وصناعة المستقبل المسؤول
يرتبط كل من فقه الاستراتيجية واستشراف المستقبل ببعد أخلاقي واضح، يمنع تحويل الاستراتيجية إلى أداة هيمنة أو إقصاء. فالمستقبل -في الفلسفة الإسلامية خاصة- مجال للمسؤولية والاستخلاف، لا مجرد ساحة للتنافس الصفري.
على سبيل المثال: الجدل العالمي حول الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة يُظهر بوضوح الحاجة إلى فقه استراتيجي أخلاقي يوازن بين الابتكار والمخاطر، وبين التقدم التقني والكرامة الإنسانية.
هذا يعني أنه يجب توظيف فقه الاستراتيجية كإطار فلسفي وتحليلي لفهم استشراف وصناعة المستقبل، والكشف عن أبعاده المعرفية والقيمية، وصولاً إلى بناء تصور أكثر عمقًا للفعل الاستراتيجي في عالم سريع التحول، إذ إنه يجمع بين الأبعاد التي تحدثنا عنها سابقًا، بالإضافة إلى فرضية مفادها أن صناعة المستقبل لا تتحقق بامتلاك أدوات الاستشراف فحسب، بل بتبنّي فقه استراتيجي واعٍ يحكم الرؤية والاختيارات والفعل.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك