العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أهمية التفكير الاستراتيجي في صناعة مستقبل المجتمعات

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ - 02:08

اليوم،‭ ‬وفي‭ ‬المستقبل،‭ ‬سيشهد‭ ‬العالم‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬ومتسارعة‭ ‬تمس‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والتقنية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يُعدّ‭ ‬ترفًا‭ ‬فكريًّا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬حتمية‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬التحولي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مجرد‭ ‬خطة‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬أداة‭ ‬تنظيمية‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬وإنما‭ ‬غدت‭ ‬قضية‭ ‬مصيرية‭ ‬تتعلق‭ ‬بقدرة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والدول‭ ‬على‭ ‬البقاء،‭ ‬والتكيف،‭ ‬وصناعة‭ ‬موقع‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتسم‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭ ‬وتعدد‭ ‬المخاطر‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬برز‭ ‬اتجاه‭ ‬فكري‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬المعاصرة‭ ‬يُعرف‭ ‬بفقه‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بوصفه‭ ‬مقاربة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬منطقها،‭ ‬ومقاصدها،‭ ‬وشروط‭ ‬فاعليتها،‭ ‬متجاوزةً‭ ‬بذلك‭ ‬المقاربات‭ ‬التقنية‭ ‬التي‭ ‬تختزل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬وأدوات‭ ‬إجرائية‭.‬

 

فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بوصلة‭ ‬معرفية‭ ‬لصناعة‭ ‬المستقبل

يُفهم‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬باعتباره‭ ‬علمًا‭ ‬بالفهم‭ ‬لا‭ ‬بالتطبيق‭ ‬فقط؛‭ ‬إذ‭ ‬ينشغل‭ ‬بتحليل‭ ‬الأسس‭ ‬الفكرية‭ ‬والمعرفية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الاستراتيجيات،‭ ‬وبالكشف‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرؤية،‭ ‬والسياق،‭ ‬والقيم،‭ ‬والزمن‭. ‬ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬استراتيجية‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الفاعل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬واعيًا‭ ‬بمنطقها‭ ‬الداخلي‭ ‬وبالتحولات‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يشترك‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬حقل‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬منطق‭ ‬التنبؤ‭ ‬الحتمي،‭ ‬واعتماد‭ ‬منطق‭ ‬الاستعداد‭ ‬الواعي،‭ ‬حيث‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬قدر،‭ ‬ليصبح‭ ‬مشروعًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬قابلاً‭ ‬للصناعة‭ ‬والتوجيه‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬السنن‭ ‬والاحتمالات‭.‬

 

استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬التنبؤ‭ ‬إلى‭ ‬الصناعة

تُميز‭ ‬أدبيات‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬بين‭ ‬المستقبل‭ ‬كزمن‭ ‬قادم‭ ‬خارج‭ ‬عن‭ ‬السيطرة،‭ ‬والمستقبل‭ ‬كمجال‭ ‬للفعل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الواعي‭. ‬ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬أن‭ ‬الاستشراف‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ادعاء‭ ‬المعرفة‭ ‬بالغيب‭ ‬أو‭ ‬الغد،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬تصورات‭ ‬متعددة‭ ‬للآتي،‭ ‬واستكشاف‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الكبرى،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬القادمة‭ ‬بروح‭ ‬المبادرة‭ ‬لا‭ ‬ردّة‭ ‬الفعل‭.‬

فالدول‭ ‬–‭ ‬مثلاً‭- ‬التي‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬التنموي‭ ‬القصير‭ ‬الأجل‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬رؤى‭ ‬وطنية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬صناعته‭ ‬عبر‭ ‬توجيه‭ ‬السياسات‭ ‬العامة،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والصحة،‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬والتقنية‭ ‬ضمن‭ ‬أفق‭ ‬استراتيجي‭ ‬واحد‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬فهمًا‭ ‬فقهيًا‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬للتموضع‭ ‬المستقبلي،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬استجابة‭ ‬آنية‭ ‬للتحديات‭.‬

الأبعاد‭ ‬الفلسفية‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل

أولاً‭: ‬البعد‭ ‬الغائي؛‭ ‬المستقبل‭ ‬بوصفه‭ ‬أفقًا‭ ‬للمعنى

يرتكز‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬تصور‭ ‬غائي‭ ‬للفعل‭ ‬الإنساني،‭ ‬قريب‭ ‬مما‭ ‬طرحه‭ ‬أرسطو‭ ‬حول‭ ‬الغاية،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬للفعل‭ ‬معنى‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجهًا‭ ‬نحو‭ ‬غاية‭ ‬مستقبلية‭. ‬وتُعد‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬تصور‭ ‬معياري‭ ‬لما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وصف‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬بالاستدامة‭ ‬والابتكار‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بدافع‭ ‬امتثال‭ ‬شكلي،‭ ‬بل‭ ‬انطلاق‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬مستقبلي‭ ‬للمؤسسة‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العالمي‭.‬

ثانيًا‭: ‬البعد‭ ‬المعرفي؛‭ ‬الوعي‭ ‬بحدود‭ ‬التنبؤ

ينسجم‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الطرح‭ ‬المعرفي‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬محدودية‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية‭ ‬حيال‭ ‬المستقبل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الاستشراف‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬السيناريوهات‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬اليقين‭. ‬فالفشل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نتيجة‭ ‬نقص‭ ‬البيانات،‭ ‬بل‭ ‬قصور‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭ ‬للتحولات،‭ ‬فمثلاً‭: ‬مؤسسات‭ ‬امتلكت‭ ‬موارد‭ ‬ضخمة‭ ‬لكنها‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬مؤسسات‭ ‬صغيرة‭ ‬نسبيًا‭ ‬استطاعت‭ ‬قراءة‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المستقبلية‭ ‬مبكرًا،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬امتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬التخطيط‭ ‬وامتلاك‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

ثالثًا‭: ‬البعد‭ ‬الزمني؛‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬الحاضر‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬المستقبل

يفهم‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬بُعدًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬الإنساني؛‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬إغفال‭ ‬المستقبل‭ ‬إلى‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬التبعية،‭ ‬بينما‭ ‬يتيح‭ ‬الوعي‭ ‬الزمني‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬المبادر‭. ‬وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬حاضر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬بوصفه‭ ‬جهدًا‭ ‬فكريًا‭ ‬لتحرير‭ ‬القرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬ضغط‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭.‬

رابعًا‭: ‬البعد‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والحضاري؛‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل‭ ‬المسؤول

يرتبط‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬ببعد‭ ‬أخلاقي‭ ‬واضح،‭ ‬يمنع‭ ‬تحويل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬هيمنة‭ ‬أو‭ ‬إقصاء‭. ‬فالمستقبل‭ -‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬خاصة‭- ‬مجال‭ ‬للمسؤولية‭ ‬والاستخلاف،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ساحة‭ ‬للتنافس‭ ‬الصفري‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬الجدل‭ ‬العالمي‭ ‬حول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬يُظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬فقه‭ ‬استراتيجي‭ ‬أخلاقي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬والمخاطر،‭ ‬وبين‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬توظيف‭ ‬فقه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬كإطار‭ ‬فلسفي‭ ‬وتحليلي‭ ‬لفهم‭ ‬استشراف‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل،‭ ‬والكشف‭ ‬عن‭ ‬أبعاده‭ ‬المعرفية‭ ‬والقيمية،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬للفعل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التحول،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأبعاد‭ ‬التي‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنها‭ ‬سابقًا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرضية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بامتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬الاستشراف‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بتبنّي‭ ‬فقه‭ ‬استراتيجي‭ ‬واعٍ‭ ‬يحكم‭ ‬الرؤية‭ ‬والاختيارات‭ ‬والفعل‭.‬

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا