عمدت الدول الأوروبية، قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 فبراير 2026، إلى إدارة علاقاتها بالولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب؛ عبر محاولة إيجاد صيغة تضمن بها استمرار التعاون العسكري والأمني بين الجانبين، بما يكفل تجنب وجود فجوات في أنظمة تسليحها وتأمينها، مع العمل على تسريع الخطط الخاصة بتحقيق قدر من الاعتماد على الذات.
وشملت تلك الصيغة الاستمرار في الحصول على العتاد الأمريكي، سواء لجيوش الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، أو ذلك الموجّه إلى أوكرانيا؛ حيث تم استبدال سياسة الضغط على واشنطن لتقديم مساعدات إلى كييف بأخرى تعتمد على شراء الأسلحة الأمريكية وتوجيهها إلى أوكرانيا، بما يتماشى مع أفكار وسياسات ترامب.
وجاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لتثبت أن هذه السياسة الأوروبية ربما غير قابلة للاستمرار فترة طويلة؛ حيث استدعت الحرب توجيه الجهد العسكري الأمريكي نحو منطقة الشرق الأوسط، كما وسّعت الفجوة بين الجانب الأوروبي ونظيره الأمريكي؛ ما عمّق المخاوف الأمنية الأوروبية ودفع أوروبا إلى تبني سياسات وبرامج أكثر استقلالية وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة.
انقسام «الناتو»: أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية إلى تعميق حالة الانقسام داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وزادت بشكل كبير من الشكوك الأوروبية حول مدى الالتزام الأمريكي تجاه الحلف، وهو ما يمكن توضيح أسبابه ومظاهره فيما يأتي:
1- غضب أوروبي من استفادة روسيا من حرب إيران: أدت هذه الحرب إلى استفادة اقتصادية روسية ملموسة، عبر مسارين: الأول هو الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل الواحد، مقارنة بمتوسط سعري نحو 72 دولاراً قبل الحرب. أما المسار الثاني فهو التخفيف المباشر للعقوبات المفروضة على روسيا ولا سيّما في قطاع الطاقة، وما ارتبط بذلك من التغاضي عن بعض الصفقات أو التحركات التي قام بها «أسطول الظل الروسي».
وتشير بعض التقديرات الأوروبية الصادرة في 12 مارس الماضي إلى أن استفادة قطاع الطاقة الروسي من حرب إيران بلغت نحو ستة مليارات دولار، مع صعوبة الوصول إلى تقييمات شاملة ودقيقة.
2- الرؤية الأمريكية السلبية للموقف الأوروبي من الحرب: اعتبرت الإدارة الأمريكية المواقف الأوروبية من حرب إيران، سواء الرافضة للدخول في الحرب أو لتقديم دعم عسكري مباشر للولايات المتحدة في مواجهة إيران؛ بمثابة تخلٍ من الحلفاء. وقد عبّر الرئيس ترامب عن ذلك عدة مرات، كان أبرزها في أحد منشوراته على منصة «تروث سوشال» في 9 أبريل؛ حيث أشار إلى أن «الناتو لم يكن موجوداً لمساعدتنا عندما احتجنا إلى ذلك، ولن يكون موجوداً إذا احتجناه مرة أخرى». كما تواترت تقارير عن تفكير واشنطن في تقليص وجود القوات الأمريكية الموجودة في قواعد حلف الناتو ببعض الدول الأوروبية، وما يحمله ذلك من دلالات خاصة بتراجع الالتزام الأمريكي تجاه أمن أوروبا.
3- انتقاد أوروبي لتراجع دعم واشنطن لأوكرانيا ومحاولتها ضم جرينلاند: يتمسك الأوروبيون بوجهة نظرهم القائمة على أن التحالف مع واشنطن هو بالأساس دفاعي، وأن قرار الحرب على إيران كان من الممكن تجنبه. كما لم يتجاوزوا موقف الإدارة الأمريكية تجاه الحرب الأوكرانية؛ حيث تراجع الدعم العسكري الأمريكي لكييف، وتم استبدال برامج هذا الدعم باتفاقات تشمل شراء الأوروبيين الأسلحة والعتاد من الولايات المتحدة لضمان استمرار تدفقها إلى أوكرانيا.
في الوقت ذاته، لم يتجاوز الأوروبيون الآثار السلبية لمسألة سعي واشنطن لضم جزيرة جرينلاند، واضعين في الاعتبار التقارير التي أشارت إلى أن دولاً أوروبية كبرى ساعدت الدنمارك على وضع خطط دفاعية لرفع الكلفة الخاصة بضم الجزيرة حال قرر ترامب تنفيذ ذلك بالقوة.
وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة تراجعاً ملحوظاً في مستوى الثقة بين أوروبا وواشنطن، ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لتفاقم هذه الحالة، وتدفع الأوروبيين نحو تسريع خطط تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة.
تحوّلات أوروبية: تتمثل أبرز أنماط التحوّل في خطط الدفاع الأوروبية بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في الآتي:
1- تغير حجم ونمط الإنفاق العسكري: تتجه فرنسا إلى زيادة مخزونها من الصواريخ والطائرات المُسيّرة بنسبة 400%، وزيادة مخزون القنابل الموجهة (AASM Hammer guided bombs) بمقدار 240%، وصواريخ من نوع «أستر» و«ميكا» التي تنتجها شركة (MBDA) بمقدار 30%، وفقاً لتقارير منشورة في أبريل 2026. ويأتي ذلك بالتوازي مع تقديم دعم مالي كبير قُدِّر بنحو 8 مليارات يورو لزيادة المخزون من الذخائر المختلفة وفقاً لخطة تستمر حتى عام 2030.
وفي السياق نفسه، تشير تعديلات قانون التخطيط العسكري الفرنسي إلى زيادة دورية في الإنفاق العسكري؛ بحيث يصل إلى 63.3 مليار يورو في عام 2027، و68.3 مليار يورو في عام 2028، و72.8 مليار يورو في عام 2029، وصولاً إلى 76.3 مليار يورو في عام 2030.
ومن ثم يتضح أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ومن قبلها الحرب الروسية الأوكرانية، قد دفعتا إلى تغيير حجم ونمط الإنفاق العسكري الأوروبي. فعلى سبيل المثال، لم تعد تعديلات قانون التخطيط العسكري في فرنسا تركز على إنتاج مزيد من طائرات «رافال» أو المدمرات البحرية، خلافاً لبعض الوعود التي سبق أن أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون في هذا الصدد؛ لكنها أصبحت أكثر تركيزاً على مخزونات الذخيرة، والطائرات المُسيّرة، ووسائل الدفاع الجوي.
2- الاهتمام بمعادن التصنيع الدفاعي: قررت بريطانيا إعادة تشغيل منجم «هيمردون» (Hemerdon) الذي ينتج خام «التنجستن»، وهي مادة مهمة في صناعة الفولاذ وتُعد شديدة الأهمية في الصناعات الحربية، حيث يُستخدم هذا المعدن في كل شيء؛ بدءاً من صناعة الصواريخ فائقة السرعة والرصاص الخارق للدروع، وصولاً إلى القنابل المدمرة للمخابئ، وقذائف الطائرات من دون طيار «المتفجرة في الجو».
الجدير بالذكر أن هذا المنجم تم اكتشافه في عام 1867، واستُخدمت مواده الخام لخدمة الأهداف الحربية خلال الحربين العالميتين، ثم أُغلق، وأُعيد افتتاحه فترة وجيزة في الفترة بين عامي 2015 و2018، قبل أن يُغلق مجدداً بسبب نقص التمويل، إلى أن صدر القرار الأخير بإعادة تطويره وتشغليه.
وقد ارتفعت أسعار خام «التنجستن» بشكل ملحوظ خلال الشهور الماضية، بعدما قررت الصين -أحد أكبر منتجيه- وضع قيود خاصة على تصديره إلى الخارج. كما أسهمت حرب إيران، وما شهدته من استخدام مكثف لمنظومات اعتراضية يدخل هذا المعدن في تصنيعها، في زيادة سعره.
3- تطوير أنظمة منخفضة الكلفة لإسقاط المُسيّرات: يتزايد الاهتمام الأوروبي بمنظومة دفاع جوي يونانية تُعرف باسم «سنتايروس»، التي تعتمد على تقنيات الحرب الإلكترونية لتحييد المُسيّرات من دون استخدام ذخائر، وهو ما يُعد حلاً ناجعاً -حال ثبوت كفاءته- لمشكلة الارتفاع الكبير في كلفة اعتراض المُسيّرات باستخدام صواريخ الدفاع الجوي التقليدية.
4- تسريع توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب: أدى صراع الشرق الأوسط إلى دفع أوروبا نحو تسريع خططها الخاصة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب؛ فقد تبنى الاتحاد الأوروبي برنامجاً جديداً يُعرف باسم «الابتكار الدفاعي السريع والمرن» (AGILE)، وتبلغ موازنته الأولية 115 مليون يورو، سيتم توجيهها حصراً إلى قطاعات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الكم، والطائرات المُسيّرة.
ويُعد هذا البرنامج مؤشراً على تحوّل نمط برامج الاتحاد الأوروبي من نماذج تتسم بالبطء النسبي في الإقرار والتفعيل إلى نموذج سريع، وبالرغم مما ينطوي عليه من بعض المخاطرة؛ فإنه يتيح توظيف مخرجاته ميدانياً في وقت أقصر.
5- تقليل الاعتمادية على أنظمة التسليح الأمريكية: تتجه بعض الدول الأوروبية إلى دعم الاستثمار في نظم دفاعية قد تكون بديلاً لنظيرتها الأمريكية، ولا يعني ذلك استبدالاً فورياً لهذه الأنظمة؛ لكنه قد يهدف إلى تقليل الاعتمادية عليها؛ ومن ثم خفض المخاطر المرتبطة بالاعتماد شبه الكلي على المنظومات الأمريكية.
ختاماً، يبدو أن التحركات التي تقوم بها بعض الدول الأوروبية قد تتسق جزئياً مع أهداف خطة التصنيع العسكري الأوروبية، ولا سيّما ما يتعلق بالوصول إلى نسبة 70% من التصنيع العسكري الأوروبي بحلول عام 2035. ومع ذلك، يُلاحظ أن جزءاً كبيراً من هذه التحركات يتم من دون تنسيق كافٍ مع المفوضية الأوروبية، بل قد تكون في اتجاه معاكس للاتحاد الأوروبي الذي يشجع على تجنب ازدواجية الإنفاق وتعزيز المشروعات الدفاعية المشتركة. وقد يُلقي هذا التباين بظلاله على آفاق قطاع التصنيع العسكري الأوروبي ككل، كما يشير إلى احتمال استمرار الاعتمادية الخارجية فترة مقبلة.
{ باحث متخصص في الشؤون الأوروبية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك