العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التحول الاستراتيجي في خطط الدفاع الأوروبية بعد حرب إيران

بقلم: أحمد الهاشمي

السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

عمدت‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬علاقاتها‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬برئاسة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب؛‭ ‬عبر‭ ‬محاولة‭ ‬إيجاد‭ ‬صيغة‭ ‬تضمن‭ ‬بها‭ ‬استمرار‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬بما‭ ‬يكفل‭ ‬تجنب‭ ‬وجود‭ ‬فجوات‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬تسليحها‭ ‬وتأمينها،‭ ‬مع‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تسريع‭ ‬الخطط‭ ‬الخاصة‭ ‬بتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات‭.‬

وشملت‭ ‬تلك‭ ‬الصيغة‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬العتاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬سواء‭ ‬لجيوش‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬بالاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬الموجّه‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا؛‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬استبدال‭ ‬سياسة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬واشنطن‭ ‬لتقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬إلى‭ ‬كييف‭ ‬بأخرى‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتوجيهها‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬أفكار‭ ‬وسياسات‭ ‬ترامب‭.‬

وجاءت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لتثبت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬الأوروبية‭ ‬ربما‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للاستمرار‭ ‬فترة‭ ‬طويلة؛‭ ‬حيث‭ ‬استدعت‭ ‬الحرب‭ ‬توجيه‭ ‬الجهد‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬نحو‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬كما‭ ‬وسّعت‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الجانب‭ ‬الأوروبي‭ ‬ونظيره‭ ‬الأمريكي؛‭ ‬ما‭ ‬عمّق‭ ‬المخاوف‭ ‬الأمنية‭ ‬الأوروبية‭ ‬ودفع‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬وبرامج‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالية‭ ‬وأقل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

انقسام‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬‭: ‬أدت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬حالة‭ ‬الانقسام‭ ‬داخل‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬‮«‬الناتو‮»‬،‭ ‬وزادت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشكوك‭ ‬الأوروبية‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬الالتزام‭ ‬الأمريكي‭ ‬تجاه‭ ‬الحلف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬توضيح‭ ‬أسبابه‭ ‬ومظاهره‭ ‬فيما‭ ‬يأتي‭:‬

1-‭ ‬غضب‭ ‬أوروبي‭ ‬من‭ ‬استفادة‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭: ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬استفادة‭ ‬اقتصادية‭ ‬روسية‭ ‬ملموسة،‭ ‬عبر‭ ‬مسارين‭: ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬حاجز‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬الواحد،‭ ‬مقارنة‭ ‬بمتوسط‭ ‬سعري‭ ‬نحو‭ ‬72‭ ‬دولاراً‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭. ‬أما‭ ‬المسار‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬التخفيف‭ ‬المباشر‭ ‬للعقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬وما‭ ‬ارتبط‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الصفقات‭ ‬أو‭ ‬التحركات‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬‮«‬أسطول‭ ‬الظل‭ ‬الروسي‮»‬‭.‬

وتشير‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الصادرة‭ ‬في‭ ‬12‭ ‬مارس‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استفادة‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬الروسي‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬ستة‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬مع‭ ‬صعوبة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تقييمات‭ ‬شاملة‭ ‬ودقيقة‭.‬

2-‭  ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية‭ ‬السلبية‭ ‬للموقف‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬الحرب‭: ‬اعتبرت‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المواقف‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬إيران،‭ ‬سواء‭ ‬الرافضة‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬لتقديم‭ ‬دعم‭ ‬عسكري‭ ‬مباشر‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إيران؛‭ ‬بمثابة‭ ‬تخلٍ‭ ‬من‭ ‬الحلفاء‭. ‬وقد‭ ‬عبّر‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬منشوراته‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬تروث‭ ‬سوشال‮»‬‭ ‬في‭ ‬9‭ ‬أبريل؛‭ ‬حيث‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الناتو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجوداً‭ ‬لمساعدتنا‭ ‬عندما‭ ‬احتجنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬موجوداً‭ ‬إذا‭ ‬احتجناه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‮»‬‭. ‬كما‭ ‬تواترت‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬تفكير‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬وجود‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬ببعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬خاصة‭ ‬بتراجع‭ ‬الالتزام‭ ‬الأمريكي‭ ‬تجاه‭ ‬أمن‭ ‬أوروبا‭.‬

3-‭  ‬انتقاد‭ ‬أوروبي‭ ‬لتراجع‭ ‬دعم‭ ‬واشنطن‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬ومحاولتها‭ ‬ضم‭ ‬جرينلاند‭: ‬يتمسك‭ ‬الأوروبيون‭ ‬بوجهة‭ ‬نظرهم‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬هو‭ ‬بالأساس‭ ‬دفاعي،‭ ‬وأن‭ ‬قرار‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تجنبه‭. ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يتجاوزوا‭ ‬موقف‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية؛‭ ‬حيث‭ ‬تراجع‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬لكييف،‭ ‬وتم‭ ‬استبدال‭ ‬برامج‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬باتفاقات‭ ‬تشمل‭ ‬شراء‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الأسلحة‭ ‬والعتاد‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬تدفقها‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأوروبيون‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬لمسألة‭ ‬سعي‭ ‬واشنطن‭ ‬لضم‭ ‬جزيرة‭ ‬جرينلاند،‭ ‬واضعين‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬التقارير‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دولاً‭ ‬أوروبية‭ ‬كبرى‭ ‬ساعدت‭ ‬الدنمارك‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬خطط‭ ‬دفاعية‭ ‬لرفع‭ ‬الكلفة‭ ‬الخاصة‭ ‬بضم‭ ‬الجزيرة‭ ‬حال‭ ‬قرر‭ ‬ترامب‭ ‬تنفيذ‭ ‬ذلك‭ ‬بالقوة‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬مجتمعة‭ ‬تراجعاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وواشنطن،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬لتفاقم‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬وتدفع‭ ‬الأوروبيين‭ ‬نحو‭ ‬تسريع‭ ‬خطط‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

تحوّلات‭ ‬أوروبية‭: ‬تتمثل‭ ‬أبرز‭ ‬أنماط‭ ‬التحوّل‭ ‬في‭ ‬خطط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأوروبية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الآتي‭:‬

1-‭  ‬تغير‭ ‬حجم‭ ‬ونمط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭: ‬تتجه‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬مخزونها‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المُسيّرة‭ ‬بنسبة‭ ‬400%،‭ ‬وزيادة‭ ‬مخزون‭ ‬القنابل‭ ‬الموجهة‭ (‬AASM‭ ‬Hammer‭ ‬guided‭ ‬bombs‭) ‬بمقدار‭ ‬240%،‭ ‬وصواريخ‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬أستر‮»‬‭ ‬و«ميكا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬شركة‭ (‬MBDA‭) ‬بمقدار‭ ‬30‭%‬،‭ ‬وفقاً‭ ‬لتقارير‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2026‭. ‬ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تقديم‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬كبير‭ ‬قُدِّر‭ ‬بنحو‭ ‬8‭ ‬مليارات‭ ‬يورو‭ ‬لزيادة‭ ‬المخزون‭ ‬من‭ ‬الذخائر‭ ‬المختلفة‭ ‬وفقاً‭ ‬لخطة‭ ‬تستمر‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2030‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تشير‭ ‬تعديلات‭ ‬قانون‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري‭ ‬الفرنسي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬دورية‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري؛‭ ‬بحيث‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬63‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬و68‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2028،‭ ‬و72‭.‬8‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2029،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬76‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2030‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ومن‭ ‬قبلها‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬قد‭ ‬دفعتا‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬حجم‭ ‬ونمط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العسكري‭ ‬الأوروبي‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعديلات‭ ‬قانون‭ ‬التخطيط‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬طائرات‭ ‬‮«‬رافال‮»‬‭ ‬أو‭ ‬المدمرات‭ ‬البحرية،‭ ‬خلافاً‭ ‬لبعض‭ ‬الوعود‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬أطلقها‭ ‬الرئيس‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد؛‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تركيزاً‭ ‬على‭ ‬مخزونات‭ ‬الذخيرة،‭ ‬والطائرات‭ ‬المُسيّرة،‭ ‬ووسائل‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭.‬

2-‭  ‬الاهتمام‭ ‬بمعادن‭ ‬التصنيع‭ ‬الدفاعي‭: ‬قررت‭ ‬بريطانيا‭ ‬إعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬منجم‭ ‬‮«‬هيمردون‮»‬‭ (‬Hemerdon‭) ‬الذي‭ ‬ينتج‭ ‬خام‭ ‬‮«‬التنجستن‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مادة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الفولاذ‭ ‬وتُعد‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الحربية،‭ ‬حيث‭ ‬يُستخدم‭ ‬هذا‭ ‬المعدن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الصواريخ‭ ‬فائقة‭ ‬السرعة‭ ‬والرصاص‭ ‬الخارق‭ ‬للدروع،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬القنابل‭ ‬المدمرة‭ ‬للمخابئ،‭ ‬وقذائف‭ ‬الطائرات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬طيار‭ ‬‮«‬المتفجرة‭ ‬في‭ ‬الجو‮»‬‭.‬

الجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنجم‭ ‬تم‭ ‬اكتشافه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1867،‭ ‬واستُخدمت‭ ‬مواده‭ ‬الخام‭ ‬لخدمة‭ ‬الأهداف‭ ‬الحربية‭ ‬خلال‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين،‭ ‬ثم‭ ‬أُغلق،‭ ‬وأُعيد‭ ‬افتتاحه‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2015‭ ‬و2018،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُغلق‭ ‬مجدداً‭ ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬التمويل،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صدر‭ ‬القرار‭ ‬الأخير‭ ‬بإعادة‭ ‬تطويره‭ ‬وتشغليه‭.‬

وقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬خام‭ ‬‮«‬التنجستن‮»‬‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬خلال‭ ‬الشهور‭ ‬الماضية،‭ ‬بعدما‭ ‬قررت‭ ‬الصين‭ -‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬منتجيه‭- ‬وضع‭ ‬قيود‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬تصديره‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬حرب‭ ‬إيران،‭ ‬وما‭ ‬شهدته‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬مكثف‭ ‬لمنظومات‭ ‬اعتراضية‭ ‬يدخل‭ ‬هذا‭ ‬المعدن‭ ‬في‭ ‬تصنيعها،‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬سعره‭.‬

3-‭  ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬لإسقاط‭ ‬المُسيّرات‭: ‬يتزايد‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأوروبي‭ ‬بمنظومة‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬يونانية‭ ‬تُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬سنتايروس‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تقنيات‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لتحييد‭ ‬المُسيّرات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استخدام‭ ‬ذخائر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬حلاً‭ ‬ناجعاً‭ -‬حال‭ ‬ثبوت‭ ‬كفاءته‭- ‬لمشكلة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬كلفة‭ ‬اعتراض‭ ‬المُسيّرات‭ ‬باستخدام‭ ‬صواريخ‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬التقليدية‭.‬

4-‭  ‬تسريع‭ ‬توظيف‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬الحروب‭: ‬أدى‭ ‬صراع‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬دفع‭ ‬أوروبا‭ ‬نحو‭ ‬تسريع‭ ‬خططها‭ ‬الخاصة‭ ‬بتوظيف‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬الحروب؛‭ ‬فقد‭ ‬تبنى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬برنامجاً‭ ‬جديداً‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الابتكار‭ ‬الدفاعي‭ ‬السريع‭ ‬والمرن‮»‬‭ (‬AGILE‭)‬،‭ ‬وتبلغ‭ ‬موازنته‭ ‬الأولية‭ ‬115‭ ‬مليون‭ ‬يورو،‭ ‬سيتم‭ ‬توجيهها‭ ‬حصراً‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬الكم،‭ ‬والطائرات‭ ‬المُسيّرة‭.‬

ويُعد‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬تحوّل‭ ‬نمط‭ ‬برامج‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬نماذج‭ ‬تتسم‭ ‬بالبطء‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬الإقرار‭ ‬والتفعيل‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬سريع،‭ ‬وبالرغم‭ ‬مما‭ ‬ينطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المخاطرة؛‭ ‬فإنه‭ ‬يتيح‭ ‬توظيف‭ ‬مخرجاته‭ ‬ميدانياً‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬أقصر‭.‬

5-‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتمادية‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬التسليح‭ ‬الأمريكية‭: ‬تتجه‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬دفاعية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬بديلاً‭ ‬لنظيرتها‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬استبدالاً‭ ‬فورياً‭ ‬لهذه‭ ‬الأنظمة؛‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتمادية‭ ‬عليها؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬خفض‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاعتماد‭ ‬شبه‭ ‬الكلي‭ ‬على‭ ‬المنظومات‭ ‬الأمريكية‭.‬

ختاماً،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬التحركات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬قد‭ ‬تتسق‭ ‬جزئياً‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬خطة‭ ‬التصنيع‭ ‬العسكري‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ولا‭ ‬سيّما‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالوصول‭ ‬إلى‭ ‬نسبة‭ ‬70‭% ‬من‭ ‬التصنيع‭ ‬العسكري‭ ‬الأوروبي‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2035‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تنسيق‭ ‬كافٍ‭ ‬مع‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬معاكس‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬ازدواجية‭ ‬الإنفاق‭ ‬وتعزيز‭ ‬المشروعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬المشتركة‭. ‬وقد‭ ‬يُلقي‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬آفاق‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع‭ ‬العسكري‭ ‬الأوروبي‭ ‬ككل،‭ ‬كما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتمادية‭ ‬الخارجية‭ ‬فترة‭ ‬مقبلة‭.‬

 

{ باحث‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأوروبية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا