العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أزمة سلاسل التوريد الدولية في ظل استمرار أجواء الحرب

بقلم: محمد عبدالتواب

الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ - 02:21

سفن‭ ‬عالقة‭.. ‬ورحلات‭ ‬جوية‭ ‬مؤجلة‭.. ‬وطلبيات‭ ‬متأخرة،‭ ‬هكذا‭ ‬يبدو‭ ‬وضع‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والتوريد‭ ‬العالمية‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وقبل‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬هدنة‭ ‬مازالت‭ ‬مؤقتة‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المتأزم‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬كانت‭ ‬تمر‭ ‬التجارة‭ ‬فيه‭ ‬بأزمة‭ ‬بسبب‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬واتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الحمائية،‭ ‬والاضطرابات‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬مع‭ ‬تأثر‭ ‬ممرات‭ ‬مائية‭ ‬استراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭.‬

قد‭ ‬يذكرنا‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬بالمراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬ولكن‭ ‬الوضع‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتشابكاً‭. ‬فالحرب‭ ‬الروسية‭ ‬وإن‭ ‬تركت‭ ‬تأثيراً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والغذاء‭ ‬والمعادن،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التدفقات‭ ‬خلالها‭ ‬لم‭ ‬تتوقف؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬مع‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الشريان‭ ‬الحيوي‭ ‬لخُمس‭ ‬استهلاك‭ ‬العالم‭ ‬يوميا‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬له‭ ‬تداعياته‭ ‬الكارثية‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بكل‭ ‬فاعليه‭ ‬من‭ ‬رفوف‭ ‬المتاجر‭ ‬ومحطات‭ ‬الوقود‭ ‬إلى‭ ‬صالات‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬المصانع،‭ ‬وليس‭ ‬نهاية‭ ‬بأرصفة‭ ‬الموانئ‭ ‬وخزائن‭ ‬الحكومات‭.‬

نقص‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭:‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬مثل‭ ‬الأمريكيتين؛‭ ‬فإن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬محتفظاً‭ ‬بدوره‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭ ‬للطاقة‭ ‬وبخاصة‭ ‬للأسواق‭ ‬الآسيوية‭. ‬بالتالي‭ ‬فصدمة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬خلقت‭ ‬اضطراباً‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬وانعكست‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭. ‬وفي‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإنتاج‭ ‬بداية،‭ ‬فإن‭ ‬استهداف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬حقول‭ ‬الإنتاج‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬أو‭ ‬منشآت‭ ‬التخزين؛‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬العمليات‭ ‬التشغيلية‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬وآبار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الطبيعي‭. ‬أما‭ ‬عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النقل،‭ ‬فإن‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والعراق‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬والذي‭ ‬أصبح‭ ‬بالفعل‭ ‬غير‭ ‬آمن‭ ‬ومغلقاً‭ ‬أمام‭ ‬رحلات‭ ‬السفن‭.‬

شكّل‭ ‬الإغلاق‭ ‬صدمة‭ ‬فورية‭ ‬لأسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬حيث‭ ‬تتداول‭ ‬عقود‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬مستويات‭ ‬تتجاوز‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬وهو‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وذلك‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬مستويات‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬60‭ ‬إلى‭ ‬70‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭. ‬بينما‭ ‬سجل‭ ‬الخام‭ ‬الأمريكي‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬مقترباً‭ ‬من‭ ‬99‭ ‬دولارا‭ ‬للبرميل‭. ‬فيما‭ ‬تستمر‭ ‬أسعار‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بضغط‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات‭ ‬وتآكل‭ ‬المخزونات‭.‬

بدائل‭ ‬متاحة‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬كافية‭:‬

تمتلك‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬بدائل‭ ‬قد‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬الصدمة‭ ‬عن‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬فدول‭ ‬المنطقة‭ ‬تملك‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬تصدير‭ ‬تتجنب‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تمتلك‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬خط‭ ‬أنابيب‭ ‬‮«‬شرق‭ ‬–‭ ‬غرب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬أبقيق‭ ‬شرقي‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬ينبع‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بطاقة‭ ‬استيعابية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬5‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭. ‬بدورها‭ ‬تمتلك‭ ‬الإمارات‭ ‬خطاً‭ ‬بديلاً‭ ‬لنقل‭ ‬النفط‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬حبشان–الفجيرة‮»‬‭ ‬بطاقة‭ ‬استيعابية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬1.8‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬سوميد‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬كحلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬الأحمر‭ ‬والمتوسط‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬2.5‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬فإنها‭ ‬تمتلك‭ ‬بديلاً‭ ‬متمثلاً‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬أنابيب‭ ‬كردستان‭ ‬الذي‭ ‬ينقل‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬جيهان‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬ولكن‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬المحدودة‭ ‬للخط‭ ‬تضعف‭ ‬فاعليته‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬والصادرات‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬

يملك‭ ‬العالم‭ ‬أيضاً‭ ‬بديلاً‭ ‬مؤقتاً‭ ‬يمكنه‭ ‬معالجة‭ ‬الضغوط‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬انخفاض‭ ‬شحنات‭ ‬النفط‭ ‬متمثلاً‭ ‬في‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬فوفقاً‭ ‬لوكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬تملك‭ ‬الحكومات‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الوكالة‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬احتياطيات‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬بجانب‭ ‬600‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬المخزونات‭ ‬الصناعية‭ ‬المحتجزة‭ ‬بموجب‭ ‬التزامات‭ ‬حكومية‭. ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬كبرى‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬سحب‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬وضخها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬لامتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬والأسعار‭. ‬بينما‭ ‬لجأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬أخرى‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬مؤقتاً‭ ‬عن‭ ‬شراء‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬لدول‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التدفقات‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مثل‭ ‬الهند،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتعويض‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات‭ ‬وطمأنة‭ ‬الأسواق‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ا‭ ‬لغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬فالبدائل‭ ‬شبه‭ ‬معدومة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬قائمة‭ ‬بالفعل‭ ‬مثل‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬لنقل‭ ‬الغاز‭ ‬من‭ ‬الحقول‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فاستمرار‭ ‬الحرب‭ ‬وإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يعني‭ ‬فقدان‭ ‬العالم‭ ‬لنحو‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭.‬

اضطرابات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الشحن‭:‬

تتموضع‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬عبر‭ ‬ممرات‭ ‬مائية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تشمل‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز؛‭ ‬لذا‭ ‬فالاضطراب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬التجارية‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إصابة‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بصدمة‭ ‬قوية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬تستخدم‭ ‬فيه‭ ‬ممرات‭ ‬ومضايق‭ ‬التجارة‭ ‬كأوراق‭ ‬ضغط‭ ‬جيوسياسية؛‭ ‬فإن‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬تكون‭ ‬أمام‭ ‬خيارين،‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬المجازفة‭ ‬ومحاولة‭ ‬العبور،‭ ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬المخاطر‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬الشحنات‭ ‬والسفن،‭ ‬فقد‭ ‬قفزت‭ ‬تكلفة‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الرحلات‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بنحو‭ ‬1000‭% ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭.‬

الحل‭ ‬الثاني‭ ‬لشركات‭ ‬الشحن‭ ‬هو‭ ‬اتخاذ‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة‭ ‬للممرات‭ ‬التقليدية‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تتخذ‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح‭ ‬بديلاً‭ ‬لقناة‭ ‬السويس؛‭ ‬بسبب‭ ‬مخاطر‭ ‬الحرب‭ ‬وإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭. ‬ولكن‭ ‬لهذا‭ ‬تكلفة‭ ‬أعلى،‭ ‬فالمرور‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬يعني‭ ‬وقتاً‭ ‬أقصر‭ ‬وتكلفة‭ ‬شحن‭ ‬أقل‭ ‬ومخاطر‭ ‬شبه‭ ‬معدومة‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬والنتائج‭ ‬النهائية‭ ‬لهذه‭ ‬البدائل‭ ‬تتضمن‭ ‬تكاليف‭ ‬شحن‭ ‬قياسية‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬وتكلفة‭ ‬التأمين،‭ ‬وتعطيل‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والطلبيات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمصانع،‭ ‬وتضخم‭ ‬مضاعف‭ ‬على‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي‭.‬

الصناعة‭ ‬والزراعة‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬النيران‭:‬

تقلص‭ ‬الإمدادات‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬سلبية‭ ‬على‭ ‬قطاعات‭ ‬صناعية‭ ‬حيوية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الهيدروكربونية‭ ‬المشتقة‭ ‬كمدخلات‭ ‬للإنتاج‭. ‬وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬البتروكيماويات؛‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬منتجات‭ ‬مثل‭ ‬الإيثيلين،‭ ‬البروبيلين،‭ ‬والبيوتادين‭ ‬والبنزين‭ ‬عناصر‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬منتجات‭ ‬مثل‭ ‬البلاستيك‭ ‬والألياف‭ ‬الصناعية‭. ‬وسيطال‭ ‬التأثير‭ ‬صناعة‭ ‬الأسمدة‭ ‬العالمية‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬ونقص‭ ‬التدفقات‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬أسبوع‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬قفزت‭ ‬أسعار‭ ‬الأسمدة‭ ‬من‭ ‬516‭ ‬دولاراً‭ ‬للطن‭ ‬إلى‭ ‬683‭ ‬دولاراً‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الاستيراد‭ ‬في‭ ‬نيوأورليانز‭.‬

إذا‭ ‬تمت‭ ‬إضافة‭ ‬علاوة‭ ‬مخاطر‭ ‬الشحن‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬مركز‭ ‬إنتاج‭ ‬حيوي‭ ‬لكلتا‭ ‬الصناعتين؛‭ ‬فالأثر‭ ‬سيكون‭ ‬مضاعفاً،‭ ‬فالمنتجات‭ ‬البتروكيماوية‭ ‬هي‭ ‬وسيط‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الصناعات؛‭ ‬مما‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لمصانع‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬نيودلهي‭ ‬إلى‭ ‬برلين،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬ستترتب‭ ‬عليه‭ ‬صدمة‭ ‬سعرية‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭. ‬على‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬تدفع‭ ‬قفزة‭ ‬أسعار‭ ‬الأسمدة‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬تذكرنا‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬عندما‭ ‬قفزت‭ ‬أسعار‭ ‬منتجات‭ ‬أساسية‭ ‬مثل‭ ‬القمح‭ ‬والذرة‭ ‬والزيوت‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأسمدة‭ ‬وقيود‭ ‬التصدير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭.‬

من‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭ ‬ومن‭ ‬يجني‭ ‬الأرباح‭:‬

بنظرة‭ ‬عامة‭ ‬يبدو‭ ‬الجميع‭ ‬متأثراً‭ ‬بالسلب‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الصراع،‭ ‬ولكن‭ ‬بنسب‭ ‬متفاوتة‭. ‬فالحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الهش‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭ ‬وعدم‭ ‬استقلالية‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬للطاقة‭ ‬والمنتجات‭ ‬الوسيطة‭ ‬تُدخل‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭. ‬فمن‭ ‬ناحية‭ ‬ستلتهم‭ ‬قفزة‭ ‬أسعار‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬والنفط‭ ‬مدخرات‭ ‬المستهلكين‭ ‬وخزائن‭ ‬الحكومات‭. ‬وستضيف‭ ‬الحرب‭ ‬مخاطر‭ ‬زيادة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كمورد‭ ‬رئيسي‭ ‬للطاقة؛‭ ‬مما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لتنويع‭ ‬الإمدادات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الخلافات‭ ‬التجارية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭. ‬وتنذر‭ ‬الحرب‭ ‬أيضاً‭ ‬بتهديد‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬مثل‭ ‬البتروكيماويات‭ ‬والصلب‭ ‬والسيارات‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬مدخلات‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتعطل‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭.‬

هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬رابحون‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬وتأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمتهم‭ ‬روسيا‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الحرب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مؤقت‭ ‬للحظر‭ ‬عن‭ ‬صادراتها‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬لتعويض‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بجانب‭ ‬الاستفادة‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬والأسمدة‭. ‬وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يجد‭ ‬منتجو‭ ‬النفط‭ ‬الصخري‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬قوي‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬فوفقاً‭ ‬لتحليل‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز؛‭ ‬فإن‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬الأمريكية‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬إضافية‭ ‬بقيمة‭ ‬63‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استمرار‭ ‬الأسعار‭ ‬الحالية‭. ‬

ختاماً،‭ ‬يجد‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬قاسية‭ ‬تضرب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬الحيوية‭ ‬وتعطل‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬الرئيسية‭ ‬وتنذر‭ ‬بتداعيات‭ ‬أقوى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬الصراع‭ ‬وتوسع‭ ‬ليشمل‭ ‬جبهات‭ ‬جديدة؛‭ ‬مما‭ ‬يغذي‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬يواجه‭ ‬مصاعب‭ ‬بين‭ ‬صدمات‭ ‬تجارية‭ ‬وجيوسياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تعصف‭ ‬باستقراره‭ ‬وتعطل‭ ‬نموه،‭ ‬وتدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬ركود‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتضخم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا