العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مضيق هرمز وأزمة النظام العالمي

بقلم: د. محمد حسن المفتي

السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

يُعد‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الشرايين‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لاستقرار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي،‭ ‬ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإيران‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬عاد‭ ‬هذا‭ ‬المضيق‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬الأحداث‭ ‬بوصفه‭ ‬ساحة‭ ‬ضغط‭ ‬استراتيجية‭ ‬تريد‭ ‬إيران‭ ‬استخدامها‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭.‬

لقد‭ ‬فرضت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬تحديات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬حيث‭ ‬سارعت‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬كورقة‭ ‬قوة،‭ ‬فأقدمت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬ولوّحت‭ ‬بفرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬العابرة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأعراف‭ ‬الدولية‭ ‬وتضرب‭ ‬مبدأ‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬مقتل،‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬لإغلاقه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬فتحه‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬للغاية‭ ‬عقب‭ ‬الحصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬لموانئها،‭ ‬وهو‭ ‬التصرف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يهدّد‭ ‬فقط‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأسره‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬الطاقة‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الضيق‭.‬

هذا‭ ‬السلوك‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا‭ ‬على‭ ‬إيران؛‭ ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أن‭ ‬استهدفت‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬وهدّدت‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬فيما‭ ‬عُرف‭ ‬وقتذاك‭ ‬بحرب‭ ‬الناقلات،‭ ‬وقد‭ ‬أدرك‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬خطورة‭ ‬ترك‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬الحيوي‭ ‬رهينة‭ ‬للتوترات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬فتدخلت‭ ‬قوى‭ ‬كبرى‭ ‬لضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الملاحة،‭ ‬واليوم‭ ‬تعود‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬النهج‭ ‬ذاته‭ ‬محاولة‭ ‬إعادة‭ ‬فرض‭ ‬نفسها‭ ‬كقوة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬طرح‭ ‬قضية‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬تعكس‭ ‬رغبة‭ ‬إيرانية‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬نفوذ‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي،‭ ‬بما‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية،‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬لفرض‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المضيق‭ ‬ممرًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للجميع‭ ‬وفق‭ ‬القوانين‭ ‬الدولية،‭ ‬تسعى‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬إخضاعه‭ ‬لإرادتها‭ ‬مستخدمة‭ ‬التهديدات‭ ‬العسكرية‭ ‬والتصعيد‭ ‬الإقليمي‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬استراتيجية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ترك‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬دولة‭ ‬تتبنى‭ ‬سياسات‭ ‬تصعيدية‭ ‬وتملك‭ ‬طموحات‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬برامج‭ ‬نووية‭ ‬وصناعات‭ ‬عسكرية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬يشكّل‭ ‬خطرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الدوليين،‭ ‬فالممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والتوافق‭ ‬العالمي،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬ضغط‭ ‬بيد‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭ ‬يسعى‭ ‬لفرض‭ ‬أجندته‭.‬

لم‭ ‬تقتصر‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬أيضًا‭ ‬صراع‭ ‬الإرادات‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مفاصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬كرمز‭ ‬لأهمية‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ملامح‭ ‬المستقبل،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بشكل‭ ‬حازم‭ ‬لضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬محاولات‭ ‬لاحتكاره‭ ‬أو‭ ‬تعطيله،‭ ‬فاستقرار‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬إقليميًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬عالمية‭ ‬تتطلب‭ ‬تضافر‭ ‬الجهود‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬المصالح‭ ‬ومنع‭ ‬انزلاق‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد،‭ ‬أعلنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬حازم‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬لإيران‭ ‬بإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬أي‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يشكّل‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لمصالحها‭ ‬ولمصالح‭ ‬حلفائها،‭ ‬بل‭ ‬قامت‭ ‬بحصار‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ ‬وحصار‭ ‬السفن‭ ‬الإيرانية‭ ‬لمنع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬اليد‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬المضيق،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلًا‭ ‬مهمًا‭: ‬هل‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬إرادة‭ ‬أمريكية‭ ‬منفردة‭ ‬لحماية‭ ‬نفوذها‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬دولي‭ ‬أوسع؟‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تعثر‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬مؤخرًا‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬واضح‭ ‬يضمن‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬قد‭ ‬أضعف‭ ‬الإجماع‭ ‬الدولي،‭ ‬وترك‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬واشنطن‭ ‬لتتصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬منفردة،‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يعكس‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬تُدار‭ ‬أحيانًا‭ ‬بمنطق‭ ‬القوة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬الدولي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الأزمة‭ ‬ويجعل‭ ‬احتمالات‭ ‬التصعيد‭ ‬تتزايد‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬موقف‭ ‬دولي‭ ‬موحد‭ ‬يعكس‭ ‬أزمة‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دوره‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين،‭ ‬نتيجة‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سياسات‭ ‬أحادية،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬تبدو‭ ‬الأزمة‭ ‬حول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مرشحة‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التعقيد،‭ ‬حيث‭ ‬يتداخل‭ ‬فيها‭ ‬البعد‭ ‬العسكري‭ ‬مع‭ ‬البعدين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬حل‭ ‬مستدام‭ ‬مرهونًا‭ ‬بإعادة‭ ‬تفعيل‭ ‬العمل‭ ‬الدولي‭ ‬المشترك،‭ ‬ووضع‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬تضمن‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التهديدات‭ ‬أو‭ ‬الابتزاز‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬بكلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإدارة

بجامعة‭ ‬الملك‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬في‭ ‬جدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا