في أغسطس من العام الماضي عشت مشهدا لم يفارق ذاكرتي. اصطدمت سيارة أمامي بدراجة عامل توصيل «الدليفري»، وطار الصندوق من خلفه، والرجل على الأرض تحت شمس لا ترحم. وقفت أنظر ولم أعرف ماذا أفعل. وبقي سؤال يدور في رأسي: كم مرة حدث هذا من دون أن يلتفت إليه أحد؟
لم نسأله عن اسمه يوماً. كان يطرق بابنا، يسلِّم الكيس، ويمضي إلى الطلبية التالية. من تركه خلفه في بلده؟ تساؤل غاب عنا ونحن نغلق الباب.
يبدأ يومه مبكراً، يفتح التطبيق، وينتظر أول طلب من منطقة إلى منطقة، من مطعم إلى باب، عشرات الكيلومترات يقطعها في اليوم الواحد. من يعرف البحرين يعرف ما معنى الشارع في الصيف. ذلك الحر الذي يجعلنا نهرع من السيارة إلى أقرب مكان مكيف، هو يعيشه على دراجته ساعات. يأكل إذا وجد وقتا، ويرتاح متى هدأت الطلبيات. وفي المساء حين يعود إلى غرفته الصغيرة التي يتقاسمها مع زملائه، لا يحمل معه أكثر من تعب يومه وأمل الغد.
خلف كل طلب نضغط عليه، يتحول إنسان إلى نقطة متحركة على الخريطة. نتابع موقعه بالمتر، ونقيّمه بنجمة، ولا نعرف شيئاً عما وراء الشاشة. لا نعرف إن كان متعباً أو جائعاً أو قلقاً. الشاشة أخفت الإنسان خلف الخدمة.
البحرين أخذت خطوة تستحق التقدير وقت قررت حظر العمل تحت أشعة الشمس في ساعات الظهيرة خلال أشهر الحر الشديد. قرار يقول بوضوح إن صحة العامل ليست هامشاً في معادلة الإنتاج. وفي السياق ذاته، مضت دول خليجية مجاورة خطوة أبعد فأدرجت عمال التوصيل على دراجاتهم ضمن هذه الحماية. البحرين التي سبقت في كثير من ملفات العمل، أمامها هنا خطوة تليق بهذا السبق.
كثيرون منهم تركوا أهلهم وراءهم؛ أماً تنتظر، أطفالاً لا يعرفون متى يعود، وزوجة تعدّ الأيام. جاؤوا إلى البحرين يحملون أحلاماً أكبر من حقائبهم، وأمضوا سنوات يبنون بأيديهم ما نراه من حولنا. جاء كل واحد منهم ليعمل، وبالعمل صار جزءاً من يوميات بلدنا. البحرين بنت علاقتها مع الوافد بالسنوات والتعايش اليومي الهادئ. وأحياناً تكشف لحظة عابرة ما لا يكشفه الكلام.
في أحد الصباحات كنت جالسة في مقهى مطل على الشارع، وقع بصري على عامل النظافة يتوقف عن الكنس عندما رنّ هاتفه. أجاب، وأدار الكاميرا نحو الشارع من حوله. كان يُري أهله المكان الذي يقضي فيه يومه. لحظة خاصة في مكان عام.
بينما كنا نطمئن على بعضنا بالهاتف من أماكننا، كان هو يطمئن أهله وهو يشق الشارع. لا يملك ترف الانتظار ولا مساحة للقلق. وربما كان يحمل قلقه أيضاً، لكنه لم يتوقف.
غير أن ثمة من لا تحتاج الظروف أن تُعلّمه معنى الواجب، من نشأ وحب الوطن في دمه وجعله فوق كل شيء. حين مسّت الحرب المنطقة وأثقلت علينا الأيام، كان أبناؤنا في مكانهم. الممرضة التي خرجت من بيتها فجراً وأطفالها نائمون، آثرت راحة مريض لا تعرفه على دفء بيتها. وسائق الإسعاف الذي ودّع أهله في الصباح دون أن يخبرهم كم ستطول غيبته، مضى يقطع الشوارع الخالية وهو يحمل أمانة لا تحتمل التأخير ولا تقبل التراجع. ورجال الأمن الذين اختاروا أن تنام العائلات بأمان على أن يناموا هم، ظلت دورياتهم صامدة ولم تخذل يوماً ثقة الوطن فيهم.
وعامل الكهرباء الذي لم ينتظر الصباح ليُصلح العطل، وموظف الجمارك الذي لم تعرف نوبته توقفاً، والمعلم الذي تحول فصله إلى شاشة ولم ينقطع عن طلابه لحظة. وغيرهم كثيرون في مهن لا تُعد، كل منهم كان في مكانه. هؤلاء لم يتحدثوا عن تضحياتهم ولم ينتظروا من يسجّلها. فعلوا ما تعلّموه، أن هذا البلد أمانة.
في يوم العمال، تحية لكل يد عملت في صمت. لرجال هذا الوطن وبناته الذين حملوا وطنهم ولم يسألوا لما نودوا، وقفوا في مكانهم وقت احتاجهم الوطن ولم ينتظروا أن يشكرهم أحد. وللوافد الذي أعطى من وقته وجهده أكثر مما توقع أحد. كلاهما يستحق أن تحتضنه تشريعات أوسع وحماية أعمق تصون كرامته وتقدّر عطاءه. والبحرين التي أثبتت دائما أنها تسمع وتتقدم، لا نشك أنها ماضية في هذا الطريق.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك