العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

في يوم العمال.. تذكرت هؤلاء الأوفياء

بقلم: نبيلة رجب

الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ - 02:22

في‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬عشت‭ ‬مشهدا‭ ‬لم‭ ‬يفارق‭ ‬ذاكرتي‭. ‬اصطدمت‭ ‬سيارة‭ ‬أمامي‭ ‬بدراجة‭ ‬عامل‭ ‬توصيل‭ ‬‮«‬الدليفري‮»‬،‭ ‬وطار‭ ‬الصندوق‭ ‬من‭ ‬خلفه،‭ ‬والرجل‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭. ‬وقفت‭ ‬أنظر‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل‭. ‬وبقي‭ ‬سؤال‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬رأسي‭: ‬كم‭ ‬مرة‭ ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭ ‬أحد؟

لم‭ ‬نسأله‭ ‬عن‭ ‬اسمه‭ ‬يوماً‭. ‬كان‭ ‬يطرق‭ ‬بابنا،‭ ‬يسلِّم‭ ‬الكيس،‭ ‬ويمضي‭ ‬إلى‭ ‬الطلبية‭ ‬التالية‭. ‬من‭ ‬تركه‭ ‬خلفه‭ ‬في‭ ‬بلده؟‭ ‬تساؤل‭ ‬غاب‭ ‬عنا‭ ‬ونحن‭ ‬نغلق‭ ‬الباب‭.‬

يبدأ‭ ‬يومه‭ ‬مبكراً،‭ ‬يفتح‭ ‬التطبيق،‭ ‬وينتظر‭ ‬أول‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة،‭ ‬من‭ ‬مطعم‭ ‬إلى‭ ‬باب،‭ ‬عشرات‭ ‬الكيلومترات‭ ‬يقطعها‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد‭. ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬البحرين‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬الشارع‭ ‬في‭ ‬الصيف‭. ‬ذلك‭ ‬الحر‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬نهرع‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬مكان‭ ‬مكيف،‭ ‬هو‭ ‬يعيشه‭ ‬على‭ ‬دراجته‭ ‬ساعات‭. ‬يأكل‭ ‬إذا‭ ‬وجد‭ ‬وقتا،‭ ‬ويرتاح‭ ‬متى‭ ‬هدأت‭ ‬الطلبيات‭. ‬وفي‭ ‬المساء‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬غرفته‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬يتقاسمها‭ ‬مع‭ ‬زملائه،‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تعب‭ ‬يومه‭ ‬وأمل‭ ‬الغد‭.‬

خلف‭ ‬كل‭ ‬طلب‭ ‬نضغط‭ ‬عليه،‭ ‬يتحول‭ ‬إنسان‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬متحركة‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭. ‬نتابع‭ ‬موقعه‭ ‬بالمتر،‭ ‬ونقيّمه‭ ‬بنجمة،‭ ‬ولا‭ ‬نعرف‭ ‬شيئاً‭ ‬عما‭ ‬وراء‭ ‬الشاشة‭. ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬متعباً‭ ‬أو‭ ‬جائعاً‭ ‬أو‭ ‬قلقاً‭. ‬الشاشة‭ ‬أخفت‭ ‬الإنسان‭ ‬خلف‭ ‬الخدمة‭.‬

البحرين‭ ‬أخذت‭ ‬خطوة‭ ‬تستحق‭ ‬التقدير‭ ‬وقت‭ ‬قررت‭ ‬حظر‭ ‬العمل‭ ‬تحت‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الظهيرة‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬الحر‭ ‬الشديد‭. ‬قرار‭ ‬يقول‭ ‬بوضوح‭ ‬إن‭ ‬صحة‭ ‬العامل‭ ‬ليست‭ ‬هامشاً‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الإنتاج‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬مضت‭ ‬دول‭ ‬خليجية‭ ‬مجاورة‭ ‬خطوة‭ ‬أبعد‭ ‬فأدرجت‭ ‬عمال‭ ‬التوصيل‭ ‬على‭ ‬دراجاتهم‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الحماية‭. ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬العمل،‭ ‬أمامها‭ ‬هنا‭ ‬خطوة‭ ‬تليق‭ ‬بهذا‭ ‬السبق‭.‬

كثيرون‭ ‬منهم‭ ‬تركوا‭ ‬أهلهم‭ ‬وراءهم؛‭ ‬أماً‭ ‬تنتظر،‭ ‬أطفالاً‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬متى‭ ‬يعود،‭ ‬وزوجة‭ ‬تعدّ‭ ‬الأيام‭. ‬جاؤوا‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬يحملون‭ ‬أحلاماً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حقائبهم،‭ ‬وأمضوا‭ ‬سنوات‭ ‬يبنون‭ ‬بأيديهم‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬جاء‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬ليعمل،‭ ‬وبالعمل‭ ‬صار‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬يوميات‭ ‬بلدنا‭. ‬البحرين‭ ‬بنت‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬الوافد‭ ‬بالسنوات‭ ‬والتعايش‭ ‬اليومي‭ ‬الهادئ‭. ‬وأحياناً‭ ‬تكشف‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يكشفه‭ ‬الكلام‭.‬

في‭ ‬أحد‭ ‬الصباحات‭ ‬كنت‭ ‬جالسة‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬مطل‭ ‬على‭ ‬الشارع،‭ ‬وقع‭ ‬بصري‭ ‬على‭ ‬عامل‭ ‬النظافة‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬الكنس‭ ‬عندما‭ ‬رنّ‭ ‬هاتفه‭. ‬أجاب،‭ ‬وأدار‭ ‬الكاميرا‭ ‬نحو‭ ‬الشارع‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬كان‭ ‬يُري‭ ‬أهله‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يقضي‭ ‬فيه‭ ‬يومه‭. ‬لحظة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬عام‭.‬

بينما‭ ‬كنا‭ ‬نطمئن‭ ‬على‭ ‬بعضنا‭ ‬بالهاتف‭ ‬من‭ ‬أماكننا،‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬يطمئن‭ ‬أهله‭ ‬وهو‭ ‬يشق‭ ‬الشارع‭. ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬ترف‭ ‬الانتظار‭ ‬ولا‭ ‬مساحة‭ ‬للقلق‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬قلقه‭ ‬أيضاً،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الظروف‭ ‬أن‭ ‬تُعلّمه‭ ‬معنى‭ ‬الواجب،‭ ‬من‭ ‬نشأ‭ ‬وحب‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬دمه‭ ‬وجعله‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬حين‭ ‬مسّت‭ ‬الحرب‭ ‬المنطقة‭ ‬وأثقلت‭ ‬علينا‭ ‬الأيام،‭ ‬كان‭ ‬أبناؤنا‭ ‬في‭ ‬مكانهم‭. ‬الممرضة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬فجراً‭ ‬وأطفالها‭ ‬نائمون،‭ ‬آثرت‭ ‬راحة‭ ‬مريض‭ ‬لا‭ ‬تعرفه‭ ‬على‭ ‬دفء‭ ‬بيتها‭. ‬وسائق‭ ‬الإسعاف‭ ‬الذي‭ ‬ودّع‭ ‬أهله‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخبرهم‭ ‬كم‭ ‬ستطول‭ ‬غيبته،‭ ‬مضى‭ ‬يقطع‭ ‬الشوارع‭ ‬الخالية‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬أمانة‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬التأخير‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬التراجع‭. ‬ورجال‭ ‬الأمن‭ ‬الذين‭ ‬اختاروا‭ ‬أن‭ ‬تنام‭ ‬العائلات‭ ‬بأمان‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يناموا‭ ‬هم،‭ ‬ظلت‭ ‬دورياتهم‭ ‬صامدة‭ ‬ولم‭ ‬تخذل‭ ‬يوماً‭ ‬ثقة‭ ‬الوطن‭ ‬فيهم‭.‬

وعامل‭ ‬الكهرباء‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينتظر‭ ‬الصباح‭ ‬ليُصلح‭ ‬العطل،‭ ‬وموظف‭ ‬الجمارك‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬نوبته‭ ‬توقفاً،‭ ‬والمعلم‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬فصله‭ ‬إلى‭ ‬شاشة‭ ‬ولم‭ ‬ينقطع‭ ‬عن‭ ‬طلابه‭ ‬لحظة‭. ‬وغيرهم‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬لا‭ ‬تُعد،‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مكانه‭. ‬هؤلاء‭ ‬لم‭ ‬يتحدثوا‭ ‬عن‭ ‬تضحياتهم‭ ‬ولم‭ ‬ينتظروا‭ ‬من‭ ‬يسجّلها‭. ‬فعلوا‭ ‬ما‭ ‬تعلّموه،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬أمانة‭.‬

في‭ ‬يوم‭ ‬العمال،‭ ‬تحية‭ ‬لكل‭ ‬يد‭ ‬عملت‭ ‬في‭ ‬صمت‭. ‬لرجال‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬وبناته‭ ‬الذين‭ ‬حملوا‭ ‬وطنهم‭ ‬ولم‭ ‬يسألوا‭ ‬لما‭ ‬نودوا،‭ ‬وقفوا‭ ‬في‭ ‬مكانهم‭ ‬وقت‭ ‬احتاجهم‭ ‬الوطن‭ ‬ولم‭ ‬ينتظروا‭ ‬أن‭ ‬يشكرهم‭ ‬أحد‭. ‬وللوافد‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬من‭ ‬وقته‭ ‬وجهده‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬توقع‭ ‬أحد‭. ‬كلاهما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬تحتضنه‭ ‬تشريعات‭ ‬أوسع‭ ‬وحماية‭ ‬أعمق‭ ‬تصون‭ ‬كرامته‭ ‬وتقدّر‭ ‬عطاءه‭. ‬والبحرين‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬دائما‭ ‬أنها‭ ‬تسمع‭ ‬وتتقدم،‭ ‬لا‭ ‬نشك‭ ‬أنها‭ ‬ماضية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا