العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نتائج الحرب تغير كل شيء!

بقلم: د. عبد المنعم سعيد

الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

إذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬سوف‭ ‬يتغير‭ ‬خارجًا‭ ‬من‭ ‬عولمة‭ ‬الدولة‭ ‬الواحدة‭ ‬في‭ ‬واشنطن؛‭ ‬فإن‭ ‬التعددية‭ ‬الدولية‭ ‬لن‭ ‬تُقبل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الطامعين‭ ‬فيها‭ ‬وإنما‭ ‬سوف‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬ثلاثي‭ ‬القطبية،‭ ‬وبقي‭ ‬على‭ ‬الثلاثة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأوضاع‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭. ‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإقليم‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطي‭ ‬سوف‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬اتساعه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإقليم‭ ‬العربي‭ ‬لكي‭ ‬يصل‭ ‬شرقًا‭ ‬إلى‭ ‬باكستان‭ ‬التي‭ ‬تداخلت‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والأمن‭.‬

في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬فإن‭ ‬توقف‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭ ‬لن‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬سكوت‭ ‬المدافع‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تظل‭ ‬على‭ ‬زئيرها‭ ‬عندما‭ ‬يستمر‭ ‬‮«‬الوكلاء‮»‬‭ ‬على‭ ‬رفضهم‭ ‬قواعد‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬نزع‭ ‬سلاحهم؛‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬صراخها‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬أهلية‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬مجمع‭ ‬‮«‬الاستقرار‮»‬‭ ‬أعباءً‭ ‬ثقيلة،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لن‭ ‬تتوقف‭ ‬عن‭ ‬تلبية‭ ‬أغراضها‭ ‬العدوانية‭ ‬التوسعية‭. ‬إن‭ ‬توقف‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬لن‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬اليقظة‭ ‬لمجلس‭ ‬سلام‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬نائمًا‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬نجح‭ ‬عرب‭ ‬الاستقرار‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬مشروع‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬يكفل‭ ‬الأمن‭ ‬للجميع‭.‬

في‭ ‬الواقع‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬شهدت‭ ‬أن‭ ‬السلاح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وحده‭ ‬الفيصل‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصير‭ ‬العالم‭ ‬والإقليم،‭ ‬وإنما‭ ‬ظهر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كعامل‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬حسمًا،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تكأكأ‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يستنزف‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المتخلفة‭. ‬

لقد‭ ‬خرج‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الأحفورية‭ ‬التي‭ ‬يستهلكها‭ ‬العالم،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬زلزالًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬صوته‭ ‬عن‭ ‬قاذفات‭ ‬القنابل‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬أو‭ ‬المسيرات‭ ‬أو‭ ‬الصواريخ‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيها‭ ‬اشتباكات‭ ‬بين‭ ‬المدرعات‭ ‬والمدفعيات‭ ‬والمشاة‭ ‬والطائرات‭ ‬والسفن‭ ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬تقاليد‭ ‬الحروب؛‭ ‬وإنما‭ ‬بات‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مسخرًا‭ ‬في‭ ‬التحكم‭ ‬بمضيق‭ ‬قانونه‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬البريء‭! ‬إن‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الاضطراب‭ ‬الكبرى‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وخفضها‭ ‬والعيش‭ ‬في‭ ‬قدر‭ ‬عميق‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬والاشتباه‭ ‬في‭ ‬فساد‭ ‬عالمي‭ ‬يرفع‭ ‬الأسعار‭ ‬ويخفضها‭ ‬ليس‭ ‬وفقًا‭ ‬لقوانين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬وإنما‭ ‬وفقًا‭ ‬لقوانين‭ ‬الفساد‭ ‬لمن‭ ‬يعلم‭ ‬بأسرار‭ ‬الارتفاع‭ ‬والانخفاض‭ ‬وارتباطها‭ ‬بقوانين‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تنظيم‭ ‬ذلك‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬وفك‭ ‬التناقضات‭ ‬والإشكاليات‭ ‬المزمنة‭ ‬كلها‭ ‬أمور‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استهلكت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬والثروة‭.‬

إنه‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬عصر‭ ‬وعصر‭ ‬آخر،‭ ‬وبينهما‭ ‬حرب‭ ‬جذبت‭ ‬المصالح‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬قاع‭ ‬غير‭ ‬مرصود‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬اختيارات‭ ‬أخرى‭ ‬كما‭ ‬تعودوا‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬التطور‭ ‬الإنساني‭.‬

‭ ‬الأصل‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬كانوا‭ ‬يعرفون‭ ‬بضرورة‭ ‬وجود‭ ‬بدائل‭ ‬للطاقة‭ ‬الأحفورية؛‭ ‬ولكن‭ ‬الاندفاع‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬حربًا‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬شهدناه‭. ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬سواء‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬النواة‭ ‬أو‭ ‬الريح‭ ‬أو‭ ‬الضوء‭ ‬وكفى‭. ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬الصين‭ ‬بين‭ ‬الثلاثي‭ ‬العالمي‭ ‬هو‭ ‬قصب‭ ‬السبق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالطاقة‭ ‬المتجددة‭. ‬التغير‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬العالمي‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬الواسع‭ ‬وباتساع‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬لكي‭ ‬تحدث‭ ‬تغيرات‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬البشر‭ ‬والطبيعة‭.‬

مثل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬زوال‭ ‬عصر‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬المصاحب‭ ‬له‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬وبضائع‭ ‬استهلاكية‭ ‬ازدهر‭ ‬حالها‭ ‬خلال‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬البشرى‭. ‬فالحقيقة‭ ‬الثابتة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالبترول‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬السفن‭ ‬والطائرات‭ ‬وتوليد‭ ‬الكهرباء‭ ‬قد‭ ‬أخفت‭ ‬أو‭ ‬أزاحت‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬أن‭ ‬تركيبة‭ ‬الأحفوريات‭ ‬كلها‭ ‬معبأة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬اللازمة‭ ‬لنمو‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصناعات‭ ‬العالمية‭ ‬المتقدمة‭ ‬تقدم‭ ‬المسافة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الأرض‭ ‬والفضاء‭. ‬

الحرب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الصين‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاستخدامات‭ ‬الديناميكية‭ ‬مثل‭ ‬السيارات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬قابلية‭ ‬الطائرات‭ ‬والسفن،‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬نظيف‭ ‬وأقل‭ ‬تكلفة‭. ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬فإن‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬تمثل‭ ‬ثروة‭ ‬لا‭ ‬نهائية‭ ‬لا‭ ‬تنضب،‭ ‬وقابلة‭ ‬للتخزين،‭ ‬والتوزيع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فساد‭ ‬للبيئة‭ ‬التي‭ ‬حتمتها‭ ‬الطاقة‭ ‬الأحفورية؛‭ ‬وقيام‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬بإنشاء‭ ‬مصنعين‭ ‬لإنتاج‭ ‬الخلايا‭ ‬الضوئية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية‭ ‬وتعقيداته‭.‬

كل‭ ‬ما‭ ‬دفعته‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬الراهنة‮»‬‭ ‬وتراكمها‭ ‬مع‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬الخامسة‮»‬‭ ‬وما‭ ‬نجم‭ ‬عن‭ ‬كلتيهما‭ ‬من‭ ‬تأثيرات،‭ ‬يشهد‭ ‬أولًا‭: ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الحروب‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬عناصر‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬مخالف‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الدفع‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭.‬

‭ ‬وثانيًا‭: ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬تدفع‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬قائمًا‭ ‬بالفعل،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يحظى‭ ‬بالمقدمة‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يستحقها‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬نتيجة‭ ‬التغيرات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تحتمها‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬الدمار‭ ‬التي‭ ‬جميعها‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬مكونات‭ ‬واستخدامات‭ ‬سلمية‭ ‬لا‭ ‬يظهرها‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬تحتويه‭ ‬الحروب‭ ‬من‭ ‬نار‭ ‬ولهب‭.‬

وثالثًا‭: ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يحسمان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬التقدم‭ ‬المعقدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬انتظار‭ ‬جولة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬لتصحيح‭ ‬الأوضاع‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬تعوض‭ ‬الخسائر؛‭ ‬أو‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬ظلمات‭ ‬دخان‭ ‬الحروب‭ ‬الخانقة‭. ‬ختاما‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تتصف‭ ‬بغياب‭ ‬المليشيات‭ ‬والحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬وباختصار‭ ‬تؤكد‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الوطنية‮»‬‭ ‬ذات‭ ‬‮«‬المشروع‭ ‬الوطني‮»‬‭ ‬للتقدم‭ ‬والرفعة،‭ ‬تحتاج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬واستغلال‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬تأتى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحروب‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا