إذا كان «النظام الدولي»، سوف يتغير خارجًا من عولمة الدولة الواحدة في واشنطن؛ فإن التعددية الدولية لن تُقبل على كل الطامعين فيها وإنما سوف تذهب إلى عالم ثلاثي القطبية، وبقي على الثلاثة ترتيب الأوضاع فيما بينهم.
كذلك فإن الإقليم الشرق أوسطي سوف يبقى على اتساعه إلى ما بعد الإقليم العربي لكي يصل شرقًا إلى باكستان التي تداخلت معه في الدبلوماسية والأمن.
في كل الأحوال فإن توقف الحرب الراهنة لن يعني بالضرورة سكوت المدافع التي سوف تظل على زئيرها عندما يستمر «الوكلاء» على رفضهم قواعد الدولة الوطنية في نزع سلاحهم؛ وإنما قد يعني صراخها في حروب أهلية تفرض على مجمع «الاستقرار» أعباءً ثقيلة، خاصة أن إسرائيل لن تتوقف عن تلبية أغراضها العدوانية التوسعية. إن توقف الحرب الإيرانية لن يعني بالضرورة حالة من اليقظة لمجلس سلام غزة الذي ظل نائمًا طوال فترة الحرب اللهم إلا إذا نجح عرب الاستقرار والتنمية في تقديم مشروع للأمن الإقليمي يكفل الأمن للجميع.
في الواقع إن الحرب شهدت أن السلاح لم يكن وحده الفيصل في تقرير مصير العالم والإقليم، وإنما ظهر الاقتصاد كعامل لا يقل حسمًا، خاصة إذا ما تكأكأ على المجتمعات المتقدمة بقدر ما يستنزف من تلك المتخلفة.
لقد خرج 20% من الطاقة الأحفورية التي يستهلكها العالم، وكان هذا زلزالًا لا يقل صوته عن قاذفات القنابل من الطائرات أو المسيرات أو الصواريخ في حرب لم تكن فيها اشتباكات بين المدرعات والمدفعيات والمشاة والطائرات والسفن كما جرت تقاليد الحروب؛ وإنما بات كل ذلك مسخرًا في التحكم بمضيق قانونه حق المرور البريء! إن الخوف من حالة الاضطراب الكبرى ليس فقط في أسواق الطاقة، وإنما في الأسواق المالية وارتفاع الأسعار وخفضها والعيش في قدر عميق من عدم اليقين والاشتباه في فساد عالمي يرفع الأسعار ويخفضها ليس وفقًا لقوانين العرض والطلب وإنما وفقًا لقوانين الفساد لمن يعلم بأسرار الارتفاع والانخفاض وارتباطها بقوانين الحرب والسلام.
ولا شك أن تنظيم ذلك والبحث عن الحلول وفك التناقضات والإشكاليات المزمنة كلها أمور تضغط على العقل الإنساني للتعامل مع حالة العالم الذي انتهى إلى حرب استهلكت الكثير من البشر والثروة.
إنه الاختلاف بين عصر وعصر آخر، وبينهما حرب جذبت المصالح العالمية إلى قاع غير مرصود كثيرًا ما يدفع البشر إلى اختيارات أخرى كما تعودوا في حلقات التطور الإنساني.
الأصل هو أن البشر كانوا يعرفون بضرورة وجود بدائل للطاقة الأحفورية؛ ولكن الاندفاع في طريقها كان يحتاج حربًا من النوع الذي شهدناه. مصادر الطاقة المتجددة هائلة في كوكب الأرض، سواء جاءت من الشمس أو من النواة أو الريح أو الضوء وكفى. والحقيقة أن ما يدفع الصين بين الثلاثي العالمي هو قصب السبق في كل ما يتعلق بالطاقة المتجددة. التغير الحاد في المحيط العالمي هو الانتقال الواسع وباتساع العالم إلى أشكال الطاقة الجديدة لكي تحدث تغيرات تعيد تشكيل البشر والطبيعة.
مثل ذلك لا يعني بالضرورة زوال عصر النفط والغاز المصاحب له وما ترتب عليه من سلع وبضائع استهلاكية ازدهر حالها خلال قرن من التاريخ البشرى. فالحقيقة الثابتة هي أن القيمة الخاصة بالبترول في تحريك السفن والطائرات وتوليد الكهرباء قد أخفت أو أزاحت إلى الوراء أن تركيبة الأحفوريات كلها معبأة بكثير من العناصر اللازمة لنمو الكثير من الصناعات العالمية المتقدمة تقدم المسافة ما بين الأرض والفضاء.
الحرب في هذا الشأن تعيد ترتيب «النظام الدولي» عندما تكون الصين هي الأكثر تقدمًا في كثير من الاستخدامات الديناميكية مثل السيارات، ومن ثم قابلية الطائرات والسفن، لما هو نظيف وأقل تكلفة. في الوطن العربي فإن الطاقة الشمسية تمثل ثروة لا نهائية لا تنضب، وقابلة للتخزين، والتوزيع من دون فساد للبيئة التي حتمتها الطاقة الأحفورية؛ وقيام الصين على سبيل المثال بإنشاء مصنعين لإنتاج الخلايا الضوئية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس هو خطوة مهمة للتعامل مع عالم ما بعد الحرب الإيرانية وتعقيداته.
كل ما دفعته «حرب إيران الراهنة» وتراكمها مع «حرب غزة الخامسة» وما نجم عن كلتيهما من تأثيرات، يشهد أولًا: على ما تقوم به الحروب من دفع عناصر التطور في اتجاه مخالف لما كان عليه الدفع في اتجاه القتل والتدمير.
وثانيًا: فإن الحرب تدفع ما كان قائمًا بالفعل، ولكنه لا يحظى بالمقدمة إلى الحصول على المكانة التي يستحقها من تقدم نتيجة التغيرات الكبرى التي تحتمها تكنولوجيات الدمار التي جميعها تحتوي على مكونات واستخدامات سلمية لا يظهرها إلا ما تحتويه الحروب من نار ولهب.
وثالثًا: فإن الحرب والسلام كثيرًا ما يحسمان الكثير من قضايا التقدم المعقدة ما بين انتظار جولة أخرى من الحرب لتصحيح الأوضاع أو الحصول على مكاسب تعوض الخسائر؛ أو النظر في فرص السلام التي تخرج من ظلمات دخان الحروب الخانقة. ختاما نقول إن الدول العربية التي تتصف بغياب المليشيات والحروب الأهلية وباختصار تؤكد «الدولة الوطنية» ذات «المشروع الوطني» للتقدم والرفعة، تحتاج الكثير من التفكير واستغلال الفرص التي تأتى ما بعد الحروب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك