لم يعد ما يجري في لبنان مجرد امتداد لحرب على جبهة حدودية، بل بات يعكس تحولاً في طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية، من استهداف عسكري مباشر إلى محاولة إعادة هندسة المجتمع اللبناني نفسه، فالمشهد الحالي، بما يحمله من قصف واسع، وتهجير جماعي، وضغوط سياسية موازية، يكشف عن تبنٍّ واضح لسياسة «العقاب الجماعي»، تلك التي طُبّقت سابقاً في قطاع غزة، وها هي تُستنسخ اليوم في الساحة اللبنانية، مع فارق السياق وتركيبة المجتمع.
تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لم تكن مجرد تهديد عابر، بل تعبير صريح عن عقلية ترى في تدمير البيئة الحاضنة للمقاومة مدخلاً لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية معاً، حين يُلوّح بتحويل العاصمة اللبنانية إلى نسخة من خان يونس، وهذه رسالة عدوانية موجهة، بل إلى المجتمع اللبناني بأكمله، والذي يريدون إخضاعه عبر الألم والدمار وفقدان الأمان.
هذا التحول في ماهية الاستهداف في ضوء هذا العدوان الصهيوني على لبنان يتجلى ميدانياً في حجم الدمار والخسائر البشرية، هناك اليوم أكثر من 2400 قتيل بسبب الغارات الاسرائيلية، وما يزيد على مليون نازح لبناني جاءوا من الجنوب اللبناني، وهذه أرقام تعكس اتساع دائرة الضربات لتشمل المدنيين والبنية الاجتماعية، لا المواقع العسكرية فقط، أما الغارة التي استهدفت بيروت في الثامن من أبريل وأسفرت عن استشهاد 350 شخصاً خلال دقائق، فتُجسد بوضوح طبيعة هذه الحرب التي لا تعترف بخطوط فاصلة بين جبهة ومدينة، ولا بين مقاتل ومدني، حتى في ظل الحديث عن تفاهمات دولية لوقف التصعيد.
لكن الأخطر من القصف ذاته، هو ما يجري بالتوازي معه على المستوى السياسي والاجتماعي، إذ تشير المعطيات إلى ضغوط تُمارس، علناً وسراً، على مكونات لبنانية مختلفة، خصوصاً في البيئتين الدرزية والمسيحية، بهدف دفعها إلى رفض استقبال النازحين من الجنوب أو الضغط لإخراجهم، هذه السياسة لا تهدف فقط إلى خلق أزمة إنسانية، بل تسعى إلى تفجير التناقضات الداخلية، وتحويل التعددية اللبنانية إلى عبء أمني، بدلا من أن تبقى ركيزة استقرار.
بهذا المعنى، لا تستهدف إسرائيل سكان الجنوب اللبناني، بل تضرب في عمق النموذج اللبناني القائم على التوازنات الدقيقة والتعايش بين الطوائف، فإضعاف هذا النموذج، أو تفكيكه، يفتح الباب أمام واقع جديد يسهل التحكم به، حيث تتحول الانقسامات إلى أدوات ضغط دائمة، ويُعاد رسم المشهد السياسي بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.
وليس هذا التوجه جديداً في جوهره، فالأطماع الإسرائيلية في لبنان تعود إلى عقود، منذ طرح ديفيد بن جوريون فكرة التوسع نحو نهر الليطاني، مروراً باجتياح عام 1982، ومحاولات فرض سلطة موالية عبر استغلال التوازنات الطائفية، اليوم وإن اختلفت الأدوات، يبقى الهدف ذاته: هو بقاء لبنان ضعيفا، منقسما، ومكشوفا أمام التدخلات.
في ظل ذلك، يبدو اتفاق وقف إطلاق النار، هشاً إلى حد كبير، فاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، ومنح «تل أبيب» حق التحرك تحت ذريعة «الدفاع عن النفس»، يكرّس اختلالاً واضحاً في موازين السيادة، ويجعل أي تهدئة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة، دون ضمانات حقيقية للطرف اللبناني.
ومع ذلك، فإن العامل الحاسم لا يكمن فقط في موازين القوة العسكرية، بل في وعي المجتمع اللبناني نفسه، فالتجربة التاريخية لهذا البلد، بكل ما شهدته من حروب أهلية وتدخلات خارجية، أظهرت أن الانزلاق إلى الفتنة كان دائماً المدخل الأخطر لتفكيكه. اليوم، تجري إعادة اختبار هذا الوعي، في ظل محاولات حثيثة لدفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم البعض، بدلا من مواجهة التهديد الخارجي.
إن ما يُراد للبنان ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل إعادة تشكيل لوعيه الجمعي، بحيث يرى في شريكه في الوطن خصماً، وفي اختلافه خطراً، غير أن إفشال هذا المشروع يبدأ من إدراك حقيقته، ورفض الانجرار خلفه، فبين ركام القرى، وضجيج الخطاب الطائفي، تبقى الوحدة الوطنية، رغم هشاشتها، السد الأخير في وجه مشروع لا يستهدف الأرض فقط، بل الإنسان اللبناني ذاته ومعناه.
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، وفي ظل وجود مفاوضات مباشرة تُعقد بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل في الولايات المتحدة، وهو تطور يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، فهذه المفاوضات، التي تُطرح تحت عناوين التهدئة وترسيم قواعد الاشتباك، تفتح الباب أمام انقسام داخلي جديد، إذ ينظر إليها جزء من اللبنانيين كضرورة لوقف النزيف والدمار، بينما يراها آخرون انزلاقاً نحو اتفاق مرفوض وتكريساً لاختلال موازين القوة.
إن التفاوض في ظل العدوان الصهيوني يفقد لبنان أوراق قوته بدلا من أن يعززها، وهناك تباين حول هذا الملف في لبنان لا يعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يكشف عن تصدّع أعمق في الرؤية الوطنية لكيفية إدارة الصراع، بين من يراهن على المسار الدبلوماسي مهما كانت شروطه، ومن يرى في ذلك مساراً محفوفاً بالمخاطر قد يُستخدم لتفكيك عناصر القوة الداخلية.
وعليه، لا تبدو هذه المفاوضات منفصلة عن سياق الحرب، بل جزءاً مكملاً لها، تُستخدم لإعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل لبنان بقدر ما تُستخدم لضبط إيقاع المواجهة مع إسرائيل، فبين ضغط الميدان وضغط الطاولة، يجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد لوحدته الداخلية، حيث لا يقل خطر الانقسام السياسي عن خطر القصف، ولا تقل تداعياته عمقاً على مستقبل البلاد، وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الأهم ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل أي لبنان سيخرج منها: بلد موحّد رغم الجراح، أم ساحة مفتوحة لتنازع الإرادات الداخلية والخارجية.
{ كاتب وباحث من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك