هناك تطوران جذبا الأنظار في أوروبا خلال الفترة الأخيرة: الأول، السقوط المدوي للحليف الأول لنتنياهو وترامب في أوروبا، الفاشي والعنصري الهنجاري أو رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الذي تلقى هزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية، وما رافق الاحتفالات بفوز المعارضة من هتافات عارمة لحرية فلسطين، حيث كان أوربان من أشد معارضي أي إجراءات أوروبية ضد جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزّة والضم الفعلي للضفة الغربية.
والتطور الثاني، كان هو اضطرار رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى معارضة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حربه بالشراكة مع إسرائيل على إيران، والأهم إعلانها تعليق اتفاقية التعاون العسكري مع إسرائيل، وهي التي اشتهرت بتأييدها رئيس الوزراء الصهيوني مجرم الحرب المطلوب القاء القبض عليه من المحكمة الجنائية الدولية بنيامين نتنياهو وتحالفها معه. وما دفعها إلى هذا إدراكها أنها ستخسر الانتخابات المقبلة بعد فشلها الصادم في الاستفتاء الذي حاولت به تقييد استقلالية القضاء الإيطالي، لأسباب عديدة، أبرزها موقفها المؤيد لإسرائيل في ظل تعاطف شعبي إيطالي واسع مع نضال الشعب الفلسطيني وقضيته.
وقبل ذلك، كان واضحاً أن من أهم أسباب هزيمة نائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس والمرشحة لانتخابات الرئاسة الأمريكية عن معسكر بايدن الديمقراطي في الانتخابات موقفها مع بايدن الداعم لحربَ الإبادة الإسرائيلية في غزة.
وهذا بالضبط سبب التحول العارم في صفوف الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي صارت غالبيته مؤيدة لفلسطين، خصوصاً بين جيل الشباب، بل إن الموقف المعادي للفاشية الإسرائيلية هو سبب الانشقاق المتعاظم في صفوف الجمهوريين المؤيدين لترامب.
وفي المقابل، تعزّز الموقف الجماهيري لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بعد تأييده الواضح للشعب الفلسطيني وفرضه المقاطعة العسكرية على إسرائيل.
ان الحرب الإسرائيلية الأمريكية في منطقة الخليج، والضرر الذي ألحقته بكل دول المنطقة العربية وبصفة خاصة دول الخليج العربي وخاصة بعد العدوان الإيراني على دول الخليج، واستمرار العدوانية الإسرائيلية على الشعبين الفلسطيني واللبناني، كلها أسباب جعلت هذه الحروب أصبحت عاملاً داخلياً مقرّراً في جميع البلدان، من النرويج إلى الولايات المتحدة، مروراً بأستراليا وكندا وأوروبا بأكملها. بل وصل الأمر بالرئيس الأمريكي ترامب إلى الصدام مع بابا الفاتيكان، الأمريكي الأصل، لاوون الرابع عشر، بسبب معارضة الأخير للحرب ودعوته إلى السلام، ما يؤكد مدى الترابط العميق بين بلدان العالم والذي جعل عالمنا بالفعل قرية واحدة تتأثر بمجملها بكل ما يجري في كل زاوية فيه.
وفي ضوء ذلك هل هناك حاجة الى إثبات هذا، ونحن نرى انسداد مضيق هرمز يقفز بأسعار البنزين والطاقة، بل أسعار المنتجات الزراعية، والأغذية والخدمات، وكل شيء في الواقع، لأن كل شيء يعتمد على الطاقة. ألم يكن هذا العامل الرئيسي الذي أجبر الرئيس الأمريكي (ألمح بالمناسبة إلى أنه المسيح المنتظر) على وقف العمليات العسكرية، وإن كان خطر عودتها مازال قائماً.
إن اخطر ما رأيناه في هذه الازمة هو كيف اندفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وراء الفاشي نتنياهو، بسبب الابتزاز أو الجهل وانعدام الحكمة، ليتورّط في حرب بلا آفاق أو نهايات واضحة ودخلت آثارها كل بيت أمريكي، وجيب كل صاحب سيارة في الولايات المتحدة، وعزّزت فرص الهزيمة الكبرى التي تنتظر ترامب في نوفمبر المقبل في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، والتي ستحوّله بفقدان الأغلبية الحالية في الكونجرس، وربما في مجلس الشيوخ، إلى «بطّة عرجاء» بالمعنى الحرفي للكلمة، إن لم تؤدّ إلى تصعيد الحملة التي يقودها أعضاء كونجرس ديمقراطيون لعزله بتهمة عدم اللياقة العقلية لإدارة منصب رئيس الولايات المتحدة المهم والحسّاس.
أمّا الذين صمتوا على جرائم إسرائيل وهي تلتهم الأراضي الفلسطينية وترتكب الإبادة الجماعية، وكل الموبقات ضد الشعب الفلسطيني، فلعلهم يدركون اليوم نتيجة أفعالهم، وأن من ظنّوا أنه سيوفر لهم الدعم والحماية تحوّل إلى عبء ثقيل على أنفاس شعوبهم ومصالحهم.
ان العالم اليوم صار قرية واحدة، وكل شيء مترابط، ولا يمكن لأي فعل في أي ركنٍ من كرتنا الأرضية أن يتجاهل التأثير الذي يُحدثه على سائر أركان المعمورة. ولكن هذا ليس كل القضية، إذ إن تحولاً عارماً يجري على مستوى الشعوب، حيث يصبح لرأي الشعوب تأثير كبير في مواجهة السياسات الإجرامية المستهترة بحقوق الشعوب، وسلامة البيئة، والعدالة الإنسانية.
الواقع اليوم يشير الى ان هناك فاشية صعدت، وعنصرية ترسخت، ومنظومة رأسمالية متوحّشة مستغلة توسعت. وفي مقابلها هناك صعود عالمي لحركة شعبية وسياسية من أجل العدالة الإنسانية والديمقراطية السياسية والاجتماعية، وفي قلب هذا الصعود، تتربّع قضية حرية الشعب الفلسطيني، من جنوب إفريقيا إلى البرازيل مروراً بأوروبا وكندا والولايات المتحدة. وهي تجسّد الصراع الأبدي بين الخير والشر، بين العدل والظلم، بين الحرية والاستعمار. ولذلك ستنتصر.
ومن واجب كل مناضل ومسؤول فلسطيني أن يفهم أنه لا خلاص إلا بالاصطفاف مع قوى التقدّم والحرية والنضال ضد الاستعمار والفاشية، وليس تمنّي الحصول على فتات من قوى ظالمة لن تمنح الفلسطينيين ولا شعوبها نفسها إلا الظلم والهوان.
{ الأمين العام لحركة
المبادرة الوطنية الفلسطينية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك