العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٣ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا لا يستطيع العالم تجاوز القضية الفلسطينية؟

بقلم: د. مصطفى البرغوثي {

الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

هناك‭ ‬تطوران‭ ‬جذبا‭ ‬الأنظار‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭: ‬الأول،‭ ‬السقوط‭ ‬المدوي‭ ‬للحليف‭ ‬الأول‭ ‬لنتنياهو‭ ‬وترامب‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬الفاشي‭ ‬والعنصري‭ ‬الهنجاري‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المجري‭ ‬فيكتور‭ ‬أوربان‭ ‬الذي‭ ‬تلقى‭ ‬هزيمة‭ ‬ساحقة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية،‭ ‬وما‭ ‬رافق‭ ‬الاحتفالات‭ ‬بفوز‭ ‬المعارضة‭ ‬من‭ ‬هتافات‭ ‬عارمة‭ ‬لحرية‭ ‬فلسطين،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬أوربان‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬معارضي‭ ‬أي‭ ‬إجراءات‭ ‬أوروبية‭ ‬ضد‭ ‬جريمة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬والضم‭ ‬الفعلي‭ ‬للضفة‭ ‬الغربية‭.‬

والتطور‭ ‬الثاني،‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬اضطرار‭ ‬رئيسة‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيطالية،‭ ‬جورجيا‭ ‬ميلوني،‭ ‬إلى‭ ‬معارضة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬حربه‭ ‬بالشراكة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬والأهم‭ ‬إعلانها‭ ‬تعليق‭ ‬اتفاقية‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بتأييدها‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الصهيوني‭ ‬مجرم‭ ‬الحرب‭ ‬المطلوب‭ ‬القاء‭ ‬القبض‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬وتحالفها‭ ‬معه‭. ‬وما‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬إدراكها‭ ‬أنها‭ ‬ستخسر‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة‭ ‬بعد‭ ‬فشلها‭ ‬الصادم‭ ‬في‭ ‬الاستفتاء‭ ‬الذي‭ ‬حاولت‭ ‬به‭ ‬تقييد‭ ‬استقلالية‭ ‬القضاء‭ ‬الإيطالي،‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة،‭ ‬أبرزها‭ ‬موقفها‭ ‬المؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تعاطف‭ ‬شعبي‭ ‬إيطالي‭ ‬واسع‭ ‬مع‭ ‬نضال‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وقضيته‭.‬

وقبل‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬هزيمة‭ ‬نائبة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابقة‭ ‬كامالا‭ ‬هاريس‭ ‬والمرشحة‭ ‬لانتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عن‭ ‬معسكر‭ ‬بايدن‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬موقفها‭ ‬مع‭ ‬بايدن‭ ‬الداعم‭ ‬لحربَ‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬

وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬سبب‭ ‬التحول‭ ‬العارم‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬صارت‭ ‬غالبيته‭ ‬مؤيدة‭ ‬لفلسطين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بين‭ ‬جيل‭ ‬الشباب،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الموقف‭ ‬المعادي‭ ‬للفاشية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬الانشقاق‭ ‬المتعاظم‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجمهوريين‭ ‬المؤيدين‭ ‬لترامب‭. ‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تعزّز‭ ‬الموقف‭ ‬الجماهيري‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسباني‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز،‭ ‬بعد‭ ‬تأييده‭ ‬الواضح‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وفرضه‭ ‬المقاطعة‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭.‬

ان‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج،‭ ‬والضرر‭ ‬الذي‭ ‬ألحقته‭ ‬بكل‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وبصفة‭ ‬خاصة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬العدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬واستمرار‭ ‬العدوانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬الشعبين‭ ‬الفلسطيني‭ ‬واللبناني،‭ ‬كلها‭ ‬أسباب‭ ‬جعلت‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬أصبحت‭ ‬عاملاً‭ ‬داخلياً‭ ‬مقرّراً‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬البلدان،‭ ‬من‭ ‬النرويج‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬مروراً‭ ‬بأستراليا‭ ‬وكندا‭ ‬وأوروبا‭ ‬بأكملها‭. ‬بل‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬بالرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬الصدام‭ ‬مع‭ ‬بابا‭ ‬الفاتيكان،‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأصل،‭ ‬لاوون‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬بسبب‭ ‬معارضة‭ ‬الأخير‭ ‬للحرب‭ ‬ودعوته‭ ‬إلى‭ ‬السلام،‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬مدى‭ ‬الترابط‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬والذي‭ ‬جعل‭ ‬عالمنا‭ ‬بالفعل‭ ‬قرية‭ ‬واحدة‭ ‬تتأثر‭ ‬بمجملها‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬فيه‭. ‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬الى‭ ‬إثبات‭ ‬هذا،‭ ‬ونحن‭ ‬نرى‭ ‬انسداد‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يقفز‭ ‬بأسعار‭ ‬البنزين‭ ‬والطاقة،‭ ‬بل‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجات‭ ‬الزراعية،‭ ‬والأغذية‭ ‬والخدمات،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭. ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬العامل‭ ‬الرئيسي‭ ‬الذي‭ ‬أجبر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ (‬ألمح‭ ‬بالمناسبة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬المسيح‭ ‬المنتظر‭) ‬على‭ ‬وقف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬خطر‭ ‬عودتها‭ ‬مازال‭ ‬قائماً‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬اخطر‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الازمة‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬اندفع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬وراء‭ ‬الفاشي‭ ‬نتنياهو،‭ ‬بسبب‭ ‬الابتزاز‭ ‬أو‭ ‬الجهل‭ ‬وانعدام‭ ‬الحكمة،‭ ‬ليتورّط‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬بلا‭ ‬آفاق‭ ‬أو‭ ‬نهايات‭ ‬واضحة‭ ‬ودخلت‭ ‬آثارها‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬أمريكي،‭ ‬وجيب‭ ‬كل‭ ‬صاحب‭ ‬سيارة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وعزّزت‭ ‬فرص‭ ‬الهزيمة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬للكونجرس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬والتي‭ ‬ستحوّله‭ ‬بفقدان‭ ‬الأغلبية‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬الكونجرس،‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بطّة‭ ‬عرجاء‮»‬‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬للكلمة،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تؤدّ‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭ ‬الحملة‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬أعضاء‭ ‬كونجرس‭ ‬ديمقراطيون‭ ‬لعزله‭ ‬بتهمة‭ ‬عدم‭ ‬اللياقة‭ ‬العقلية‭ ‬لإدارة‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المهم‭ ‬والحسّاس‭.‬

أمّا‭ ‬الذين‭ ‬صمتوا‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬إسرائيل‭ ‬وهي‭ ‬تلتهم‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وترتكب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وكل‭ ‬الموبقات‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬فلعلهم‭ ‬يدركون‭ ‬اليوم‭ ‬نتيجة‭ ‬أفعالهم،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬ظنّوا‭ ‬أنه‭ ‬سيوفر‭ ‬لهم‭ ‬الدعم‭ ‬والحماية‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬أنفاس‭ ‬شعوبهم‭ ‬ومصالحهم‭.‬

‭ ‬ان‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬صار‭ ‬قرية‭ ‬واحدة،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬مترابط،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬فعل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ركنٍ‭ ‬من‭ ‬كرتنا‭ ‬الأرضية‭ ‬أن‭ ‬يتجاهل‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬يُحدثه‭ ‬على‭ ‬سائر‭ ‬أركان‭ ‬المعمورة‭. ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬القضية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تحولاً‭ ‬عارماً‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الشعوب،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬لرأي‭ ‬الشعوب‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬السياسات‭ ‬الإجرامية‭ ‬المستهترة‭ ‬بحقوق‭ ‬الشعوب،‭ ‬وسلامة‭ ‬البيئة،‭ ‬والعدالة‭ ‬الإنسانية‭.‬

الواقع‭ ‬اليوم‭ ‬يشير‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬فاشية‭ ‬صعدت،‭ ‬وعنصرية‭ ‬ترسخت،‭ ‬ومنظومة‭ ‬رأسمالية‭ ‬متوحّشة‭ ‬مستغلة‭ ‬توسعت‭. ‬وفي‭ ‬مقابلها‭ ‬هناك‭ ‬صعود‭ ‬عالمي‭ ‬لحركة‭ ‬شعبية‭ ‬وسياسية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العدالة‭ ‬الإنسانية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬الصعود،‭ ‬تتربّع‭ ‬قضية‭ ‬حرية‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬إلى‭ ‬البرازيل‭ ‬مروراً‭ ‬بأوروبا‭ ‬وكندا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وهي‭ ‬تجسّد‭ ‬الصراع‭ ‬الأبدي‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر،‭ ‬بين‭ ‬العدل‭ ‬والظلم،‭ ‬بين‭ ‬الحرية‭ ‬والاستعمار‭. ‬ولذلك‭ ‬ستنتصر‭.‬

ومن‭ ‬واجب‭ ‬كل‭ ‬مناضل‭ ‬ومسؤول‭ ‬فلسطيني‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬خلاص‭ ‬إلا‭ ‬بالاصطفاف‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬التقدّم‭ ‬والحرية‭ ‬والنضال‭ ‬ضد‭ ‬الاستعمار‭ ‬والفاشية،‭ ‬وليس‭ ‬تمنّي‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬فتات‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬ظالمة‭ ‬لن‭ ‬تمنح‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ولا‭ ‬شعوبها‭ ‬نفسها‭ ‬إلا‭ ‬الظلم‭ ‬والهوان‭.‬

 

{ الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة

‭ ‬المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا