العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧١ - السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عيد العمال وتحولات سوق العمل في العالم

بقلم: د. نبيل العسومي

الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ - 02:22

تحتفل‭ ‬أغلب‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مايو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بما‭ ‬بات‭ ‬يسمى‭ ‬بعيد‭ ‬العمال‭ ‬العالمي‭ ‬وذلك‭ ‬تقديرا‭ ‬واعتزازا‭ ‬بنضالات‭ ‬وجهود‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وإحياء‭ ‬أيضا‭ ‬لذكرى‭ ‬نضالات‭ ‬عالمية‭ ‬سجلها‭ ‬التاريخ‭ ‬بكل‭ ‬التقدير‭ ‬والاحترام‭ ‬وللجهد‭ ‬البشري‭ ‬باليد‭ ‬أو‭ ‬بالعقل‭ ‬وتكريما‭ ‬للدور‭ ‬المحوري‭ ‬للطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وتعزيزا‭ ‬للتضامن‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬جهودها‭ ‬المتواصلة‭ ‬لتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العمل‭ ‬والإقرار‭ ‬بحقوقهم‭ ‬المشروعة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭.‬

ويمكننا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عند‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النقاط‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭.‬

أولا‭: ‬تجسيد‭ ‬وترسيخ‭ ‬نضالات‭ ‬الحركة‭ ‬العمالية‭ ‬والنقابات‭ ‬التي‭ ‬بذلت‭ ‬جهودا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العمل‭ ‬مساويا‭ ‬في‭ ‬أهميته‭ ‬برأس‭ ‬المال‭ ‬وهذا‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للعمال‭ ‬يخلد‭ ‬تلك‭ ‬النضالات‭ ‬النقابية‭ ‬التي‭ ‬طالبت‭ ‬بظروف‭ ‬عمل‭ ‬إنسانية‭ ‬وعادلة‭ ‬وبالإجازات‭ ‬السنوية‭ ‬والأسبوعية‭ ‬وبساعات‭ ‬عمل‭ ‬منصفة‭ ‬وعادلة‭ ‬وبأجور‭ ‬متساوية‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬وبظروف‭ ‬عمل‭ ‬إنسانية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الامتيازات‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬العمال‭ ‬بفضل‭ ‬نضالاتهم‭ ‬وحققتها‭ ‬النقابات‭ ‬كمؤسسة‭ ‬أهلية‭ ‬تمثل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭ ‬بالفكر‭ ‬والساعد‭.‬

ثانيا‭: ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬التي‭ ‬يحتفى‭ ‬بها‭ ‬سنويا‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتبط‭ ‬أيضا‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬والتحديات‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تغير‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬بدأ‭ ‬العمال‭ ‬يجدون‭ ‬صعوبات‭ ‬كبيرة‭ ‬وبدأت‭ ‬النقابات‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬مستمرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والرقمية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أدى‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬ملايين‭ ‬العمال‭  ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬بل‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭ ‬بسبب‭ ‬استخدام‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬بشكل‭ ‬موسع‭ ‬وجعل‭ ‬الآلة‭ ‬والروبوت‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬الإنسان‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬آلاف‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬المصانع‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الروبوت‭.‬

‭ ‬ولذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬والمركبات‭ ‬بأنواعها‭ ‬والأجهزة‭ ‬الكهربائية‭ ‬والإلكترونية‭ ‬تتيع‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬أعداد‭ ‬العمال‭ ‬وعدم‭ ‬الحاجة‭ ‬إليهم‭ ‬بفضل‭ ‬ما‭ ‬توفره‭ ‬التقنية‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬بدائل‭ ‬تقلل‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتجعله‭ ‬أكثر‭ ‬جودة‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬آلاف‭ ‬العمال‭ ‬وتسريحهم‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأيدي‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬تسبب‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬غلق‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المصانع‭ ‬والشركات‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬البلدان‭ ‬الأوروبية‭ ‬وما‭ ‬رافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تسريح‭ ‬مكثف‭ ‬للعمال‭.‬

ثالثا‭: ‬هنالك‭ ‬إشكالية‭ ‬أخرى‭ ‬ترتبط‭ ‬بقطاع‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬العمال‭ ‬الموجودين‭ ‬أصبحوا‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وأصبحوا‭ ‬مرتبطين‭ ‬عضويا‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬وبذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نطلق‭ ‬عليها‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬الطبقة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬مصيرها‭ ‬وبقاءها‭ ‬واستمرارها‭ ‬مرتبط‭ ‬باستمرار‭ ‬بنجاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

‭ ‬ولذلك‭ ‬أيضا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬أو‭ ‬الشغيلة‭ ‬مثلما‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬أصبح‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬ومنها‭ ‬معظم‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬فإن‭ ‬المشكلة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ملايين‭ ‬المهمشين‭ ‬والعاطلين‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬وأفواج‭ ‬الخريجين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬مكانا‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المشتغلين‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬هامشية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضمانات‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬صحية‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬بعضها‭ ‬تجعل‭ ‬موضوع‭ ‬الاحتفال‭ ‬بعيد‭ ‬العمال‭ ‬مناسبة‭ ‬للمراجعة‭ ‬والدراسة‭ ‬والنظر‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬العربية‭ ‬فقط‭ ‬فالعالم‭ ‬يتغير‭ ‬والتكنولوجيات‭ ‬الصناعية‭ ‬أصبحت‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬الإنسان‭ ‬وبذلك‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬وسوف‭ ‬تجد‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حقائق‭ ‬جديدة‭ ‬ووضع‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الآن‭ ‬كيف‭ ‬ستكون‭ ‬ملامحه‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬سوف‭ ‬تعيد‭ ‬هندسة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬وتوزيع‭ ‬الوظائف‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬نسبة‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و25‭% ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬قوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬وسوف‭ ‬تحل‭ ‬الآلة‭ ‬والروبوتات‭ ‬محل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬قطاعات‭ ‬معينة‭ ‬وسوف‭ ‬يتراجع‭ ‬مفهوم‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬كما‭ ‬عرفناه‭ ‬وتربينا‭ ‬عليه‭ ‬كمصطلح‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا