تحتفل أغلب دول العالم في الأول من مايو من كل عام بما بات يسمى بعيد العمال العالمي وذلك تقديرا واعتزازا بنضالات وجهود الطبقة العاملة في العالم وإحياء أيضا لذكرى نضالات عالمية سجلها التاريخ بكل التقدير والاحترام وللجهد البشري باليد أو بالعقل وتكريما للدور المحوري للطبقة العاملة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيزا للتضامن بين أبناء القوى العاملة في سبيل جهودها المتواصلة لتحسين ظروف العمل والإقرار بحقوقهم المشروعة على كل المستويات.
ويمكننا في هذا السياق أن نتوقف عند عدد من النقاط ذات الأهمية منها على وجه الخصوص.
أولا: تجسيد وترسيخ نضالات الحركة العمالية والنقابات التي بذلت جهودا كبيرة من أجل أن يكون العمل مساويا في أهميته برأس المال وهذا اليوم العالمي للعمال يخلد تلك النضالات النقابية التي طالبت بظروف عمل إنسانية وعادلة وبالإجازات السنوية والأسبوعية وبساعات عمل منصفة وعادلة وبأجور متساوية بين الرجل والمرأة وبظروف عمل إنسانية وغيرها من الامتيازات التي حققها العمال بفضل نضالاتهم وحققتها النقابات كمؤسسة أهلية تمثل هذا القطاع الحيوي بالفكر والساعد.
ثانيا: إن هذه المناسبة التي يحتفى بها سنويا أصبحت ترتبط أيضا بعدد من المشكلات والتحديات الناجمة عن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي بدأت تغير سوق العمل مع هذا التغير بدأ العمال يجدون صعوبات كبيرة وبدأت النقابات تدخل في مواجهات مستمرة خاصة في المجتمعات الأوروبية بوجه خاص من ذلك أن الثورة التكنولوجية والرقمية والذكاء الاصطناعي أدى تدريجيا إلى الاستغناء عن ملايين العمال في مختلف أنحاء العالم بل وسوق العمل بوجه خاص بسبب استخدام التقنيات الحديثة بشكل موسع وجعل الآلة والروبوت تحل محل الإنسان وما كان يقوم به آلاف العمال في المصانع أصبح اليوم يقوم به الروبوت.
ولذلك أصبحت قطاعات واسعة من صناعة السيارات والمركبات بأنواعها والأجهزة الكهربائية والإلكترونية تتيع ذات التوجه مما أدى إلى تقليص أعداد العمال وعدم الحاجة إليهم بفضل ما توفره التقنية الحديثة من بدائل تقلل كلفة الإنتاج وتجعله أكثر جودة مما أدى في نهاية المطاف إلى الاستغناء عن آلاف العمال وتسريحهم فضلا عن عدم الحاجة إلى توظيف أعداد كبيرة من الأيدي العاملة في كل المجالات، وهذا أمر تسبب حتى الآن في غلق الآلاف من المصانع والشركات في معظم البلدان الأوروبية وما رافق ذلك من تسريح مكثف للعمال.
ثالثا: هنالك إشكالية أخرى ترتبط بقطاع العمل في العالم وهي أن معظم العمال الموجودين أصبحوا جزءا لا يتجزأ من المجتمعات الاستهلاكية وأصبحوا مرتبطين عضويا بالاستهلاك وبذلك أصبحت هذه الطبقة التي كنا نطلق عليها الطبقة العاملة أصبحت جزءا لا يتجزأ من بنية الطبقة الرأسمالية ولذلك فإن مصيرها وبقاءها واستمرارها مرتبط باستمرار بنجاح المؤسسات الرأسمالية بالدرجة الأولى.
ولذلك أيضا فإن الحديث عن الطبقة العاملة أو الشغيلة مثلما يطلق عليها في بعض البلدان أصبح يختلف عن الواقع في البلدان الصناعية المتقدمة أما في معظم بلدان العالم الثالث ومنها معظم البلدان العربية فإن المشكلة تتمثل في ملايين المهمشين والعاطلين من العمال وأفواج الخريجين الذين لا يجدون مكانا لهم في سوق العمل بالدرجة الأولى أو في قطاعات واسعة من المشتغلين في أعمال هامشية من دون ضمانات اجتماعية أو صحية أو غيرها.
إن هذه القضايا والتحولات التي أشرنا إلى بعضها تجعل موضوع الاحتفال بعيد العمال مناسبة للمراجعة والدراسة والنظر في طبيعة هذه التحولات في العالم كله وليس في بلداننا العربية فقط فالعالم يتغير والتكنولوجيات الصناعية أصبحت تحل محل الإنسان وبذلك نجد أنفسنا وسوف تجد الأجيال الجديدة في المستقبل نفسها في مواجهة حقائق جديدة ووضع جديد لا تعرف إلى حد الآن كيف ستكون ملامحه.
في نهاية المطاف فإن كل المجتمعات سوف تعيد هندسة سوق العمل وتوزيع الوظائف وقد تصل نسبة العمال في المستقبل ما بين 20 و25% من مجموع قوى الإنتاج وسوف تحل الآلة والروبوتات محل الإنسان في أجزاء من قطاعات معينة وسوف يتراجع مفهوم القوى العاملة كما عرفناه وتربينا عليه كمصطلح في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك