هل حقاً قضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على القانون الدولي؟ سؤال أصبح يُطرح كثيراً في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وأيضا في ظل العدوان الإيراني على دول الخليج العربي. لا شك أنّ ولاية ترامب الثانية ألحقت ضرراً كبيراً بالقانون الدولي، وأحدثت تحوّلاً واضحاً من الدبلوماسية متعدّدة الأطراف إلى نموذج «القوة القسرية» الصّرفة. لكن ترامب كشف، بأسلوبه المنافي للأعراف الدبلوماسية، عن جوهر القانون الدولي، باعتباره نظاماً يقوم بالأساس على علاقات القوة، ويفتقد آلية تنفيذية تجعله انتقائيّاً، ويخضع قبل كل شيء لإرادة الدول التي يُفترض أنه ينظّم سلوكها ويضبط قوّتها.
يُعرَّف القانون الدولي عادةً بأنه مجموعة من القواعد والمعاهدات والاتفاقيات والأعراف والمبادئ التي تنظّم العلاقات بين الدول، وكذلك تفاعلاتها مع المنظمات الدولية والأفراد. وفي أسمى طموحاته يسعى إلى تعزيز السلم، وتنظيم الحرب، وحماية حقوق الإنسان، وتيسير التعاون في مجالات دولية عديدة. ويفترض هذا النظام أيضاً أن تضطلع مؤسّسات دولية مختلفة، تتصدّرها الأمم المتحدة، بحماية هذه المعايير. غير أنّ بنية هذا النظام ترتكز إلى أسس هشّة، تعود بالأساس إلى جذورها الاستعمارية.
نشأ القانون الدولي مشروعاً أوروبيّاً خالصاً، متجذّراً في نظام ما بعد صلح ويستفاليا الذي يدور حول سيادة الدول الأوروبية والانتماء إلى «أسرة الأمم» وفق معايير غربية خالصة، تستبعد المجتمعات التي كانت تعتبرها «غير متحضّرة». لم يتطوّر القانون الدولي على نحوٍ محايد، بل ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجربة الاستعمارية، ما جعله أداة لإضفاء الشرعية على الإمبراطورية، وإقصاء الشعوب المُستعمَرة من صفة الفاعل القانوني، وفرض هياكل غير متكافئة مثل السيادة المنقوصة والمعاهدات القسرية.
ورغم انتهاء عهد الاستعمار المباشر، باستثناء فلسطين، وبروز مؤسّسات دولية مثل الأمم المتحدة التي لم تقم على وَهْم تساوي السيادة بين جميع أعضائها، مازال القانون الدولي يعكس جذوره الاستعمارية في لغته وبنيته ومؤسّساته وممارساته، باعتباره نظاماً تُبلور فيه القوى الغربية المعايير والقواعد التي تظلّ الدول التي كانت خاضعة للاستعمار مقيَّدة بها، ويجري تطبيقه على نحوٍ يستثني مساءلة القوى الغربية وحلفائها. ويوحي هذا التشابك التاريخي بين الغرب والقانون الدولي بأنّ التآكل التدريجي للأخير اليوم مرتبط بالتراجع الذي يشهده النظام الغربي ذاته.
ويمكن الوقوف على الضّرر الذي ألحقه الغرب بالقانون الدولي، أو الأحرى بالقانون الأوروبي الذي جرى تدويله لاحقاً، من خلال قانون الاحتلال الذي وضعت أسسه الدول الأوروبية منذ أواخر القرن الثامن عشر وطوّرته تدريجياً لتنظيم الحروب فيما بينها، مستثنية بذلك مستعمراتها رغم زعمها الاستناد إلى مبادئ إنسانية ومفاهيم جديدة، من قبيل «سيادة الشعوب» و«تقرير المصير» و«حماية المدنيين» صقلتها لاحقاً لوائح لاهاي ثم اتفاقية جنيف الرابعة. وينصّ قانون الاحتلال على أنّ الإقليم يُعدّ محتلاً عندما يخضع فعلياً تحت سلطة جيش العدو، ولا تكتسب دولة الاحتلال السيادة على الإقليم المُحتلّ، بل تُلزَم باحترام القوانين والمؤسسات القائمة فيه، على أساس أن الاحتلال وضعٌ مؤقت.
بعد تدويل قواعد قانون الاحتلال وعولمتها في النصف الثاني من القرن العشرين في سياق الدبلوماسية متعدّدة الأطراف، اتضح أن سريانها محدود على الدول الغربية وأقرب حلفائها. هذا ما كشفه الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لفلسطين الذي ترعاه الدول الغربية. وفي فبراير 2024 عقدت محكمة العدل الدولية جلسات استماع بشأن لا شرعية الاحتلال الإسرائيلي الأراضي الفلسطينية منذ أزيد من 57 عاماً، ورفض ممثلو أمريكا وبريطانيا وألمانيا والمجر أحكام قانون الاحتلال دعماً للاحتلال الإسرائيلي، رافضين الدعوة إلى انسحابه الفوري وغير المشروط الذي كانت تطالب به حوالي 50 دولة، في أوسع مشاركة في أيّ إجراء أمام المحكمة منذ 1946.
وفي غزّة برز زيف الرعاية الغربية للقانون الدولي خلال الإبادة الجماعية التي شاركت فيها واشنطن، ودافعت عنها دول غربية عدّة بدعوى حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، وعجزت محكمة العدل الدولية عن وقفها، وقد تستغرق المحكمة سنوات قبل أن تصدر حكمها الذي سيُضاف إلى قائمة الأحكام والقرارات غير القابلة للتنفيذ لافتقاد نظام القانون الدولي آلية التنفيذ، واستمرار إسرائيل في نسف أسسه ومصداقيته.
ليست مواضع الخلل في نظام القانون الدولي عَرَضية، بل هي بنيوية تعود لكونه صُمّم ليسمح للقوى العظمى بتقويض أسس القانون الدولي نفسه، فالنظام الذي رعته أمريكا وحلفاؤها بعد الحرب العالمية الثانية ورسخته في ميثاق الأمم المتحدة حظر حروب العدوان ورفع شعار مبدأ المساواة بين الدول في السيادة، لكنه، في الوقت نفسه، رسّخ اللامساواة عبر آلية حق النقض التي منحها للحلفاء المنتصرين، ليعبثوا بمصداقية مجلس الأمن الذي تعتبر قراراته أحد أهم مصادر القانون الدولي. لم تكن هذه الآلية ثغرة في النظام الدولي، بل استمراراً لمنطقٍ يعود إلى جذوره الاستعمارية، يأبى إلّا أن يضع ضوابط لتقييد القوّة، بل يخضع لها ويتكيّف معها.
طوال العقود الثمانية من عمر الأمم المتحدة تآكل القانون الدولي من فرط اختراقه من الخمس الكبار وحلفائهم، ودول حذت حذوهم، ثم راحت أمريكا تخترع في التسعينيّات مفهوم «النظام القائم على القواعد»، مرادفاً لقانون دولي لم تعتدّ به منذ البداية، نظراً إلى امتناعها عن الانضمام إلى عدد كبير من أبرز المعاهدات الدولية، وحرصها على البقاء خارج نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، وقد تخلّى ترامب عن أي غطاء قانوني جملة وتفصيلاً، معترفاً لصحيفة نيويورك تايمز بصراحة بأنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، وأن سلطته لا تقيّدها سوى «أخلاقه الخاصة».
ثم يبدو من السابق لأوانه إعلان موت القانون الدولي، ما دامت الأطر القانونية الدولية تعمل بقدر معقول من الفاعلية في مجالات عديدة، تشمل التجارة والطيران وتنظيم الملاحة البحرية، على عكس القضايا المتعلقة بالحرب والاحتلال وتنافس القوى الكبرى التي تقلّصت فيها قدرة القانون الدولي على ضبط سلوك الدول. ويوحي هذا أنّ القانون الدولي باقٍ، لكن سلطته غير متكافئة، وإنفاذه انتقائي، ويخضع حالياً لمراجعات ستعكس ميزان القوى الذي سيتمخض عن التغيّرات الجارية في النظام العالمي.
{ كاتبة وإعلامية مغربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك