العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٢ - الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

جذور العنصرية في المجتمع الأمريكي

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

السبت ٠٢ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

وجّه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬إهانة‭ ‬لاذعة‭ ‬إلى‭ ‬قاضية‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬ذات‭ ‬البشرة‭ ‬السوداء‭ ‬كيتانجي‭ ‬براون‭ ‬جاكسون،‭ ‬استخدم‭ ‬فيها‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬عنصرية‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬أنصار‭ ‬تفوق‭ ‬العرق‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬المعروف‭ ‬عن‭ ‬كيتانجي‭ ‬براون‭ ‬أنها‭ ‬أول‭ ‬امرأة‭ ‬سوداء‭ ‬تتولى‭ ‬عضوية‭ ‬أعلى‭ ‬هيئة‭ ‬قضائية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقد‭ ‬هاجمها‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬عنيفة‭ ‬كان‭ ‬ينتقد‭ ‬فيها‭ ‬أعضاء‭ ‬المحكمة‭ ‬الذين‭ ‬أصدروا‭ ‬قرارات‭ ‬وأحكامًا‭ ‬لا‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحته‭.‬

أهان‭ ‬ترامب‭ ‬كيتانجي‭ ‬براون‭ ‬عبر‭ ‬منصته‭ ‬‮«‬تروث‭ ‬سوشال‮»‬‭ ‬في‭ ‬سخرية‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬القضاة‭ ‬التقدميين‭ ‬يصوتون‭ ‬دائمًا‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‭ ‬كجبهة‭ ‬واحدة‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الجديدة‭ ‬السوداء‭ ‬ذات‭ (‬الذكاء‭ ‬المنخفض‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬بالضبط‭ ‬كيف‭ ‬تسنى‭ ‬لها‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬القضاء؟‮»‬‭. ‬قطعًا‭ ‬كان‭ ‬ترامب‭ ‬يقصد‭ ‬بعبارته‭ ‬كيتانجي‭ ‬براون‭ ‬فهي‭ ‬أحدث‭ ‬القضاة‭ ‬تعيينًا‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا،‭ ‬وكان‭ ‬تعيينها‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭.‬

وفي‭ ‬اليوم‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬أهانها‭ ‬فيه‭ ‬كتب‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬منشور‭ ‬مفصل‭ ‬على‭ ‬منصته‭ ‬عبارة‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬يعلم‭ ‬الجميع‭ ‬أنني‭ ‬شخص‭ ‬فائق‭ ‬الذكاء‭ ‬وبصورة‭ ‬غير‭ ‬عادية‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬ترامب‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬في‭ ‬هجومه‭ ‬على‭ ‬خصومه؛‭ ‬إذ‭ ‬أفرد‭ ‬قائمة‭ ‬طويلة‭ ‬بأسمائهم،‭ ‬وانبرى‭ ‬يسدد‭ ‬لهم‭ ‬إهاناته‭ ‬العنصرية‭ ‬المهينة،‭ ‬مستندًا‭ ‬فيها‭ ‬بصفة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬‮«‬معامل‭ ‬الذكاء‮»‬‭ ‬لديهم‭ ‬مقارنة‭ ‬‮«‬بذكائه‭ ‬النادر‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭! ‬وتضم‭ ‬قائمته‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬شخصيات‭ ‬سوداء‭ ‬البشرة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الأقليات‭ ‬العرقية،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬النساء‭!‬

طالت‭ ‬هجمات‭ ‬ترامب‭ ‬وإهاناته‭ ‬شخصيات‭ ‬بيضاء‭ ‬أيضًا،‭ ‬ولكن‭ ‬بوتيرة‭ ‬أقل،‭ ‬مثل‭ ‬المعلّق‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف‭ ‬تاكر‭ ‬كارلسون،‭ ‬ومارجريت‭ ‬تايلور‭ ‬جرين،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬أنصاره‭ ‬تحمسًا‭ ‬له‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ناقدة‭ ‬شرسة‭ ‬له‭ ‬ولسياساته‭.‬

والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬استهدافه‭ ‬للأمريكيين‭ ‬يكثف‭ ‬هجومه‭ ‬العنيف‭ ‬اللاذع‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬خطبه‭ ‬وأحاديثه‭ ‬على‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬الإفريقية‭ ‬أو‭ ‬اللاتينية‭ ‬أو‭ ‬العربية،‭ ‬وقد‭ ‬علقت‭ ‬على‭ ‬خطب‭ ‬ترامب‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كارين‭ ‬فاسبي‭ ‬أندرسون،‭ ‬وهي‭ ‬أستاذة‭ ‬علم‭ ‬الاتصال‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كولورادو‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬أدلت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الفرنسية‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬درج‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬جل‭ ‬خطبه‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬لغة‭ ‬عنصرية‭ ‬مشفّرة‭ ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬فخلال‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬كان‭ ‬الرجال‭ ‬البيض‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬ينطلقون‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬تفوقهم‭ ‬المعرفي‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬والأشخاص‭ ‬الملونين‭ ‬وأنهم‭ ‬مكلفون‭ ‬بتفويض‭ ‬إلهي‭ ‬بقيادة‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬العنصرية‭ ‬تغذت‭ ‬على‭ ‬نظريات‭ ‬زائفة‭ ‬علميًا،‭ ‬وأثبت‭ ‬العلماء،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالًا‭ ‬للشك،‭ ‬بطلانها،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬لها‭ ‬أنصار‭ ‬يعتنقونها‭ ‬من‭ ‬الجمهوريين‭ ‬المتطرفين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1994‭ ‬نُشر‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كتاب‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬The‭ ‬Bell‭ ‬Curve‭ (‬منحنى‭ ‬الجرس‭)‬‮»‬‭ ‬لمؤلفيه‭ ‬ريتشارد‭ ‬هيرنشتاين‭ ‬وتشارلز‭ ‬موراى،‭ ‬والعنوان‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬إحصائي‭ ‬معروف‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬جرس‭ ‬تتوزع‭ ‬فيه‭ ‬معدلات‭ ‬وقيم‭ ‬الذكاء‭ ‬بحيث‭ ‬تظهر‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬وتتناقص‭ ‬قيم‭ ‬الذكاء‭ ‬تدريجيًا‭ ‬على‭ ‬جانبيه‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬توزع‭ ‬الذكاء‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬واختلاف‭ ‬معدله‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬منهم‭.‬

ورغم‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬الفكرة‭ ‬المحورية‭ ‬للكتاب‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الجينية‭ ‬معيارًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬للفوارق‭ ‬الطبقية‭ ‬والعرقية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬انحراف‭ ‬علمي‭ ‬وتهور‭ ‬لا‭ ‬أخلاقي،‭ ‬فإن‭ ‬شبهة‭ ‬العلمية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬ملاحقه‭ ‬الإحصائية‭ ‬وغزارة‭ ‬حواشيه‭ ‬ومراجعه‭ ‬التي‭ ‬حرص‭ ‬المؤلفان‭ ‬على‭ ‬إيرادها‭ ‬بكتابهما‭ ‬أتاحت‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتصدر‭ ‬قائمة‭ ‬الكتب‭ ‬الأكثر‭ ‬مبيعًا‭ ‬لبضعة‭ ‬شهور،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الكتاب‭ ‬قد‭ ‬أتى‭ ‬بأفكار‭ ‬تشبع‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬رغبة‭ ‬دفينة‭ ‬لدى‭ ‬دعاة‭ ‬الليبرالية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

ولكي‭ ‬يضفي‭ ‬المؤلفان‭ ‬صبغة‭ ‬شرعية‭ ‬على‭ ‬ادعاءاتهما‭ ‬استندا‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬قديمة‭ ‬كانت‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التفاوتات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬عملية‭ ‬طبيعية‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منها‭.‬

بيد‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬كاد‭ ‬يمضي‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬منحنى‭ ‬الجرس‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬أعدت‭ ‬مجموعة‭ ‬بارزة‭ ‬من‭ ‬الأكاديميين‭ ‬وكبار‭ ‬العلماء‭ ‬بجامعة‭ ‬بيركلي‭ ‬بحثًا‭ ‬علميًا‭ ‬رصينًا‭ ‬عنوانه‭ ‬Inequality‭ ‬by‭ ‬Design‮»»‬‭ (‬اللامساواة‭ ‬المصنوعة‭) ‬دحضوا‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬الادعاءات‭ ‬العنصرية‭ ‬لمؤلفي‭ ‬الكتاب‭ ‬وأوردوا‭ ‬في‭ ‬بحثهم‭ ‬العلمي‭ ‬تحليلًا‭ ‬عقلانيًا‭ ‬معمقًا‭ ‬لمصادر‭ ‬التفاوت‭ ‬البنيوية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬كاشفين‭ ‬في‭ ‬ثناياه‭ ‬العنصرية‭ ‬المتأصلة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭ ‬والكراهية‭ ‬الدفينة‭ ‬التي‭ ‬تولدت‭ ‬منها‭ ‬تجاه‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭.‬

وقد‭ ‬سبق‭ ‬للفيلسوف‭ ‬المصري‭ ‬الدكتور‭ ‬مراد‭ ‬وهبة‭ ‬أن‭ ‬طالب‭ ‬بحذف‭ ‬لفظة‭ ‬‮«‬الذكاء‮»‬‭ ‬من‭ ‬القاموس‭ ‬العلمي‭ ‬عند‭ ‬تناوله‭ ‬إشكالية‭ ‬الإبداع‭ ‬بوصفه‭ ‬قدرة‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬علاقات‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬الأشياء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعنى‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬البشرى‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬في‭ ‬مدلوله‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬إعمال‭ ‬العقل،‭ ‬وأن‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬معامل‭ ‬الذكاء‭ ‬لدى‭ ‬شخصين‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر‭ ‬سوى‭ ‬الاختلاف‭ ‬بينهما‭ ‬في‭ ‬استعداد‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬لإعمال‭ ‬عقله‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإبداع‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا