وجّه الرئيس الأمريكي خلال الأسبوع الماضي إهانة لاذعة إلى قاضية المحكمة العليا ذات البشرة السوداء كيتانجي براون جاكسون، استخدم فيها صورة نمطية عنصرية متجذرة في وعي أنصار تفوق العرق الأبيض في الولايات المتحدة. المعروف عن كيتانجي براون أنها أول امرأة سوداء تتولى عضوية أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، وقد هاجمها دونالد ترامب في رسالة عنيفة كان ينتقد فيها أعضاء المحكمة الذين أصدروا قرارات وأحكامًا لا تصب في مصلحته.
أهان ترامب كيتانجي براون عبر منصته «تروث سوشال» في سخرية بقوله: «إن القضاة التقدميين يصوتون دائمًا بشكل جماعي كجبهة واحدة حتى هذه الشخصية الجديدة السوداء ذات (الذكاء المنخفض) التي لا أحد يعرف بالضبط كيف تسنى لها الجلوس على منصة القضاء؟». قطعًا كان ترامب يقصد بعبارته كيتانجي براون فهي أحدث القضاة تعيينًا في المحكمة العليا، وكان تعيينها بقرار من الرئيس السابق جو بايدن.
وفي اليوم ذاته الذي أهانها فيه كتب ترامب في منشور مفصل على منصته عبارة تقول: «يعلم الجميع أنني شخص فائق الذكاء وبصورة غير عادية». لم يقف ترامب عند هذا الحد في هجومه على خصومه؛ إذ أفرد قائمة طويلة بأسمائهم، وانبرى يسدد لهم إهاناته العنصرية المهينة، مستندًا فيها بصفة أساسية على انخفاض «معامل الذكاء» لديهم مقارنة «بذكائه النادر»، كما يقول عن نفسه! وتضم قائمته في معظمها شخصيات سوداء البشرة أو من الأقليات العرقية، وغالبًا ما تكون من النساء!
طالت هجمات ترامب وإهاناته شخصيات بيضاء أيضًا، ولكن بوتيرة أقل، مثل المعلّق اليميني المتطرف تاكر كارلسون، ومارجريت تايلور جرين، التي كانت من أشد أنصاره تحمسًا له قبل أن تتحول إلى ناقدة شرسة له ولسياساته.
والملاحظ أن ترامب في استهدافه للأمريكيين يكثف هجومه العنيف اللاذع في أغلب خطبه وأحاديثه على ذوي الأصول الإفريقية أو اللاتينية أو العربية، وقد علقت على خطب ترامب الباحثة الأمريكية كارين فاسبي أندرسون، وهي أستاذة علم الاتصال في جامعة كولورادو في حديث أدلت به إلى وكالة الأنباء الفرنسية قائلة: «درج الرئيس الأمريكي في جل خطبه على استخدام لغة عنصرية مشفّرة لها تاريخ طويل في الولايات المتحدة. فخلال الحقبة الاستعمارية كان الرجال البيض من النخب ينطلقون من فرضية تفوقهم المعرفي على النساء والأشخاص الملونين وأنهم مكلفون بتفويض إلهي بقيادة العالم».
ورغم أن هذه الأيديولوجيا العنصرية تغذت على نظريات زائفة علميًا، وأثبت العلماء، بما لا يدع مجالًا للشك، بطلانها، فإنه لا يزال لها أنصار يعتنقونها من الجمهوريين المتطرفين في الولايات المتحدة. ففي عام 1994 نُشر في الولايات المتحدة كتاب عنوانه «The Bell Curve (منحنى الجرس)» لمؤلفيه ريتشارد هيرنشتاين وتشارلز موراى، والعنوان يشير إلى شكل إحصائي معروف على هيئة جرس تتوزع فيه معدلات وقيم الذكاء بحيث تظهر القمة في الوسط وتتناقص قيم الذكاء تدريجيًا على جانبيه للدلالة على توزع الذكاء على البشر واختلاف معدله لدى كل منهم.
ورغم ما تنطوي عليه الفكرة المحورية للكتاب التي تتخذ من العوامل الجينية معيارًا جوهريًا للفوارق الطبقية والعرقية في الولايات المتحدة من انحراف علمي وتهور لا أخلاقي، فإن شبهة العلمية المتمثلة في كثرة ملاحقه الإحصائية وغزارة حواشيه ومراجعه التي حرص المؤلفان على إيرادها بكتابهما أتاحت له أن يتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعًا لبضعة شهور، وخاصة أن الكتاب قد أتى بأفكار تشبع إلى حد كبير رغبة دفينة لدى دعاة الليبرالية الاقتصادية في الولايات المتحدة.
ولكي يضفي المؤلفان صبغة شرعية على ادعاءاتهما استندا فيه إلى فكرة قديمة كانت شائعة في الولايات المتحدة مفادها أن التفاوتات الاجتماعية هي نتيجة عملية طبيعية لا مفر منها.
بيد أنه ما كاد يمضي عام على ظهور كتاب «منحنى الجرس» حتى أعدت مجموعة بارزة من الأكاديميين وكبار العلماء بجامعة بيركلي بحثًا علميًا رصينًا عنوانه Inequality by Design»» (اللامساواة المصنوعة) دحضوا فيه كل الادعاءات العنصرية لمؤلفي الكتاب وأوردوا في بحثهم العلمي تحليلًا عقلانيًا معمقًا لمصادر التفاوت البنيوية في المجتمع الأمريكي كاشفين في ثناياه العنصرية المتأصلة في أعماق المجتمع الأمريكي والكراهية الدفينة التي تولدت منها تجاه الشعوب الأخرى.
وقد سبق للفيلسوف المصري الدكتور مراد وهبة أن طالب بحذف لفظة «الذكاء» من القاموس العلمي عند تناوله إشكالية الإبداع بوصفه قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة بين الأشياء، وهو ما يعنى أن الذكاء البشرى لا يختلف في مدلوله عن مفهوم إعمال العقل، وأن الاختلاف في معامل الذكاء لدى شخصين لا يعنى شيئًا آخر سوى الاختلاف بينهما في استعداد كل منهما لإعمال عقله من أجل الإبداع.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك