العدد : ١٧٥٧٤ - الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٤ - الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الصحافة في زمن الصورة المصنوعة

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٠٥ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬نعد‭ ‬نسأل‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬حقيقي؟‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬تغيَّر‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالحقيقة،‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬فجأة،‭ ‬تسلّل‭ ‬ببطء‭ ‬صورةً‭ ‬بعد‭ ‬صورة،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أريحَ‭ ‬من‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬تحديداً،‭ ‬حيث‭ ‬تنتشر‭ ‬الصورة‭ ‬المصنوعة‭ ‬وتُدمّر‭ ‬سمعة‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬دقائق،‭ ‬نقف‭ ‬أمام‭ ‬يوم‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬لنكتشف‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬الصحفي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الخطر‭ ‬الوحيد،‭ ‬فائض‭ ‬الكلام‭ ‬الكاذب‭ ‬خطر‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭.‬

وهذا‭ ‬الفائض‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬الكاذب‭ ‬يأتي‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬لم‭ ‬نتوقعه‭. ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يكذب‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭. ‬يأخذ‭ ‬وجهاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬ويضعه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬يُنتج‭ ‬مقطعاً‭ ‬لم‭ ‬يُصور،‭ ‬ويكتب‭ ‬اعترافاً‭ ‬لم‭ ‬يُقَل‭. ‬والنتيجة‭ ‬إنسان‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬متهماً‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يفعل،‭ ‬ومحاصراً‭ ‬بدليل‭ ‬لم‭ ‬يوجد‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬افتراضاً‭ ‬نظرياً‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وحدها،‭ ‬انتشرت‭ ‬عشرات‭ ‬الفيديوهات‭ ‬المزيفة‭ ‬التي‭ ‬أظهرت‭ ‬مسؤولين‭ ‬يدلون‭ ‬بتصريحات‭ ‬لم‭ ‬يقولوها،‭ ‬بجودة‭ ‬خدعت‭ ‬حتى‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭. ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬خطيراً‭ ‬هو‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتوقف‭ ‬ليسأل‭.‬

الصحفي‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬كاميرته‭ ‬ويذهب‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تُصنع‭ ‬الأحداث‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬شيئاً‭ ‬لا‭ ‬تملكه‭ ‬أي‭ ‬تقنية،‭ ‬شهادة‭ ‬حية‭. ‬ولأن‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬تؤلم‭ ‬أحياناً‭ ‬من‭ ‬يُصوَّرون‭ ‬فيها،‭ ‬صار‭ ‬الصحفي‭ ‬هدفاً،‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭. ‬الحقيقة‭ ‬حين‭ ‬تهدد،‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يختفي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يرويها‭.‬

والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬تملأ‭ ‬فيها‭ ‬الآلة‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬يتركه‭ ‬غياب‭ ‬الصحفي‭. ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يُنتج،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يُفرّق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُقال‭ ‬وما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُتحقق‭ ‬منه‭. ‬لا‭ ‬يحس‭ ‬بثقل‭ ‬الكلمة‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬تمسّه،‭ ‬ولا‭ ‬يتردد‭ ‬حين‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬النشر‭ ‬سيؤذي‭ ‬بريئاً‭. ‬الصحفي‭ ‬يُستهدف‭ ‬لأنه‭ ‬يوثّق،‭ ‬والآلة‭ ‬تنتشر‭ ‬لأن‭ ‬أحداً‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭.‬

إن‭ ‬الصحفي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يحمل‭ ‬شيئاً‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الخوارزمية‭ ‬أن‭ ‬تحمله،‭ ‬ضميراً‭ ‬حياً‭. ‬يعرف‭ ‬متى‭ ‬يتوقف،‭ ‬ومتى‭ ‬تكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُنشر‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭. ‬يحس‭ ‬بالإنسان‭ ‬خلف‭ ‬الخبر،‭ ‬ويتذكر‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يكتبه‭ ‬سيغير‭ ‬حياة‭ ‬أحدهم‭. ‬وفي‭ ‬زمن‭ ‬تتسابق‭ ‬فيه‭ ‬الصور‭ ‬المزيفة‭ ‬على‭ ‬تشويه‭ ‬الأبرياء،‭ ‬هذا‭ ‬وحده‭ ‬يجعله‭ ‬لا‭ ‬يُعوَّض‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الثمن‭ ‬لا‭ ‬يتساوى‭ ‬بين‭ ‬الجميع‭. ‬ففي‭ ‬منطقتنا‭ ‬العربية‭ ‬تحديداً،‭ ‬الصحفية‭ ‬المرأة‭ ‬تدفع‭ ‬ثمناً‭ ‬مضاعفاً‭. ‬الصورة‭ ‬المزيفة‭ ‬تجد‭ ‬فيها‭ ‬هدفاً‭ ‬أسهل،‭ ‬لأن‭ ‬تشويه‭ ‬سمعة‭ ‬امرأة‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭. ‬يكفي‭ ‬مقطع‭ ‬مختلق‭ ‬أو‭ ‬اقتباس‭ ‬ملفق‭ ‬ليُحوّل‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬مضمون‭ ‬ما‭ ‬تكتبه‭ ‬إلى‭ ‬شخصها‭. ‬السلاح‭ ‬الرقمي‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يستهدف‭ ‬رأيها،‭ ‬يستهدف‭ ‬حضورها‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تواصل‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬دائماً‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬يصله‭ ‬زميلها،‭ ‬وقد‭ ‬أنفقت‭ ‬نصف‭ ‬طاقتها‭ ‬في‭ ‬دحض‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تفعله‭. ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬مرتين،‭ ‬تزن‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬تنشرها،‭ ‬وتحسب‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضغط‭ ‬بالنشر‭. ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬أقل‭ ‬جرأة،‭ ‬لأن‭ ‬هامش‭ ‬الخطأ‭ ‬المسموح‭ ‬لها‭ ‬به‭ ‬أضيق‭. ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬المضاعف‭ ‬الصامت‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬المنشور،‭ ‬لكنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ثمن‭ ‬الكتابة‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬الكاتبة‭.‬

الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬منح‭ ‬الجميع‭ ‬منبراً،‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬ليس‭ ‬مشكلة‭. ‬المشكلة‭ ‬حين‭ ‬يختلط‭ ‬الناشط‭ ‬بالصحفي‭ ‬في‭ ‬أذهاننا،‭ ‬فنمنح‭ ‬الرأي‭ ‬مصداقية‭ ‬الخبر‭ ‬والموقف‭ ‬وزن‭ ‬التحقيق‭. ‬الصحفي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬الحدث‭ ‬ليرى،‭ ‬الناشط‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬ليثبت‭ ‬ما‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬مسبقاً‭. ‬الفارق‭ ‬دقيق‭ ‬لكنه‭ ‬جوهري،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬يقبل‭ ‬أن‭ ‬يخيب‭ ‬ظنه،‭ ‬ومن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬التأكيد‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يريد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الخلط‭ ‬تحديداً‭ ‬تجد‭ ‬الصورة‭ ‬المزيفة‭ ‬أرضها‭ ‬الخصبة‭.‬

ربما‭ ‬لم‭ ‬نفكر‭ ‬يوماً‭ ‬أننا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نستهدف‭ ‬أحداً‭ ‬ولا‭ ‬نريد‭ ‬الإساءة،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تصلنا‭ ‬الصورة‭ ‬المثيرة‭ ‬نشاركها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭. ‬وبهذه‭ ‬البساطة‭ ‬نصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬التضليل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ندري‭. ‬التضليل‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬نية،‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬مجرد‭ ‬ناقلين‭. ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬بتكريم‭ ‬من‭ ‬دفعوا‭ ‬الثمن،‭ ‬يكتمل‭ ‬حين‭ ‬نقرر‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬قراءً‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭ ‬ومسؤولية‭.‬

في‭ ‬البداية‭ ‬قلنا‭ ‬إننا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نسأل‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬حقيقي‭. ‬ربما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتغيير،‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬لنسأل‭. ‬لأن‭ ‬التوقف‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬قبل‭ ‬التصديق‭ ‬صار‭ ‬فعلاً‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جرأة‭. ‬والصحافة‭ ‬الحرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬سوى‭ ‬هذه‭ ‬الجرأة‭ ‬بعينها‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا