لم نعد نسأل: هل هذا حقيقي؟ شيء ما تغيَّر في علاقتنا بالحقيقة، لم يتغير فجأة، تسلّل ببطء صورةً بعد صورة، حتى أصبح التشكيك في كل شيء أريحَ من التحقق من أي شيء. في هذا المناخ تحديداً، حيث تنتشر الصورة المصنوعة وتُدمّر سمعة إنسان في دقائق، نقف أمام يوم حرية الصحافة هذا العام لنكتشف أن استهداف الصحفي لم يعد الخطر الوحيد، فائض الكلام الكاذب خطر من نوع آخر.
وهذا الفائض من الكلام الكاذب يأتي اليوم من مكان لم نتوقعه. الذكاء الاصطناعي لا يكذب بالطريقة التي نعرفها. يأخذ وجهاً حقيقياً ويضعه في سياق لم يحدث، يُنتج مقطعاً لم يُصور، ويكتب اعترافاً لم يُقَل. والنتيجة إنسان يجد نفسه متهماً بما لم يفعل، ومحاصراً بدليل لم يوجد.
لم يكن هذا افتراضاً نظرياً – في خضم التوترات الإقليمية في الفترة الأخيرة وحدها، انتشرت عشرات الفيديوهات المزيفة التي أظهرت مسؤولين يدلون بتصريحات لم يقولوها، بجودة خدعت حتى بعض وسائل الإعلام. ما يجعل هذا خطيراً هو الجمهور الذي لم يعد يتوقف ليسأل.
الصحفي الذي يحمل كاميرته ويذهب إلى حيث تُصنع الأحداث يحمل معه شيئاً لا تملكه أي تقنية، شهادة حية. ولأن هذه الشهادة تؤلم أحياناً من يُصوَّرون فيها، صار الصحفي هدفاً، وجوده في المكان وحده يكفي. الحقيقة حين تهدد، أول ما يختفي هو من يرويها.
والمفارقة أن هذا يحدث في اللحظة ذاتها التي تملأ فيها الآلة الفراغ الذي يتركه غياب الصحفي. الذكاء الاصطناعي يُنتج، لكنه لا يُفرّق بين ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُتحقق منه. لا يحس بثقل الكلمة على من تمسّه، ولا يتردد حين يعلم أن النشر سيؤذي بريئاً. الصحفي يُستهدف لأنه يوثّق، والآلة تنتشر لأن أحداً لا يتحقق.
إن الصحفي الحقيقي يحمل شيئاً لا تستطيع الخوارزمية أن تحمله، ضميراً حياً. يعرف متى يتوقف، ومتى تكون الحقيقة أثقل من أن تُنشر بهذه الطريقة أو في هذا التوقيت. يحس بالإنسان خلف الخبر، ويتذكر أن ما يكتبه سيغير حياة أحدهم. وفي زمن تتسابق فيه الصور المزيفة على تشويه الأبرياء، هذا وحده يجعله لا يُعوَّض.
إن هذا الثمن لا يتساوى بين الجميع. ففي منطقتنا العربية تحديداً، الصحفية المرأة تدفع ثمناً مضاعفاً. الصورة المزيفة تجد فيها هدفاً أسهل، لأن تشويه سمعة امرأة لا يحتاج إلى كثير. يكفي مقطع مختلق أو اقتباس ملفق ليُحوّل النقاش من مضمون ما تكتبه إلى شخصها. السلاح الرقمي هنا لا يستهدف رأيها، يستهدف حضورها.
ومع ذلك تواصل. لكن ما لا يُقال دائماً هو أنها تصل إلى المكان ذاته الذي يصله زميلها، وقد أنفقت نصف طاقتها في دحض ما لم تفعله. تتحقق من كل كلمة مرتين، تزن كل صورة تنشرها، وتحسب ردود الفعل قبل أن تضغط بالنشر. ليس لأنها أقل جرأة، لأن هامش الخطأ المسموح لها به أضيق. هذا الجهد المضاعف الصامت لا يظهر في المقال المنشور، لكنه جزء من ثمن الكتابة حين تكون المرأة هي الكاتبة.
الفضاء الرقمي منح الجميع منبراً، وهذا في حد ذاته ليس مشكلة. المشكلة حين يختلط الناشط بالصحفي في أذهاننا، فنمنح الرأي مصداقية الخبر والموقف وزن التحقيق. الصحفي الحقيقي يذهب إلى الحدث ليرى، الناشط يذهب إليه ليثبت ما يؤمن به مسبقاً. الفارق دقيق لكنه جوهري، لأن من يبحث عن الحقيقة يقبل أن يخيب ظنه، ومن يبحث عن التأكيد لا يرى إلا ما يريد. وفي هذا الخلط تحديداً تجد الصورة المزيفة أرضها الخصبة.
ربما لم نفكر يوماً أننا جزء من هذه المعادلة. نحن لا نستهدف أحداً ولا نريد الإساءة، لكن حين تصلنا الصورة المثيرة نشاركها قبل أن نسأل. وبهذه البساطة نصبح جزءاً من دورة التضليل دون أن ندري. التضليل لا يحتاج دائماً إلى نية، يكفي أن نكون مجرد ناقلين. ومعنى هذا اليوم لا يكتمل بتكريم من دفعوا الثمن، يكتمل حين نقرر أن نكون قراءً أكثر وعياً ومسؤولية.
في البداية قلنا إننا لم نعد نسأل هل هذا حقيقي. ربما هذا هو المدخل الحقيقي للتغيير، أن نعود لنسأل. لأن التوقف لحظة واحدة قبل التصديق صار فعلاً يحتاج إلى جرأة. والصحافة الحرة لم تكن يوماً سوى هذه الجرأة بعينها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك