العدد : ١٧٥٧٥ - الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٥ - الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

التحديات الاقتصادية والأزمات الجيوسياسية في المنطقة

بقلم: ماهر الشريف

الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬تزال‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتتالية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬سواء‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬المنطقة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتضح‭ ‬ملامح‭ ‬تسويتها‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬تقدم‭ ‬دروسًا‭ ‬تتخطى‭ ‬مجرد‭ ‬رصد‭ ‬الظواهر‭ ‬والتداعيات‭ ‬على‭ ‬الأسواق،‭ ‬حيث‭ ‬تستدعي‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وسياسات‭ ‬مختلفة‭ ‬قد‭ ‬تمسّ‭ ‬الثوابت‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬استقر‭ ‬عليها‭ ‬تقسيم‭ ‬الأدوار‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬لتمثل‭ ‬تحديات‭ ‬للسياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الناشئة،‭ ‬ويمكن‭ ‬رصد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬المؤثرة‭ ‬على‭ ‬توجهات‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نورد‭ ‬بعضًا‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬وليس‭ ‬الحصر‭ ‬كما‭ ‬يلى‭:‬

التداعيات‭ ‬الجيواقتصادية‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬مضطرب‭:‬

أثبتت‭ ‬الأحداث‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تتزايد‭ ‬فيها‭ ‬التقلبات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬عن‭ ‬غيرها،‭ ‬وتعد‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬أوضح‭ ‬وأكثر‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تتوالى‭ ‬عليها‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المسببة‭ ‬لتداعيات‭ ‬جيواقتصادية‭.‬

ولا‭ ‬تستند‭ ‬هذه‭ ‬التقلبات‭ ‬المتكررة‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاعات‭ ‬السياسية‭ ‬المزمنة‭ ‬بها‭ ‬فقط‭ ‬ولكن‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬هذه‭ ‬البقعة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬مؤثرة‭ ‬تجعلها‭ ‬رقمًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ومسرحًا‭ ‬للتنافس‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ (‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مسارات‭ ‬التجارة‭ ‬وخطوط‭ ‬البيانات‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬والبرية‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭.. ‬إلخ‭). ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬يكتسب‭ ‬امتلاك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لاحتياطيات‭ ‬طاقة‭ ‬أهميته‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬موردًا‭ ‬ماليًا‭ ‬لخطط‭ ‬التنمية‭ ‬بهذه‭ ‬الدول‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬أهميته‭ ‬كمؤثر‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إنتاجًا‭ ‬واستهلاكًا‭ ‬وتسعيرًا‭ ‬مما‭ ‬ينعكس‭ ‬قطعًا‭ ‬على‭ ‬مكونات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلى‭ ‬للاقتصاديات‭ ‬العالمية‭ ‬المتقدمة‭ ‬والناشئة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المنطقة‭ ‬مرشحة‭ ‬بقوة‭ ‬لصراعات‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وما‭ ‬يتخللها‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬جيوسياسية‭.‬

لذا‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬واضعي‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ (‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الناشئة‭) ‬عدم‭ ‬اعتبار‭ ‬التقلبات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬حدثًا‭ ‬مستحدثًا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬قراءة‭ ‬السلسلة‭ ‬الزمنية‭ ‬الممتدة‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬للأحداث‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وما‭ ‬يتبعها‭ ‬من‭ ‬تغيرات‭ ‬جيواقتصادية‭. ‬ويستدعي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المتكرر‭ (‬في‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬متقاربة‭ ‬مؤخرًا‭) ‬ضرورة‭ ‬التعامل‭ ‬بمنطق‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬ليستبق‭ ‬ويخفف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الصدمات،‭ ‬وعدم‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬الذى‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التداعيات‭ ‬الآنية‭ ‬لأحداث‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬طرفًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬فيها،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬تجنب‭ ‬التأثر‭ ‬بها‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬استباق‭ ‬تقدير‭ ‬وإدارة‭ ‬مخاطرها‭ ‬الاقتصادية‭.‬

التحوط‭ ‬ومعالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭:‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬التحوط‭ ‬وقيام‭ ‬الاقتصاديات‭ (‬خاصة‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬تتكرر‭ ‬بها‭ ‬الأزمات‭) ‬بتبني‭ ‬سياسات‭ ‬تعزز‭ ‬حالة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬كأولوية‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي‭ ‬تتعدى‭ ‬مواجهة‭ ‬التداعيات‭ ‬لتتجه‭ ‬نحو‭ ‬معالجة‭ ‬مواطن‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭. ‬وإذا‭ ‬أخذنا‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬مثالًا‭ ‬لهذا‭ ‬الطرح،‭ ‬فإن‭ ‬تأثر‭ ‬مسارات‭ ‬التجارة‭ ‬بسبب‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬يؤثر‭ ‬قطعًا‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬مما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬عوائد‭ ‬صادرات‭ ‬الدول‭ ‬المتأثرة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬موارد‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬وتدفق‭ ‬وارداتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ومعدلات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتشغيل‭.‬

وكل‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬يمثل‭ ‬تداعيات‭ ‬للأزمة‭ ‬وليس‭ ‬أصل‭ ‬الداء‭. ‬وهنا،‭ ‬يستدعي‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬واضعي‭ ‬السياسات‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭ ‬في‭ ‬تجارتها‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬هذه‭ ‬التداعيات‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬أزمة،‭ ‬مثل‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬الهيكل‭ ‬السلعي‭ ‬والجغرافي‭ ‬للتجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الذى‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬الأسواق‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬دراسة‭ ‬عناصر‭ ‬التنافسية‭) ‬وكذا‭ ‬التنويع‭ ‬السلعي‭ (‬القائم‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬إنتاجية‭ ‬صلبة‭ ‬ومبتكرة‭ ‬وكذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأمثل‭ ‬للقدرات‭ ‬الإنتاجية‭) ‬وهى‭ ‬أمور‭ ‬هيكلية‭ ‬تساعد‭ ‬السياسة‭ ‬التجارية‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬نهج‭ ‬مرن‭ ‬ومتنوع‭ ‬البدائل‭ ‬بصورة‭ ‬مستدامة‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬معالجة‭ ‬التداعيات‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ثم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬النسق‭ ‬ذاته‭ ‬عقب‭ ‬هدوء‭ ‬الأزمة‭.‬

التنافس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭:‬

ويستلزم‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬استشراف‭ ‬بل‭ ‬واستعداد‭ ‬للفرص‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬بصورة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬التحوط‭ ‬للمخاطر‭ ‬والتداعيات‭. ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬تبرز‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طرح‭ ‬بدائل‭ ‬مثل‭ ‬توفير‭ ‬مسارات‭ ‬تجارة‭ ‬وملاذات‭ ‬مالية‭ ‬وبيئة‭ ‬استثمارية‭ ‬آمنة‭. ‬وتختلف‭ ‬أهداف‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتنافسة‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬السعي‭ ‬لتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬اقتصادية‭ ‬آنية‭ ‬وبين‭ ‬ترسيخ‭ ‬فوائد‭ ‬وبدائل‭ ‬اقتصادية‭ ‬بصورة‭ ‬مستدامة‭ ‬لتتحول‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬خريطة‭ ‬المصالح‭. ‬وفى‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬واضعي‭ ‬السياسات‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬نشوء‭ ‬تنافس‭ ‬اقتصادي‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الواعية‭ (‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭) ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬الانتباه‭ ‬لأمرين‭ ‬رئيسيين‭: ‬الأمر‭ ‬الأول‭ ‬أهمية‭ ‬إدراك‭ ‬ورصد‭ ‬التحركات‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭ ‬وأثر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أثناء‭ ‬وعقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الأزمة،‭ ‬والأمر‭ ‬الثاني‭ ‬أهمية‭ ‬تقديم‭ ‬البدائل‭ ‬التي‭ ‬تتيحها‭ ‬القدرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدولة‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الارتكان‭ ‬فقط‭ ‬لآثار‭ ‬السلبية‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانتها‭ ‬الجيواقتصادية‭ ‬بصورة‭ ‬مستدامة‭ ‬وليست‭ ‬آنية‭ ‬وقت‭ ‬الأزمة‭ ‬فقط‭.‬

تكريس‭ ‬إقليمية‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭:‬

درجت‭ ‬التجارب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬تغليب‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬الذى‭ ‬يضم‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬المتقاربة‭ ‬جغرافيًا،‭ ‬وقد‭ ‬ظهر‭ ‬ذلك‭ ‬جليًا‭ ‬في‭ ‬التكتلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجغرافية‭ ‬مثل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والمنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬العربية‭ ‬الكبرى‭ ‬وجهود‭ ‬التكتلات‭ ‬الإفريقية‭ ‬في‭ ‬محاورها‭ ‬الجغرافية‭ ‬المختلفة‭. ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬أثر‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬دول‭ ‬متقدمة‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬بتركيز‭ ‬توجيه‭ ‬مساعداتها‭ ‬التنموية‭ ‬نحو‭ ‬تنمية‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬القريبة‭ ‬منها‭ ‬جغرافيًا‭ ‬لأغراض‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬تنمية‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬ودعم‭ ‬قدراتها‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬كونها‭ ‬أسواقًا‭ ‬واعدة‭ ‬بسبب‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬لعولمة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬دور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬خلخلة‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬لتتغلب‭ ‬إقليمية‭ ‬المصالح‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬الإقليمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجغرافية‭ ‬إذا‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬مثلًا‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬تقديم‭ ‬منتج‭ ‬نهائي‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية‭.‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬تسببت‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬التشابك‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬انتقال‭ ‬الأزمات‭ ‬من‭ ‬منشأها‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاديات‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬عن‭ ‬النطاق‭ ‬الجغرافي‭ ‬للأزمة،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬الإقليمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجغرافية‭ ‬درعًا‭ ‬أمام‭ ‬انتقال‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الرئيسية‭ ‬الفاعلة‭ ‬أو‭ ‬الناشئة‭. ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬حرب‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب‭ ‬الثانية‭ ‬لتكرس‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬فأصبحنا‭ ‬نرى‭ ‬تحالفات‭ ‬تحكمها‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بعيدة‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الإقليمية،‭ ‬فظهرت‭ ‬–على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬التحالفات‭ ‬بين‭ ‬أستراليا‭ ‬واليابان‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعادن‭ ‬الحرجة،‭ ‬وظهرت‭ ‬تحالفات‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وكندا‭ ‬كمثال‭ ‬آخر‭ ‬والأمثلة‭ ‬كثيرة‭.‬

وقد‭ ‬مثّلت‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتتالية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عاملًا‭ ‬دافعًا‭ ‬لدول‭ ‬المنطقة‭ ‬لحماية‭ ‬اقتصادياتها‭ ‬بصور‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الإقليم‭ ‬وفقًا‭ ‬لاحتياجاتها‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتوفير‭ ‬المرونة‭ ‬اللازمة‭ ‬لمواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬هذه‭ ‬التقلبات‭.‬

ولا‭ ‬يستلزم‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬التحالفات‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الطموحات،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬استقر‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬فقط‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مسارات‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتأمين‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬للصناعات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والتعاون‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والابتكار‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬الحاكمة‭ ‬للتفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬حاليًا‭ ‬عنوانًا‭ ‬للتعاون‭ ‬بل‭ ‬والتنافس‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتعين‭ ‬الانتباه‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬واضعي‭ ‬السياسات‭ ‬عند‭ ‬صياغة‭ ‬خطط‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الناشئة‭.‬

السيولة‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬اقتصاديات‭ ‬التدفقات‭ ‬واقتصاديات‭ ‬التنوع‭:‬

أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتكررة‭ ‬تأثر‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬نموها‭ ‬وخططها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بصورة‭ ‬مكثفة‭ ‬على‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬والإيرادات‭ ‬الريعية،‭ ‬وتظهر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬أهمية‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬حيز‭ ‬مالي‭ ‬للتحوط،‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬التحوط‭ ‬في‭ ‬اقتصاديات‭ ‬التدفقات‭ ‬النقدية‭ ‬لكون‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬النمط‭ ‬الريعي‭ ‬وعنصر‭ ‬المضاربات‭ ‬والتي‭ ‬يتعرض‭ ‬معها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬تقلبات‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬التضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الصرف‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬يصاحب‭ ‬الأزمات‭ ‬من‭ ‬تخارجات‭ ‬من‭ ‬استثمارات‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الدين‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ (‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتم‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬توفير‭ ‬احتياجات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭) ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬تحديات‭ ‬أمام‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭. ‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإنتاجي‭ ‬بقيمة‭ ‬مضافة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وزيادة‭ ‬مساهمته‭ ‬في‭ ‬التدفقات‭ ‬النقدية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬والتقليل‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الإيرادات‭ ‬الريعية‭ ‬هي‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬رفاهية،‭ ‬وكانت‭ ‬الأحداث‭ ‬كاشفة‭ ‬لمدى‭ ‬نجاح‭ ‬جهود‭ ‬التنويع‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭.‬

 

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬وخبير‭ ‬اقتصادي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا