في مقالتنا الأسبوع الماضي، تناولنا جهود مملكة البحرين في مقاربة ملف الأمن الغذائي من منظور استباقي، يتجاوز المفهوم التقليدي القائم على توافر السلع، إلى بناء قدرة مؤسسية على إدارة المخاطر وضمان استمرارية الإمدادات في بيئة دولية تتسم بتقلبات متزايدة. وقد أكدنا آنذاك أن هذا التحول لا يمكن أن يكتمل في إطار وطني صرف، بل يحتاج إلى عمق استراتيجي خليجي، خاصة في ظل اعتماد دول المنطقة على الاستيراد لتأمين ما يتراوح بين 80% و85% من احتياجاتها الغذائية.
وفي هذا السياق، وردتنا مداخلات قيمة من عدد من الإخوة الأعزاء، ركزت على نقطة جوهرية مفادها أن جوهر الأمن الغذائي الخليجي لا يكمن فقط في حجم المخزون، بل في كفاءة حركة هذا المخزون، أي في البنية التحتية القادرة على نقله وإعادة توزيعه بسرعة وكلفة منخفضة في أوقات الأزمات. ومن هنا جاءت الدعوة إلى تسريع تنفيذ مشروع السكك الحديدية الخليجية، وتعزيز الشبكات اللوجستية، وإنشاء مخازن استراتيجية مشتركة، باعتبارها الركائز الحقيقية لأي منظومة أمن غذائي متقدمة.
ولعل اللافت أن هذه الرؤية لم تعد مجرد اجتهادات نظرية، بل وجدت صداها المباشر في مخرجات القمة الخليجية الطارئة في جدة، حيث أكد معالي الأمين العام لمجلس التعاون التوجيه الرشيد لقادة دول المجلس بضرورة التسريع في استكمال المشاريع الخليجية المشتركة، على رأسها النقل والخدمات اللوجستية، والإسراع في تنفيذ مشروع السكك الحديدية، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي والمائي، وأنابيب النفط والغاز، ودراسة إنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي. هذه التوجيهات تعكس تحولاً نوعياً في التفكير الخليجي: من منطق «التكامل الاقتصادي» بوصفه خياراً تنموياً، إلى منطق «التكامل التشغيلي» بوصفه شرطاً للاستقرار. فالتجارب الأخيرة، سواء خلال جائحة كورونا أو التوترات الجيوسياسية في المنطقة، أثبتت أن نقطة الضعف ليست في القدرة على شراء الغذاء، بل في استمرارية تدفقه عبر سلاسل الإمداد.
ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لمشروع السكك الحديدية الخليجية، الذي يمتد أكثر من 2100 كيلومتر، ويربط ست دول في منظومة نقل برية متكاملة. هذا المشروع، في جوهره، ليس مشروع نقل، بل مشروع سيادة لوجستية. فوجود مسار بري قادر على نقل ملايين الأطنان من السلع سنوياً بسرعات تشغيلية تصل إلى 120 كيلومتراً في الساعة للبضائع، يعني تقليص الاعتماد شبه الكامل على الممرات البحرية، التي تمثل اليوم نقطة اختناق رئيسية في حال حدوث أي اضطراب في مضيق هرمز أو الممرات المجاورة.
وبالنسبة للبحرين، فإن الأثر الاستراتيجي لهذا المشروع مضاعف. فالمملكة، بحكم موقعها وارتباطها الجغرافي بالسوق السعودي، يمكن أن تتحول إلى عقدة لوجستية متقدمة ضمن هذه الشبكة، بما يعزز قدرتها على تأمين الإمدادات الغذائية بسرعة أكبر وكلفة أقل، ويمنحها دوراً محورياً في إعادة توزيع السلع داخل المنظومة الخليجية.
أما ما يتعلق بإنشاء مناطق للمخزون الاستراتيجي الخليجي، فهو تطور بالغ الدلالة. فالمخزون الوطني، رغم أهميته، يظل محدود الأثر في مواجهة الأزمات الممتدة أو الواسعة النطاق. بينما المخزون الإقليمي الموزع جغرافياً يحقق ثلاثة أهداف متوازنة: تقليل المخاطر التشغيلية، رفع كفاءة الاستجابة، وتعظيم الاستفادة من وفورات الحجم في الشراء والتخزين. وهو نموذج معمول به في تكتلات اقتصادية متقدمة، ويشكل خطوة ضرورية نحو بناء أمن غذائي جماعي.
في ضوء كل ما سبق، يتضح أن ما طرحه الإخوة من أفكار، وما أكدته القمة من توجهات، يلتقيان عند نقطة واحدة: أن الأمن الغذائي لم يعد ملفاً قطاعياً، بل نظاماً متكاملاً متعدد الأبعاد، يبدأ من الإنتاج، ويمر بالتخزين، ويعتمد في جوهره على كفاءة النقل واللوجستيات، وينتهي بقدرة السوق على التكيف مع الصدمات.
ومن هذا المنطلق، فإن عبارة «البحرين بخير» لا ينبغي قراءتها بوصفها تعبيراً إنشائياً، بل بوصفها خلاصة لنهج يقوم على ثلاث ركائز: بناء قدرة وطنية مرنة، والانخراط في منظومة خليجية متكاملة، والاستثمار في البنية التحتية التي تضمن استمرارية الإمدادات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك