العدد : ١٧٥٧٦ - الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٦ - الخميس ٠٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

البحرين بخير

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مقالتنا‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬تناولنا‭ ‬جهود‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مقاربة‭ ‬ملف‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬استباقي،‭ ‬يتجاوز‭ ‬المفهوم‭ ‬التقليدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬توافر‭ ‬السلع،‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قدرة‭ ‬مؤسسية‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الإمدادات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬تتسم‭ ‬بتقلبات‭ ‬متزايدة‭. ‬وقد‭ ‬أكدنا‭ ‬آنذاك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬وطني‭ ‬صرف،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬استراتيجي‭ ‬خليجي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اعتماد‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬الاستيراد‭ ‬لتأمين‭ ‬ما‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬80‭% ‬و85‭% ‬من‭ ‬احتياجاتها‭ ‬الغذائية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬وردتنا‭ ‬مداخلات‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإخوة‭ ‬الأعزاء،‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬الخليجي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬المخزون،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬حركة‭ ‬هذا‭ ‬المخزون،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬نقله‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيعه‭ ‬بسرعة‭ ‬وكلفة‭ ‬منخفضة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروع‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬الخليجية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشبكات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬مخازن‭ ‬استراتيجية‭ ‬مشتركة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الركائز‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأي‭ ‬منظومة‭ ‬أمن‭ ‬غذائي‭ ‬متقدمة‭.‬

ولعل‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬اجتهادات‭ ‬نظرية،‭ ‬بل‭ ‬وجدت‭ ‬صداها‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬الطارئة‭ ‬في‭ ‬جدة،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬معالي‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬التوجيه‭ ‬الرشيد‭ ‬لقادة‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬بضرورة‭ ‬التسريع‭ ‬في‭ ‬استكمال‭ ‬المشاريع‭ ‬الخليجية‭ ‬المشتركة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬النقل‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬والإسراع‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروع‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشاريع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬والمائي،‭ ‬وأنابيب‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬ودراسة‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬للمخزون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الخليجي‭. ‬هذه‭ ‬التوجيهات‭ ‬تعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬الخليجي‭: ‬من‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬خياراً‭ ‬تنموياً،‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬التكامل‭ ‬التشغيلي‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬شرطاً‭ ‬للاستقرار‭. ‬فالتجارب‭ ‬الأخيرة،‭ ‬سواء‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬أو‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬نقطة‭ ‬الضعف‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الغذاء،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬استمرارية‭ ‬تدفقه‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لمشروع‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬الخليجية،‭ ‬الذي‭ ‬يمتد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2100‭ ‬كيلومتر،‭ ‬ويربط‭ ‬ست‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬نقل‭ ‬برية‭ ‬متكاملة‭. ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬مشروع‭ ‬نقل،‭ ‬بل‭ ‬مشروع‭ ‬سيادة‭ ‬لوجستية‭. ‬فوجود‭ ‬مسار‭ ‬بري‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬ملايين‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬سنوياً‭ ‬بسرعات‭ ‬تشغيلية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬120‭ ‬كيلومتراً‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬للبضائع،‭ ‬يعني‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬اليوم‭ ‬نقطة‭ ‬اختناق‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬الممرات‭ ‬المجاورة‭.‬

وبالنسبة‭ ‬للبحرين،‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬مضاعف‭. ‬فالمملكة،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬وارتباطها‭ ‬الجغرافي‭ ‬بالسوق‭ ‬السعودي،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬لوجستية‭ ‬متقدمة‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬الإمدادات‭ ‬الغذائية‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬وكلفة‭ ‬أقل،‭ ‬ويمنحها‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬السلع‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الخليجية‭.‬

أما‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬للمخزون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الخليجي،‭ ‬فهو‭ ‬تطور‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة‭. ‬فالمخزون‭ ‬الوطني،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬يظل‭ ‬محدود‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬الممتدة‭ ‬أو‭ ‬الواسعة‭ ‬النطاق‭. ‬بينما‭ ‬المخزون‭ ‬الإقليمي‭ ‬الموزع‭ ‬جغرافياً‭ ‬يحقق‭ ‬ثلاثة‭ ‬أهداف‭ ‬متوازنة‭: ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬التشغيلية،‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الاستجابة،‭ ‬وتعظيم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬وفورات‭ ‬الحجم‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬والتخزين‭. ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬تكتلات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متقدمة،‭ ‬ويشكل‭ ‬خطوة‭ ‬ضرورية‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬أمن‭ ‬غذائي‭ ‬جماعي‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬طرحه‭ ‬الإخوة‭ ‬من‭ ‬أفكار،‭ ‬وما‭ ‬أكدته‭ ‬القمة‭ ‬من‭ ‬توجهات،‭ ‬يلتقيان‭ ‬عند‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭: ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ملفاً‭ ‬قطاعياً،‭ ‬بل‭ ‬نظاماً‭ ‬متكاملاً‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد،‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ويمر‭ ‬بالتخزين،‭ ‬ويعتمد‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬كفاءة‭ ‬النقل‭ ‬واللوجستيات،‭ ‬وينتهي‭ ‬بقدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الصدمات‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬البحرين‭ ‬بخير‮»‬‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬قراءتها‭ ‬بوصفها‭ ‬تعبيراً‭ ‬إنشائياً،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬خلاصة‭ ‬لنهج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬ركائز‭: ‬بناء‭ ‬قدرة‭ ‬وطنية‭ ‬مرنة،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬خليجية‭ ‬متكاملة،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الإمدادات‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا