العدد : ١٧٥٧٥ - الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٥ - الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

مساحة رمادية
الشارع أكثر وعيا من نخبته

أحمد عبدالحميد

الأربعاء ٠٦ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالم‭ ‬يموج‭ ‬بالتحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وتتشابك‭ ‬فيه‭ ‬التحالفات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬بالأدوات‭ ‬القديمة‭ ‬أو‭ ‬القراءات‭ ‬الجامدة؛‭ ‬فالمشهد‭ ‬الراهن‭ ‬أشبه‭ ‬بعواصف‭ ‬عاتية‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الأوراق،‭ ‬وتفرض‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬دولا‭ ‬ونخبًا‭ ‬ومجتمعاتٍ،‭ ‬مراجعة‭ ‬مواقفهم‭ ‬وإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتهم‭.‬

في‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬تبرز‭ ‬حاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بقمة‭ ‬فكرية،‭ ‬لا‭ ‬تُعقد‭ ‬بالضرورة‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬رسمية،‭ ‬بل‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التلاقي‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬العقول‭ ‬السياسية‭ ‬والفكرية‭ ‬والبحثية،‭ ‬بهدف‭ ‬قراءة‭ ‬التحولات‭ ‬بعمق،‭ ‬وفهم‭ ‬تداعياتها،‭ ‬وبناء‭ ‬رؤى‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬القلق‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬بل‭ ‬بدا‭ ‬وكأنه‭ ‬أسير‭ ‬قوالب‭ ‬فكرية‭ ‬قديمة،‭ ‬يكررها،‭ ‬ويتمسك‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬تعارضت‭ ‬مع‭ ‬حقائق‭ ‬الواقع‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬توصيف‭ ‬‮«‬الأبراج‭ ‬العاجية‮»‬‭ ‬كافيًا‭ ‬لوصف‭ ‬هذا‭ ‬الانفصال؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬ابتعاد‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الجمود‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬النخب‭ ‬حبيسة‭ ‬أفكار‭ ‬معلبة،‭ ‬وبات‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والتأثير‭ ‬معًا‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬النخب‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬المشهد‭ ‬ويقود‭ ‬النقاش‭ ‬العام،‭ ‬أصبحت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬النخب‭ ‬عبئًا‭ ‬على‭ ‬التطور،‭ ‬بعدما‭ ‬تحولت‭ ‬قناعاتها‭ ‬إلى‭ ‬حواجز‭ ‬تعيق‭ ‬التفاعل‭ ‬الإيجابي‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭.‬

الأكثر‭ ‬إشكالا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تُحسب‭ ‬على‭ ‬النخبة‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬خطاب‭ ‬شعبوي،‭ ‬لا‭ ‬بهدف‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أو‭ ‬تبسيط‭ ‬القضايا،‭ ‬بل‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬ضيقة‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬مقتضيات‭ ‬المسؤولية‭ ‬الوطنية‭.‬

وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬المفارقة‭ ‬بوضوح،‭ ‬حين‭ ‬يظهر‭ ‬الشارع،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬بوعي‭ ‬يفوق‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬يفترض‭ ‬أنهم‭ ‬يقودون‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬وما‭ ‬شهدناه‭ ‬من‭ ‬تفاعل‭ ‬شعبي‭ ‬واعٍ‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مؤخرًا‭ ‬يعكس‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬إذ‭ ‬برزت‭ ‬مواقف‭ ‬واضحة‭ ‬وصلبة‭ ‬لدى‭ ‬المواطن‭ ‬العادي،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬تردد‭ ‬أو‭ ‬ارتباك‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬النخب‭ ‬التي‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬اللحظة‭.‬

إن‭ ‬اختزال‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬مجرد‭ ‬اختلافات‭ ‬تحت‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان‭ ‬أو‭ ‬تباينات‭ ‬في‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬هو‭ ‬تبسيط‭ ‬مخلّ؛‭ ‬لأن‭ ‬المسألة‭ ‬تتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬ففي‭ ‬أزمنة‭ ‬التحديات‭ ‬الكبرى،‭ ‬لا‭ ‬ولن‭ ‬تقبل‭ ‬أنصاف‭ ‬المواقف،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬الوطني‭ ‬والسيادة‭ ‬تتطلب‭ ‬وضوحًا‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭. ‬والتاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬يقدم‭ ‬شواهد‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬العربي،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات،‭ ‬يمتلك‭ ‬حسًّا‭ ‬فطريًّا‭ ‬يُمكّنه‭ ‬من‭ ‬تمييز‭ ‬المسارات‭ ‬الخاطئة‭ ‬وتصحيحها،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬عدة‭ ‬خلال‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة‭.‬

إن‭ ‬الحاجة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬نقد‭ ‬النخب‭ ‬أو‭ ‬رصد‭ ‬إخفاقاتها،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬جديدة،‭ ‬فالنخبة‭ ‬المطلوبة‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الأفكار،‭ ‬بل‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬العميق،‭ ‬والمرونة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات،‭ ‬والجرأة‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬الذات‭. ‬

نخبة‭ ‬تدرك‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتُسهم‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تضليل‭ ‬أو‭ ‬تبسيط‭ ‬مخلّ،‭ ‬وتلتزم‭ ‬بمسؤوليتها‭ ‬الوطنية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحسابات‭ ‬الضيقة‭.‬

إن‭ ‬ترك‭ ‬المجال‭ ‬لخطابات‭ ‬مشوشة‭ ‬أو‭ ‬مغالطات‭ ‬منطقية‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬الناس‭ ‬يشكل‭ ‬خطرًا‭ ‬حقيقيًّا،‭ ‬لأنه‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تشكيل‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬تصورات‭ ‬غير‭ ‬دقيقة،‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬جذابة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تحمل‭ ‬‮«‬سمًّا‭ ‬في‭ ‬العسل‮»‬‭.‬

لذلك‭ ‬ما‭ ‬أحوجنا‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬بلورة‭ ‬مشروع‭ ‬فكري‭ ‬عربي‭ ‬متجدد،‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لدور‭ ‬النخبة‭ ‬بوصفها‭ ‬قوة‭ ‬دافعة‭ ‬نحو‭ ‬الفهم‭ ‬والتنوير،‭ ‬لا‭ ‬عائقًا‭ ‬أمامه،‭ ‬وقادر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخاخ‭ ‬التضليل‭ ‬وسوء‭ ‬التقدير‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬أمة‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬نخبة‭ ‬واعية‭ ‬بمسؤولياتها،‭ ‬متصلة‭ ‬بواقعها،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تعقيداته‭. ‬والتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الأفكار،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬فكر‭ ‬حيّ،‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬ويستجيب‭ ‬لمتغيراته،‭ ‬ويضع‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا