في عالم يموج بالتحولات السياسية والاقتصادية، وتتشابك فيه التحالفات الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة، لم يعد من الممكن التعاطي مع الواقع بالأدوات القديمة أو القراءات الجامدة؛ فالمشهد الراهن أشبه بعواصف عاتية تعيد تشكيل الأوراق، وتفرض على الجميع، دولا ونخبًا ومجتمعاتٍ، مراجعة مواقفهم وإعادة ترتيب أولوياتهم.
في خضم هذه المتغيرات المتسارعة، تبرز حاجة ملحّة في العالم العربي إلى ما يمكن وصفه بقمة فكرية، لا تُعقد بالضرورة في قاعة رسمية، بل تتجسد في حالة من التلاقي الحقيقي بين العقول السياسية والفكرية والبحثية، بهدف قراءة التحولات بعمق، وفهم تداعياتها، وبناء رؤى قادرة على استشراف المستقبل.
غير أن ما يثير القلق أن جزءًا من النخب العربية لم ينجح في مواكبة هذه التحولات، بل بدا وكأنه أسير قوالب فكرية قديمة، يكررها، ويتمسك بها حتى إن تعارضت مع حقائق الواقع.
لم يعد توصيف «الأبراج العاجية» كافيًا لوصف هذا الانفصال؛ إذ لم يعد الأمر مجرد ابتعاد عن هموم الناس، بل تحول لدى البعض إلى حالة من الجمود الفكري الذي جعل بعض النخب حبيسة أفكار معلبة، وبات غير قادر على الفهم والتأثير معًا.
وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه النخب في طليعة من يقرأ المشهد ويقود النقاش العام، أصبحت بعض هذه النخب عبئًا على التطور، بعدما تحولت قناعاتها إلى حواجز تعيق التفاعل الإيجابي مع المتغيرات.
الأكثر إشكالا أن بعض الأصوات التي تُحسب على النخبة لجأت إلى تبني خطاب شعبوي، لا بهدف التقرب من الناس أو تبسيط القضايا، بل لتحقيق مكاسب ضيقة تتعارض مع مقتضيات المسؤولية الوطنية.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح، حين يظهر الشارع، في كثير من الأحيان، بوعي يفوق بعض من يفترض أنهم يقودون الرأي العام. وما شهدناه من تفاعل شعبي واعٍ في البحرين مؤخرًا يعكس هذه الحقيقة، إذ برزت مواقف واضحة وصلبة لدى المواطن العادي، في مقابل تردد أو ارتباك لدى بعض النخب التي أخفقت في قراءة اللحظة.
إن اختزال هذه الاختلالات في كونها مجرد اختلافات تحت قبة البرلمان أو تباينات في وجهات النظر هو تبسيط مخلّ؛ لأن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، ففي أزمنة التحديات الكبرى، لا ولن تقبل أنصاف المواقف، إذ إن القضايا المرتبطة بالأمن الوطني والسيادة تتطلب وضوحًا لا لبس فيه. والتاريخ الحديث يقدم شواهد عديدة على أن الشارع العربي، رغم كل التحديات، يمتلك حسًّا فطريًّا يُمكّنه من تمييز المسارات الخاطئة وتصحيحها، كما حدث في تجارب عدة خلال الألفية الجديدة.
إن الحاجة لم تعد تقتصر على نقد النخب أو رصد إخفاقاتها، بل تمتد إلى ضرورة إعادة بناء دورها على أسس جديدة، فالنخبة المطلوبة اليوم ليست تلك التي تكتفي بإعادة إنتاج الأفكار، بل التي تمتلك القدرة على التحليل العميق، والمرونة في التعامل مع المتغيرات، والجرأة في مراجعة الذات.
نخبة تدرك حجم التحديات التي تواجه المنطقة، وتُسهم في توعية الرأي العام من دون تضليل أو تبسيط مخلّ، وتلتزم بمسؤوليتها الوطنية بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
إن ترك المجال لخطابات مشوشة أو مغالطات منطقية تتسلل إلى وعي الناس يشكل خطرًا حقيقيًّا، لأنه يفتح الباب أمام تشكيل رأي عام قائم على تصورات غير دقيقة، قد تبدو في ظاهرها جذابة، لكنها في جوهرها تحمل «سمًّا في العسل».
لذلك ما أحوجنا اليوم إلى بلورة مشروع فكري عربي متجدد، يعيد الاعتبار لدور النخبة بوصفها قوة دافعة نحو الفهم والتنوير، لا عائقًا أمامه، وقادر في الوقت ذاته على حماية المجتمعات من الوقوع في فخاخ التضليل وسوء التقدير.
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي أمة أن تتقدم من دون نخبة واعية بمسؤولياتها، متصلة بواقعها، وقادرة على استيعاب تعقيداته. والتحدي الحقيقي اليوم ليس في غياب الأفكار، بل في القدرة على إنتاج فكر حيّ، يتفاعل مع الزمن، ويستجيب لمتغيراته، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك