ليست العِبرةُ بعلوِّ الأصوات، ولكن بثبوتِ البيّنات؛ فالصوتُ يعلو طورًا ثم يخبو، والحقيقةُ ترسخ دهرًا فلا تغيب ولا تذوب. وليس كلُّ ما ارتفع صوتُه ارتفع قدرُه، ولا كلُّ ما كثر ترديدُه صدق مضمونُه؛ فكم من شعارٍ ملأ الأسماعَ صخبًا، وأشغل الأفهامَ طربًا، وهو عند الامتحان خواءٌ لا يُقيم ميزانًا، ولا يَشيِّد بُنيانًا، ولا يَدفَع ضيمًا، ولا يَرفَع قيمًا.
لقد جاوز الزمنُ رايات الاشتراكية والشيوعية، إذ عجزت عن إنزال معانيها من سماء القول إلى أرض العمل، ومن ميدان الدعوى إلى مِحكّ الفعل؛ فبقيت ألفاظًا مُنمَّقة، ووعودًا مُعلَّقة، تُؤنِس السمعَ ولا تُغني الجوع، وتُطرب الأذنَ ولا تُقيم الصُّنع، وتُزيّن القولَ ولا تُحسن الفعل. فلمّا عرضها الواقع على محكّه، وأدارها في فلكه، انكشف قصورها، وظهر عُوارها؛ فلا رفعت حاجةً رفعًا مُستدامًا، ولا أقامت ميزانًا يَصون الحوافز ويكبح الانحراف، ولا أوجدت نظامًا يُقيم العدل ويمنع الاختلال.
ثم رأينا، وعجبُ الدهر لا ينقضي، وغرائبُ الزمان لا تنتهي، من يرفع لواء المادّية الصِّرف، فإذا ضاقت به السُّبُل، وانقطعت به الحِيَل، لجأ إلى ظلّ الثيوقراطية، واستظلّ بأفيائها؛ فتقرّب من حركاتٍ اتّخذت من الدين ستارًا للمكاسب، ومن الوعظ سُلَّمًا للمآرب، فجعلت الرمزَ جسرًا، والخطابَ معبرًا، تُحسن استدعاءه، وتُجيد اقتناءه وتوظيفه، وتُلبس المعنى ثوبًا، وتُبدّل القول لونًا. فكيف يجتمع نفيُ الغيب مع استدعائه؟ وكيف يلتئم فكرٌ يُزاوج بين حدَّين، ويجمع بين ضدَّين، ويؤلّف بين نقيضين؟
أيجتمع من يفتتح ليلَه بكأسٍ، مع من يفتتح فجرَه بذكرٍ وصلاة؟
وانظر إلى مشاهدهم بعين البصيرة لا بعين السامع: اجتماعاتٌ تدور في فلكٍ واحد، وحلقاتٌ تعود إلى الموضع نفسه، وحضورٌ يتكرّر حتى ينحسر، وينحسر حتى يُستأصل، حتى كأنّ القاعاتِ قبورٌ للكراسي لا حياة فيها، لا يجلس عليها إلا هم، ولا يملؤها إلا أبناؤهم وصداهم؛ وكأنّهم حبسوا أنفسهم في دائرتهم، وضاقوا بمجتمعهم، فجعلوا التزاوج وسيلتهم للبقاء والامتداد. وخطابٌ يعيد لفظه، ويكرّر معناه، ويستنسخ صورته، فلا جديد يُنشأ، ولا معنى يُبتدع، كأنّهم يُحادثون أنفسهم، ويُؤانسون صداهم، ويكتفون بظلّهم؛ فلا امتدادٌ في المجتمع، ولا رسوخٌ في القاعدة، ولا أثرٌ يُرى في الواقع. والمجتمعُ بفطرته السليمة، وسجيّته القويمة، يَزِن القول بميزان النفع، ويمتحن الخطاب بامتحان الأثر؛ فيأخذ ما ينفعه، ويترك ما يُخدعه، ويُقبل على الصادق، ويُعرض عن المُدّعي.
وهنا تُستعاد المقولة المنسوبة إلى ونستون تشرشل: «من لم يكن اشتراكيًا في شبابه فلا قلب له، ومن بقي اشتراكيًا بعد الأربعين فلا عقل له». وجاءت أحداث الخريف العربي عام 2011، فكانت كالمِحكّ الذي يُمحّص، وكالميزان الذي يُفرّق؛ فبان أنّ كثيرًا من تلك التيارات تتبع أكثر مما تقود، وتلحق أكثر مما تُنشئ، فتغدو أصواتًا تُردّد ولا تُجدّد، وأصداءً تتبع ولا تُبدع، وذيولًا لغيرها لا أصولًا لنفسها، وظلالًا لغيرها لا ذواتًا قائمة بنفسها. وللتاريخ في ذلك عِبرٌ لا تُحصى، وشواهد لا تُستقصى: فبعد الثورة الإيرانية عام 1979، ظنّ حزب توده الشيوعي أنّه من الفائزين، فإذا به من الخاسرين؛ إذ ما لبث نظام الخميني، لمّا استتبّ له الأمر، أن انقلب عليه، فحظره، وفكّك بنيته، وأعدم قادته واتباعه؛ درسٌ لمن اعتبر، وعبرةٌ لمن تدبّر. وكذلك ما جرى في التجربة الكوبية، وما لقيه تشي جيفارا من تقلّب المواقف وغدر الرفاق، فالعبرة ثابتة، والدلالة قائمة: أنّ الحركات إذا أُديرت بالرمز دون الواقع، وبالشعار دون الفعل، دفعت أثمانًا باهظة، وجنت نتائج فادحة.
وفي المقابل، يبرز مسلك الليبرترالية Libertarianism بيّنَ السِّمات، واضحَ العلامات؛ يُعلي شأن الفرد، ويصون ملكيّته، ويرعى كرامته، ويجعل الدولة حارسًا للحقوق لا مُتدخّلًا في التفاصيل؛ فيجمع بين حريةٍ مسؤولة لا فوضى فيها، وقانونٍ عادل لا جور فيه، وسوقٍ يُكافئ الساعي ولا يُهدر الجهد، ومؤسساتٍ تحفظ العقد وتمنع العبث. فالخلاصة أنّ الأفكار لا تُعرف بأسمائها، بل بآثارها، ولا تُوزن بشعاراتها، بل بثمارها؛ فما أثمر أمنًا ازدهر، وما أورث فوضى اندثر، وما بنى مجتمعًا استقر، وما هدم نظامًا انهار.
وقد أثبت الواقع، وهو أصدق شاهدٍ، أنّ الحركات اليسارية الاشتراكية والشيوعية قد تجاوزها الزمن، وسقطت معاييرها تحت وطأة الامتحان؛ فلا يُحسن بالعاقل أن يُعيدها إلى الواجهة، ولا يليق بالمجتمع أن يُمكّنها من تمثيله، أو يمنحها موقعًا تُجدّد به إخفاقها؛ إذ ما عجز عن الذبّ عن الوطن، ولم يُثبت ولاءً صادقًا له ولقيادته، وتلوّن بألوان الخارج، ولم يخدم المجتمع عند المحكّ والاختبار؛ لا تُحييه كثرة الشعار، ولا تُقيمه حدّة الخطاب، بل يزيده التكرار انكشافًا، ويورثه الصخبُ انحسارًا، ويجعله عبرةً بعد أن كان دعوى، ومثالًا بعد أن كان شعارًا.
اللهم احفظ مملكة البحرين وأهلها، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، لما فيه خير البلاد والعباد، واجعل مملكة البحرين كما أرادها دوما سيدي جلالة الملك المعظم واحةً تُزهر خيرًا وتمطر أمانًا للجميع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك