إنّ القلوبَ أوعيةٌ، تُملأ بما يُصبّ فيها، وتفيض بما استقرّ في أعماقها؛ فمنها قلبٌ صَفَا صفاءَ الغمام، وسما سموَّ الأعلام، يقطر حبًّا للوطن، ويُفيض ولاءً للقيادة، ويجعل من الفداء عقيدةً، ومن الإخلاص سجيةً، كأنّما نُقش الوفاء في فؤاده نقشًا، وسُقي من معين الانتماء سقيًا. ومنها قلبٌ كدِر، قد غاض ماؤه وعاث فيه الداء، يقطر قيح الخيانة، ويُفصح عن نتن النفاق، فلا عهدٌ يُرعى، ولا أمانةٌ تُصان، يتقلّب مع الأهواء تقلّب الرياح، ويأوي إلى كل ناعقٍ سقيم، فإن نطق السفيه في الآفاق صدّقه واتّبعه، وإن تكلّم الحكيم في الأوطان أعرض عنه وابتعد، ثم زيّن الباطل حتى بدا حقًّا، ولبّس الحق حتى غدا شبحًا.
وإنّ البيوت حقولٌ تُبذر فيها القيم، وتُسقى فيها الهمم؛ فما زُرع فيها من خيرٍ أثمر ولاءً، وما غُرس فيها من شرٍّ أورث جفاءً، فالثمر من البذر، والحصاد من الزرع، والولد ابنُ ما يُنشّأ عليه طبعًا وسلوكًا وسمعًا. فمن أُنشئ على حبّ الوطن، خرج نصيرًا لحمَاه، ذائدًا عن حياضه، قائمًا بحقه، ومن رُبّي على الارتهان لعدوّه، والتشبّه بخصمه، خرج تابعًا مُستلبًا، يُعظّم الغريب ويُهوّن القريب، يُمجّد البعيد ويزدري المَعين. وقد قرّر أهل العلم ومنهم الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم أنّ الخيانة خصلةٌ من خصال النفاق العملي، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اؤتمن خان»؛ فهي علامةٌ تُشبه صاحبها بالمنافقين، وتكسوه من أخلاقهم لباسًا، ممن استحكمت فيه الخيانة، واستمرأ النفاق، وجعل التشكيك منهجًا، والتخذيل مذهبًا، يُسوّغ باطله، ويُغرّر بغيره، حتى صار الفساد عنده إصلاحًا، والانحراف عنده اجتهادًا؟!
فلنِعمَ التوجيه ما صدر عن حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، إذ أقام القسط، وأبان الحق، ووضع الأمور في نصابها، ولنِعمَ التنفيذ ما تنهض به الحكومة الموقرة برئاسة صاحب الـسمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، إذ مضت بحزمٍ وعزم، لا تلين في حماية الوطن، ولا تتوانى في صيانة مكتسباته، ولنِعمَ الإدارة ما يُدار به هذا الملف الوطني من قبل صاحب المعالي وزير الداخلية، إذ شُدّت به عُرى الأمن، وأُحكمت به سُدود الاستقرار، وقُطعت به أسباب العبث والاختلال.
فاضرب يا وطن بسيف الحق إذا استدعى المقام، واقطع دابر الخيانة إذا تمادى الإجرام، وصُن أرضك برجالٍ صدقوا ما عاهدوا، واذكر أنّك لا تقوم إلا على أكتاف الأوفياء، ولا تُصان إلا بقلوبٍ ملؤها الصفاء. فطوبى لمن جعل حب الوطن دَينًا، والولاء يقينًا، والإخلاص عنوانًا، وويلٌ لمن باع ضميره، وضلّ مسيره، فخاب سعيه، وباء بوزره، وكان من الخاسرين في دنياه وأخراه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك