العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٠ - الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

بيوت بالولاء تبنى.. وبيوت بالخيانة تفنى

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الجمعة ٠١ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

إنّ‭ ‬القلوبَ‭ ‬أوعيةٌ،‭ ‬تُملأ‭ ‬بما‭ ‬يُصبّ‭ ‬فيها،‭ ‬وتفيض‭ ‬بما‭ ‬استقرّ‭ ‬في‭ ‬أعماقها؛‭ ‬فمنها‭ ‬قلبٌ‭ ‬صَفَا‭ ‬صفاءَ‭ ‬الغمام،‭ ‬وسما‭ ‬سموَّ‭ ‬الأعلام،‭ ‬يقطر‭ ‬حبًّا‭ ‬للوطن،‭ ‬ويُفيض‭ ‬ولاءً‭ ‬للقيادة،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الفداء‭ ‬عقيدةً،‭ ‬ومن‭ ‬الإخلاص‭ ‬سجيةً،‭ ‬كأنّما‭ ‬نُقش‭ ‬الوفاء‭ ‬في‭ ‬فؤاده‭ ‬نقشًا،‭ ‬وسُقي‭ ‬من‭ ‬معين‭ ‬الانتماء‭ ‬سقيًا‭. ‬ومنها‭ ‬قلبٌ‭ ‬كدِر،‭ ‬قد‭ ‬غاض‭ ‬ماؤه‭ ‬وعاث‭ ‬فيه‭ ‬الداء،‭ ‬يقطر‭ ‬قيح‭ ‬الخيانة،‭ ‬ويُفصح‭ ‬عن‭ ‬نتن‭ ‬النفاق،‭ ‬فلا‭ ‬عهدٌ‭ ‬يُرعى،‭ ‬ولا‭ ‬أمانةٌ‭ ‬تُصان،‭ ‬يتقلّب‭ ‬مع‭ ‬الأهواء‭ ‬تقلّب‭ ‬الرياح،‭ ‬ويأوي‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ناعقٍ‭ ‬سقيم،‭ ‬فإن‭ ‬نطق‭ ‬السفيه‭ ‬في‭ ‬الآفاق‭ ‬صدّقه‭ ‬واتّبعه،‭ ‬وإن‭ ‬تكلّم‭ ‬الحكيم‭ ‬في‭ ‬الأوطان‭ ‬أعرض‭ ‬عنه‭ ‬وابتعد،‭ ‬ثم‭ ‬زيّن‭ ‬الباطل‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬حقًّا،‭ ‬ولبّس‭ ‬الحق‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬شبحًا‭.‬

وإنّ‭ ‬البيوت‭ ‬حقولٌ‭ ‬تُبذر‭ ‬فيها‭ ‬القيم،‭ ‬وتُسقى‭ ‬فيها‭ ‬الهمم؛‭ ‬فما‭ ‬زُرع‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬خيرٍ‭ ‬أثمر‭ ‬ولاءً،‭ ‬وما‭ ‬غُرس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬شرٍّ‭ ‬أورث‭ ‬جفاءً،‭ ‬فالثمر‭ ‬من‭ ‬البذر،‭ ‬والحصاد‭ ‬من‭ ‬الزرع،‭ ‬والولد‭ ‬ابنُ‭ ‬ما‭ ‬يُنشّأ‭ ‬عليه‭ ‬طبعًا‭ ‬وسلوكًا‭ ‬وسمعًا‭. ‬فمن‭ ‬أُنشئ‭ ‬على‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن،‭ ‬خرج‭ ‬نصيرًا‭ ‬لحمَاه،‭ ‬ذائدًا‭ ‬عن‭ ‬حياضه،‭ ‬قائمًا‭ ‬بحقه،‭ ‬ومن‭ ‬رُبّي‭ ‬على‭ ‬الارتهان‭ ‬لعدوّه،‭ ‬والتشبّه‭ ‬بخصمه،‭ ‬خرج‭ ‬تابعًا‭ ‬مُستلبًا،‭ ‬يُعظّم‭ ‬الغريب‭ ‬ويُهوّن‭ ‬القريب،‭ ‬يُمجّد‭ ‬البعيد‭ ‬ويزدري‭ ‬المَعين‭. ‬وقد‭ ‬قرّر‭ ‬أهل‭ ‬العلم‭ ‬ومنهم‭ ‬الإمام‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬شرحه‭ ‬على‭ ‬صحيح‭ ‬مسلم‭ ‬أنّ‭ ‬الخيانة‭ ‬خصلةٌ‭ ‬من‭ ‬خصال‭ ‬النفاق‭ ‬العملي،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬اؤتمن‭ ‬خان»؛‭ ‬فهي‭ ‬علامةٌ‭ ‬تُشبه‭ ‬صاحبها‭ ‬بالمنافقين،‭ ‬وتكسوه‭ ‬من‭ ‬أخلاقهم‭ ‬لباسًا،‭ ‬ممن‭ ‬استحكمت‭ ‬فيه‭ ‬الخيانة،‭ ‬واستمرأ‭ ‬النفاق،‭ ‬وجعل‭ ‬التشكيك‭ ‬منهجًا،‭ ‬والتخذيل‭ ‬مذهبًا،‭ ‬يُسوّغ‭ ‬باطله،‭ ‬ويُغرّر‭ ‬بغيره،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬الفساد‭ ‬عنده‭ ‬إصلاحًا،‭ ‬والانحراف‭ ‬عنده‭ ‬اجتهادًا؟‭!‬

فلنِعمَ‭ ‬التوجيه‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬إذ‭ ‬أقام‭ ‬القسط،‭ ‬وأبان‭ ‬الحق،‭ ‬ووضع‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬نصابها،‭ ‬ولنِعمَ‭ ‬التنفيذ‭ ‬ما‭ ‬تنهض‭ ‬به‭ ‬الحكومة‭ ‬الموقرة‭ ‬برئاسة‭ ‬صاحب‭ ‬الـسمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬إذ‭ ‬مضت‭ ‬بحزمٍ‭ ‬وعزم،‭ ‬لا‭ ‬تلين‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا‭ ‬تتوانى‭ ‬في‭ ‬صيانة‭ ‬مكتسباته،‭ ‬ولنِعمَ‭ ‬الإدارة‭ ‬ما‭ ‬يُدار‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬صاحب‭ ‬المعالي‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬إذ‭ ‬شُدّت‭ ‬به‭ ‬عُرى‭ ‬الأمن،‭ ‬وأُحكمت‭ ‬به‭ ‬سُدود‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وقُطعت‭ ‬به‭ ‬أسباب‭ ‬العبث‭ ‬والاختلال‭.‬

فاضرب‭ ‬يا‭ ‬وطن‭ ‬بسيف‭ ‬الحق‭ ‬إذا‭ ‬استدعى‭ ‬المقام،‭ ‬واقطع‭ ‬دابر‭ ‬الخيانة‭ ‬إذا‭ ‬تمادى‭ ‬الإجرام،‭ ‬وصُن‭ ‬أرضك‭ ‬برجالٍ‭ ‬صدقوا‭ ‬ما‭ ‬عاهدوا،‭ ‬واذكر‭ ‬أنّك‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أكتاف‭ ‬الأوفياء،‭ ‬ولا‭ ‬تُصان‭ ‬إلا‭ ‬بقلوبٍ‭ ‬ملؤها‭ ‬الصفاء‭. ‬فطوبى‭ ‬لمن‭ ‬جعل‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬دَينًا،‭ ‬والولاء‭ ‬يقينًا،‭ ‬والإخلاص‭ ‬عنوانًا،‭ ‬وويلٌ‭ ‬لمن‭ ‬باع‭ ‬ضميره،‭ ‬وضلّ‭ ‬مسيره،‭ ‬فخاب‭ ‬سعيه،‭ ‬وباء‭ ‬بوزره،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الخاسرين‭ ‬في‭ ‬دنياه‭ ‬وأخراه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا