العدد : ١٧٥٦٨ - الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٨ - الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

مساحة رمادية
الإرهاب والرهاب

أحمد عبدالحميد

الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

الإرهاب‭ ‬والرهاب‭ ‬كلمتان‭ ‬بينهما‭ ‬جناس‭ ‬ناقص‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬فعل‭ ‬خارجي‭ ‬يُمارس‭ ‬لإخافة‭ ‬الآخرين،‭ ‬والثانية‭ ‬هي‭ ‬حالة‭ ‬داخلية‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬يعيشها‭ ‬الفرد‭.‬

الخوف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬ساحات‭ ‬الصراع‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليطول‭ ‬الكلمة‭ ‬نفسها،‭ ‬فكما‭ ‬يولد‭ ‬الإرهاب‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الذعر‭ ‬العام،‭ ‬يتسلل‭ ‬نوعٌ‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬نفس‭ ‬أي‭ ‬كاتب،‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«الرهاب‭ ‬الصحفي‮»‬؛‭ ‬ذلك‭ ‬الشعور‭ ‬الخفي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬القلم‭ ‬يتردد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخط‭ ‬رأيًا،‭ ‬أو‭ ‬يلين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصطدم‭ ‬بحقيقة‭.‬

في‭ ‬جوهر‭ ‬الفكرة،‭ ‬يقف‭ ‬الصحفي‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬معقدة،‭ ‬هل‭ ‬يكتب‭ ‬ما‭ ‬يعتقده‭ ‬حقًّا،‭ ‬أم‭ ‬ما‭ ‬يُرضي‭ ‬الجمهور‭ ‬والمسؤولين؟‭ ‬

والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬البعض‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬ألغام‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬المتوقعة‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؟

الرهاب‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬كما‭ ‬يُعرّف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬هو‭ ‬خوف‭ ‬مفرط‭ ‬من‭ ‬التقييم‭ ‬السلبي‭ ‬أو‭ ‬الحكم‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الانعزال‭ ‬والتردد‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة‭. ‬

وإذا‭ ‬نقلنا‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬إلى‭ ‬الحقل‭ ‬الصحفي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬قد‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نسخة‭ ‬مهنية‭ ‬منه؛‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬الهجوم،‭ ‬من‭ ‬التشويه،‭ ‬من‭ ‬اجتزاء‭ ‬رأيه،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬إساءة‭ ‬فهمه‭. ‬

هذا‭ ‬الخوف‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬تغذيه‭ ‬بيئة‭ ‬رقمية‭ ‬سريعة‭ ‬الاشتعال،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬جملة‭ ‬واحدة‭ ‬إلى‭ ‬قضية،‭ ‬ورأي‭ ‬إلى‭ ‬حملة‭ ‬قد‭ ‬تستهدف‭ ‬صاحبه‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬ظاهرة‭ ‬الابتزاز‭ ‬الإلكتروني‭ ‬كأداة‭ ‬ضغط‭ ‬صامتة‭ ‬لكنها‭ ‬فعّالة‭ ‬في‭ ‬تقييد‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬الرأي‭ ‬مؤيدًا‭ ‬أو‭ ‬معارضًا‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬تصبح‭ ‬الإشادة‭ ‬موضع‭ ‬شك‭ ‬واتهام‭ ‬بالمجاملة،‭ ‬بينما‭ ‬يُقابل‭ ‬النقد‭ ‬بوصفه‭ ‬إساءة‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعمّق‭ ‬حالة‭ ‬التردد‭ ‬ويحدّ‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬التعبير‭ ‬الصريح‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬يبدأ‭ ‬القلم‭ ‬في‭ ‬التكيّف،‭ ‬يختار‭ ‬كاتبه‭ ‬مفردات‭ ‬أكثر‭ ‬حذرًا،‭ ‬ويتجنب‭ ‬مناطق‭ ‬حساسة،‭ ‬وربما‭ ‬يفضل‭ ‬الصمت‭ ‬أحيانًا‭. ‬

هنا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الإرهابُ‭ ‬إرهابًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي،‭ ‬بل‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الإرهاب‭ ‬المعنوي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬الجماعة‭ ‬على‭ ‬الفرد،‭ ‬عبر‭ ‬التهديد‭ ‬المعنوي‭ ‬أو‭ ‬الإقصاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬حملات‭ ‬التشهير‭.‬

لكن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأعمق‭ ‬لا‭ ‬تكمُن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الجمهور،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬توقعات‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الصحافة‭ ‬نفسها‭. ‬

هناك‭ ‬تصورٌ‭ ‬راسخٌ‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الفئات‭ ‬بأن‭ ‬دور‭ ‬الصحافة‭ ‬هو‭ ‬تجميل‭ ‬الواقع،‭ ‬وتقديم‭ ‬‮«‬الصورة‭ ‬الوردية‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬وكأن‭ ‬النقد‭ ‬والمصارحة‭ ‬تهديدٌ‭ ‬للاستقرار‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬يصبح‭ ‬الكاتب‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭ ‬أحلاهما‭ ‬مرّ؛‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صادقًا‭ ‬فيدفع‭ ‬ثمن‭ ‬صراحته،‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬مُرضيًا‭ ‬فيفقد‭ ‬جوهر‭ ‬دوره‭.‬

الصحافة‭ ‬ليست‭ ‬وظيفة‭ ‬علاقات‭ ‬عامة،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يفرض‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬التعقيد؛‭ ‬فهناك‭ ‬خطوط‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة،‭ ‬وتوازنات‭ ‬دقيقة،‭ ‬ومساحات‭ ‬رمادية‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬داخلها‭ ‬بحذر‭.‬

الرهاب‭ ‬الصحفي،‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير،‭ ‬هو‭ ‬نتاجُ‭ ‬بيئة‭ ‬كاملة،‭ ‬ثقافة‭ ‬عامة‭ ‬لا‭ ‬تتقبل‭ ‬النقد‭ ‬بسهولة،‭ ‬منصات‭ ‬رقمية‭ ‬تُضخّم‭ ‬ردود‭ ‬الفعل،‭ ‬ومناخ‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬الحماية‭ ‬الكافية‭ ‬لصاحب‭ ‬الرأي‭. ‬لذا؛‭ ‬فإن‭ ‬معالجته‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بدعوة‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الجرأة‮»‬‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بإعادة‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬تقبل‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وتفصل‭ ‬بين‭ ‬الرأي‭ ‬والشخص،‭ ‬وتدرك‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬ليس‭ ‬تهديدًا‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬تصحيح‭.‬

التوتر‭ ‬سيظل‭ ‬شعورًا‭ ‬طبيعيًّا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواقف،‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬عند‭ ‬إلقاء‭ ‬خطاب‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬جمهور‭. ‬لكن‭ ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬رهابٍ‭ ‬دائمٍ‭ ‬يشلُّ‭ ‬القلمَ،‭ ‬ويجعل‭ ‬الكاتبَ‭ ‬يكتب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬يصمت‭ ‬حين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتكلم‭.‬

الصحافة،‭ ‬في‭ ‬أصلها،‭ ‬ليست‭ ‬صوتًا‭ ‬مريحًا‭ ‬دائمًا،‭ ‬بل‭ ‬ضميرًا‭ ‬يقظًا‭. ‬وإذا‭ ‬أصيب‭ ‬هذا‭ ‬الضمير‭ ‬بالرهاب،‭ ‬فإن‭ ‬الخسارة‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله،‭ ‬الذي‭ ‬يفقد‭ ‬مرآته‭ ‬الصادقة،‭ ‬ويكتفي‭ ‬بصورة‭ ‬مصقولة‭ ‬تخفي‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تُظهره‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا