الإرهاب والرهاب كلمتان بينهما جناس ناقص في عالم اللغة العربية، الأولى هي فعل خارجي يُمارس لإخافة الآخرين، والثانية هي حالة داخلية من الخوف يعيشها الفرد.
الخوف لم يعد حكرًا على ساحات الصراع المباشر، بل امتد ليطول الكلمة نفسها، فكما يولد الإرهاب حالة من الذعر العام، يتسلل نوعٌ آخر من الخوف إلى داخل نفس أي كاتب، يمكن وصفه بـ«الرهاب الصحفي»؛ ذلك الشعور الخفي الذي يجعل القلم يتردد قبل أن يخط رأيًا، أو يلين قبل أن يصطدم بحقيقة.
في جوهر الفكرة، يقف الصحفي اليوم أمام معادلة معقدة، هل يكتب ما يعتقده حقًّا، أم ما يُرضي الجمهور والمسؤولين؟
والحقيقة أن البعض يقع في براثن الخوف من الدخول في حقل ألغام ردود الفعل المتوقعة على منصات التواصل الاجتماعي؟
الرهاب الاجتماعي، كما يُعرّف في علم النفس، هو خوف مفرط من التقييم السلبي أو الحكم من الآخرين، وقد يؤدي إلى الانعزال والتردد وفقدان الثقة.
وإذا نقلنا هذا المفهوم إلى الحقل الصحفي، نجد أن الكاتب قد يعاني من نسخة مهنية منه؛ خوف من الهجوم، من التشويه، من اجتزاء رأيه، أو حتى من إساءة فهمه.
هذا الخوف لا يأتي من فراغ، بل تغذيه بيئة رقمية سريعة الاشتعال، إذ يمكن أن تتحول جملة واحدة إلى قضية، ورأي إلى حملة قد تستهدف صاحبه. وفي هذا السياق، برزت ظاهرة الابتزاز الإلكتروني كأداة ضغط صامتة لكنها فعّالة في تقييد حرية التعبير، سواء كان الرأي مؤيدًا أو معارضًا. وفي بعض الحالات، تصبح الإشادة موضع شك واتهام بالمجاملة، بينما يُقابل النقد بوصفه إساءة للمجتمع، وهو ما يعمّق حالة التردد ويحدّ من مساحة التعبير الصريح.
ومع تصاعد هذا الضغط يبدأ القلم في التكيّف، يختار كاتبه مفردات أكثر حذرًا، ويتجنب مناطق حساسة، وربما يفضل الصمت أحيانًا.
هنا لا يكون الإرهابُ إرهابًا بالمعنى التقليدي، بل نوعًا من «الإرهاب المعنوي» الذي تمارسه الجماعة على الفرد، عبر التهديد المعنوي أو الإقصاء الاجتماعي أو حملات التشهير.
لكن الإشكالية الأعمق لا تكمُن فقط في الخوف من الجمهور، بل في توقعات المجتمع من الصحافة نفسها.
هناك تصورٌ راسخٌ لدى بعض الفئات بأن دور الصحافة هو تجميل الواقع، وتقديم «الصورة الوردية» فقط، وكأن النقد والمصارحة تهديدٌ للاستقرار.
في مثل هذه البيئة، يصبح الكاتب أمام خيارين أحلاهما مرّ؛ إما أن يكون صادقًا فيدفع ثمن صراحته، أو يكون مُرضيًا فيفقد جوهر دوره.
الصحافة ليست وظيفة علاقات عامة، بل مسؤولية تجاه الحقيقة، غير أن الواقع يفرض طبقات من التعقيد؛ فهناك خطوط غير مكتوبة، وتوازنات دقيقة، ومساحات رمادية يتعين على الكاتب أن يتحرك داخلها بحذر.
الرهاب الصحفي، إن صح التعبير، هو نتاجُ بيئة كاملة، ثقافة عامة لا تتقبل النقد بسهولة، منصات رقمية تُضخّم ردود الفعل، ومناخ قد لا يمنح الحماية الكافية لصاحب الرأي. لذا؛ فإن معالجته لا تكون بدعوة الكاتب إلى «الجرأة» فحسب، بل بإعادة بناء منظومة تقبل الاختلاف، وتفصل بين الرأي والشخص، وتدرك أن النقد ليس تهديدًا بل أداة تصحيح.
التوتر سيظل شعورًا طبيعيًّا في بعض المواقف، كما يحدث عند إلقاء خطاب أو مواجهة جمهور. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا التوتر إلى رهابٍ دائمٍ يشلُّ القلمَ، ويجعل الكاتبَ يكتب ما لا يؤمن به، أو يصمت حين يجب أن يتكلم.
الصحافة، في أصلها، ليست صوتًا مريحًا دائمًا، بل ضميرًا يقظًا. وإذا أصيب هذا الضمير بالرهاب، فإن الخسارة لا تقع على الكاتب وحده، بل على المجتمع بأكمله، الذي يفقد مرآته الصادقة، ويكتفي بصورة مصقولة تخفي أكثر مما تُظهره.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك