اطلعنا باهتمام على المقابلة القيمة مع الأخ العزيز خالد الأمين حول الأمن الغذائي في مملكة البحرين، وما تضمنته من أفكار عملية ورؤى استراتيجية ومشاريع طموحة تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحديات التي تواجهها المنطقة في هذا الملف الحيوي، خاصة في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة التي أعادت ترتيب أولويات الدول، وجعلت من الأمن الغذائي قضية سيادية لا تقل أهمية عن الأمنين الاقتصادي والعسكري.
لقد سبق لنا أن تحدثنا في مرات عديدة حول هذا الموضوع كونه في غاية الأهمية مع تأكيدنا دائما ضرورة الانتقال من الخطاب التقليدي القائم على التحذير والتشخيص، إلى خطاب عملي قائم على المبادرة والحلول. ودعونا إلى بناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي، تبدأ من التخزين الاستراتيجي، مروراً بسلاسل الإمداد، وانتهاءً بالإنتاج المحلي، كون الأمن الغذائي لا يتحقق عبر إجراء واحد، بل من خلال شبكة مترابطة من السياسات والمشاريع.
ومن أبرز ما طُرح في المقابلة، تأكيد أهمية إنشاء صوامع حديثة لتخزين القمح كجزء من البنية التحتية الاستراتيجية، بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة التقلبات في الأسواق العالمية. هذا التوجه ليس جديداً على الدول المتقدمة، لكنه يكتسب أهمية خاصة في دول صغيرة منفتحة اقتصادياً مثل البحرين، إذ تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يجعلها أكثر عرضة لصدمات العرض العالمية.
الموضوع الأكثر أهمية الذي نؤكده دائما هو موضوع التكامل الخليجي في مجال الأمن الغذائي، وهو طرح في غاية الأهمية، إذ لا يمكن لأي دولة خليجية بمفردها أن تحقق الاكتفاء الكامل، لكن من خلال التنسيق وتوزيع الأدوار والاستثمارات المشتركة، يمكن بناء منظومة إقليمية أكثر كفاءة واستدامة. فالبحرين، بحكم موقعها وخبرتها التجارية، مؤهلة لتكون منصة لوجستية متقدمة ضمن هذه المنظومة، خاصة في مجالات التخزين وإعادة التوزيع.
ونحن نشيد في هذا المجال بسلسلة المبادرات التي اتخذتها دول المجلس ولا سيما المملكة العربية السعودية الشقيقة بعمل ممرات لوجستية بديلة من شواطئ البحر الأحمر إلى كافة دول التعاون، وهو ما أمن استقرارا كبيرا على سلاسل الامداد وتوفير الغذاء في الأسواق المحلية.
ونحن ننوه بأهمية ما طرحه السيد خالد الأمين وهو دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في رسم مستقبل الغذاء في المنطقة. هذه نقطة جوهرية، لأن التجارب العالمية أثبتت أن الحكومات تضع الأطر والسياسات، لكن التنفيذ الحقيقي والاستثمار والتوسع يأتي من القطاع الخاص، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية، والتقنيات الزراعية الحديثة، وسلاسل التوريد.
كذلك قضية تعزيز الإنتاج المحلي، خصوصاً في قطاعات مثل الدواجن والبيض، حيث تمتلك البحرين فرصاً حقيقية لرفع نسب الاكتفاء، ليس بهدف الانعزال، بل لتأمين حد أدنى من الاستقرار الغذائي. وهذا التوجه يتكامل مع السياسات الحديثة التي تمزج بين الإنتاج المحلي والانفتاح التجاري الذكي.
ومن النقاط المهمة التي يجب إبرازها هي إدماج مفاهيم الأمن الغذائي في المناهج التعليمية، وهي رؤية بعيدة المدى تعكس فهما بأن بناء الوعي المجتمعي هو الأساس لأي استراتيجية مستدامة. فالأمن الغذائي ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو سلوك وثقافة تبدأ من الفرد والأسرة.
كل ما سبق يؤكد أن البحرين ليست في موقع رد الفعل، بل في موقع الفعل والمبادرة. فالمشاريع المطروحة، والرؤية الواضحة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتوجه نحو التكامل الإقليمي، كلها مؤشرات على أن المملكة تسير في الاتجاه الصحيح.
نعم، التحديات كبيرة، والعالم يعيش حالة من عدم اليقين، لكن ما نراه من تخطيط واستشراف واستثمار في هذا الملف الحيوي يجعلنا نقول بثقة: البحرين بخير.. لأنها لا تنتظر الأزمات، بل تستعد لها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك