«إبليس» في الفيلم )فكرة تتسلل إلى الإنسان في لحظة ضعف لتقنعه بأن التنازل الأول بسيط)
ذاكرة السينما العربية خلّدت محمود المليجي وزكي رستم بوصفهما أبرز من جسّد أدوار الشر
كم مرة يبرر الإنسان لنفسه الخطأ لأنه يعتقد أنه مؤقت؟

هل يمكن أن نحب الشرير؟ سؤالٌ خطر ببالي وأنا أعيد، قبل أيام، مشاهدة فيلم “موعد مع إبليس”، بطولة الفنانين الكبيرين الراحلين محمود المليجي وزكي رستم.
كان هذا الفيلم قد دخل حياتي لأول مرة وأنا في السادسة عشرة من عمري، يومها شاهدته كما يشاهد أي مراهق فيلمًا مشوقًا؛ تابعت الأحداث، وانحزت إلى الخير، ورفضت الشر، ثم انتهت الحكاية بانتهاء شارة الفيلم.
لكن الحقيقة أن الفيلم لم ينتهِ يومها، بل ظل عالقًا في الذاكرة حتى عدت إليه بعد سنوات طويلة بوعي مختلف. هذه المرة لم أكن أبحث عن النهاية، بل عن المعنى. لم أعد أراقب البطل وحده، وإنما بدأت أقرأ الشخصيات، وأتأمل الصراع الذي يقدمه الفيلم بين الخير والشر؛ ذلك الصراع الذي لا يدور في الشوارع أو المحاكم، بل داخل النفس البشرية، حيث تبدأ الهزيمة الحقيقية.
هنا أدركت أن “موعد مع إبليس” فيلم مصري كلاسيكي، بمثابة عمل فلسفي يناقش الإنسان عندما يغويه المال، وتغريه السلطة، ويعميه الطمع فـ”إبليس” في هذا الفيلم ليس شخصيةً ذات قرنين وذيل، وإنما فكرة تتسلل إلى الإنسان في لحظة ضعف، فتقنعه بأن التنازل الأول بسيط، ثم تقوده خطوة بعد أخرى إلى أن يفقد ذاته، وهذه هي عبقرية الفيلم؛ فهو لا يخيفنا من الشيطان، بقدر ما يجعلنا نخشى ضعفنا نحن.
وسط هذا البناء الدرامي، كان محمود المليجي هو المفاجأة الحقيقية، لم يقدم الشر بوصفه صراخًا أو عنفًا أو بطشًا، بل قدّمه في صورة رجل هادئ، واثق، يعرف كيف يخاطب نقاط الضعف في الآخرين، لم يكن يفرض الشر بالقوة، بل يجعلك تقتنع به.. وهنا تكمن سر عبقريته؛ في نظرة عينيه، وفي ابتسامته الخاطفة، وفي ذلك الصمت الذي كان يقول أكثر مما تقوله الكلمات. كان حضوره وحده كافيًا ليمنح المشهد توترًا يجعل المشاهد يشعر بأن الخطر قد بدأ، حتى وإن لم يحدث شيء بعد.
ولم يكن محمود المليجي وحده من أبدع في تجسيد أدوار الشر على شاشة السينما المصرية، فهناك أيضًا عمالقة تركوا بصمات لا تُمحى في هذا النوع من الأدوار، مثل توفيق الدقن، وعادل أدهم، وزكي رستم، وصلاح قابيل، ويوسف شعبان، وفريد شوقي، ورياض الخولي، وغيرهم من الفنانين الذين أثبتوا أن تجسيد الشر يحتاج إلى موهبة لا تقل عن تجسيد البطولة، حتى أصبح كثير من هذه الشخصيات جزءًا من ذاكرة المشاهد العربي.
محور حديثي اليوم يدور حول “موعد مع إبليس”، لذا سيكون تركيزي على اثنين من أبرز نجومه.. محمود المليجي وزكي رستم، اللذين قدّما معًا واحدة من أهم الثنائيات في تاريخ السينما المصرية.
ما يميز الفيلم أنه لا يقدم الشر باعتباره قوةً خارجية تهاجم الإنسان، بل يجعله خيارًا يبدأ بإغراء صغير.. فالبطل لا يسقط فجأة، وإنما ينجرف تدريجيًا وهو يظن أن بإمكانه التراجع في أي لحظة، وهنا تتجلى القيمة الفكرية للفيلم؛ إذ يطرح سؤالًا لا يزال صالحًا حتى اليوم: كم مرة يبرر الإنسان لنفسه الخطأ لأنه يعتقد أنه مؤقت؟ وكم مرة يقنع نفسه بأن الغاية تبرر الوسيلة؟
هنا يصبح وجود المليجي ضرورة درامية، لأنه لا يؤدي دور الشرير التقليدي، بل يجسد الإغواء نفسه، أما زكي رستم، فيقف على الطرف الآخر من المعادلة، ليقدم شخصية تحمل ثقل الصراع الداخلي، وتكشف كيف يمكن للإنسان أن يتأرجح بين ضميره ورغباته، لذلك، فإن المواجهة بينهما لم تكن مجرد مواجهة بين شخصيتين، بل كانت مواجهة بين قيمتين.. النزاهة والإغراء، والضمير والطمع.
الفنان الكبير محمود المليجي والفنان القدير زكي رستم، كلاهما أسس مدرسة مختلفة في أداء الشخصيات الشريرة، فقد كان المليجي يعتمد على الصمت أكثر من الكلام، وعلى النظرة أكثر من الانفعال، بينما كان زكي رستم يعتمد على حضوره الطاغي، وصوته العميق، وهيبته التي تملأ الشاشة. اختلفت الأدوات، لكن النتيجة كانت واحدة؛ شخصيات لا تُنسى، وجمهور يكره أفعالها، لكنه يعشق من يجسدها.
وقد اجتمع العملاقان في أعمال أصبحت جزءًا من ذاكرة السينما العربية، مثل موعد مع "إبليس" و "الفتوة" و "رصيف نمرة 5" وفيلم "الأب"، كل تلك الأفلام قدمت لنا دروسًا في فن الأداء؛ إذ كان كل لقاء بين المليجي ورستم أشبه بحوار بين مدرستين كبيرتين، لا يطغى فيه أحدهما على الآخر، بل يدفع كل منهما الآخر إلى مزيد من الإبداع.
ورغم أن ذاكرة السينما العربية خلدتهما بوصفهما من أبرز من جسّد أدوار الشر، فإن الحقيقة كانت على النقيض تمامًا، فقد عُرف محمود المليجي بدماثة خلقه، وتواضعه، وانضباطه، واحترامه العميق لفنه، حتى غدا مثالًا للفنان المخلص لمهنته، ولم يكن رحيله أقل تأثيرًا من مسيرته؛ إذ غادر الحياة عام 1983 أثناء تصوير فيلم “أيوب”، في واقعة نادرة ومؤثرة، بعدما أنهى أحد مشاهده الذي دار حول الموت، ثم أسلم الروح داخل موقع التصوير، وكأنه ودّع الحياة من فوق خشبة الفن التي أفنى عمره في خدمتها.
أما الفنان الكبير زكي رستم، فقد كان بعيدًا كل البعد عن ملامح القسوة التي رسمها على الشاشة حيث عُرف بثقافته الواسعة، وهدوئه، وزهده في الشهرة والأضواء، واختار أن يعيش بعيدًا عن صخب الوسط الفني، مؤمنًا بأن الفنان الحقيقي تخلّده أعماله لا حضوره الإعلامي. وفي سنواته الأخيرة اعتزل التمثيل متفرغًا للقراءة، حتى رحل تاركًا وراءه إرثًا فنيًا ما زال حاضرًا في وجدان الجمهور.
بعد مشاهدتي الأخيرة للفيلم أدركت أن “موعد مع إبليس” فيلمًا يسلّط الضوء على تلك اللحظة التي يساوم فيها المرء ضميره، ويظن أنه قادر على العودة متى شاء، قبل أن يكتشف أن أخطر المعارك ليست مع الشر الذي يأتي من الخارج، بل مع الشر الذي يجد طريقه إلى الداخل، ولعل هذا هو سر خلود الفيلم، وسر خلود محمود المليجي وزكي رستم أيضًا. فقد جعلا من الشر أداةً لفهم النفس البشرية، لا وسيلة لإثارة الخوف، وأثبتا أن الفن العظيم لا يكتفي برواية الحكايات، بل يترك في داخلنا أسئلة تبقى حية، حتى بعد أن تُسدل الستارة بسنوات طويلة.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك