في مقابلة مطولة أجراها المستثمر العالمي المخضرم جيريمي غرانثام مع برنامج «The Diary of a CEO»، والتي حظيت باهتمام واسع في الأوساط الاقتصادية والمالية، عاد، وهو أحد أكثر المستثمرين شهرة في قراءة الفقاعات المالية، ليطلق تحذيراً جديداً قد يكون من أكثر تحذيراته إثارة للجدل. فغرانثام، الذي ارتبط اسمه بالتنبؤ المبكر بفقاعات اليابان، والدوت كوم، والعقار الأمريكي قبل أزمة عام 2008، يرى أن العالم يقف اليوم أمام مفارقة لافتة؛ فالذكاء الاصطناعي يمثل بالفعل ثورة تكنولوجية ستغير وجه الاقتصاد العالمي، لكن الحماس الاستثماري المحيط به قد يكون قد دفع أسعار كثير من الأصول إلى مستويات تتجاوز قيمتها الاقتصادية الحقيقية. ومن هنا يطرح السؤال الذي يشغل المستثمرين وصناع القرار على حد سواء: هل نحن أمام بداية عصر اقتصادي جديد، أم أمام فقاعة مالية جديدة قد تنتهي بتصحيح مؤلم؟
أهمية رأي غرانثام لا تأتي فقط من شهرته كمستثمر طويل الخبرة، بل من كونه أحد أبرز من حذروا مبكراً من فقاعات كبرى في التاريخ المالي الحديث، مثل فقاعة اليابان في أواخر الثمانينيات، وفقاعة الإنترنت، وفقاعة العقار والائتمان قبل الأزمة المالية العالمية في 2008، لذلك فإن تحذيره من أن الأسهم الأمريكية، وخصوصاً أسهم الذكاء الاصطناعي، قد دخلت مرحلة مبالغة شديدة، لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر أو رأي تشاؤمي تقليدي.
الأطروحة المركزية في حديث غرانثام بسيطة لكنها عميقة: الذكاء الاصطناعي قد يكون ثورة حقيقية، لكن ذلك لا يعني أن كل الأسعار الحالية عادلة أو قابلة للاستمرار. فقد تكون التكنولوجيا عظيمة، بينما يكون الاستثمار فيها عند مستويات مبالغ فيها خطأً مكلفاً. التاريخ المالي يعلمنا أن الابتكارات الكبرى كثيراً ما تخلق حماساً استثمارياً يتجاوز قدرة الواقع على اللحاق بالتوقعات. حدث ذلك مع السكك الحديدية، ومع الكهرباء، ومع الإنترنت، وقد يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي.
الفرق الجوهري بين التكنولوجيا والسوق أن الأولى تقاس بقدرتها على تغيير الإنتاج والمعرفة والسلوك الاقتصادي، أما الثانية فتقاس بالسعر والعائد والمخاطر. قد تكون شركة ما جزءاً من مستقبل واعد، لكن سهمها يصبح خطراً إذا تم تسعيره كما لو أن المستقبل مضمون بالكامل، وأن الأرباح ستأتي بسرعة وبلا منافسة وبلا تكاليف. هنا تقع الفقاعة: ليس في الإيمان بالتكنولوجيا، بل في تحويل هذا الإيمان إلى تبرير لأي سعر.
تبدو ملامح القلق واضحة في الأسواق الأمريكية. فالصعود الكبير خلال الفترة الأخيرة لم يكن واسعاً ومتوازناً، بل تركز بصورة لافتة في عدد محدود من شركات التكنولوجيا الكبرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة السحابية ومراكز البيانات. هذا التركّز يعني أن مؤشرات كبرى مثل S&P 500 وناسداك أصبحت أكثر حساسية لأداء عدد قليل من الشركات. فإذا تعثرت هذه الشركات، أو تباطأت أرباحها، أو تراجعت شهية المستثمرين تجاهها، فإن الأثر لن يبقى محصوراً في قطاع التكنولوجيا، بل قد يمتد إلى السوق الأمريكي والعالمي.
لكن في المقابل، يجب ألا يتحول تحذير غرانثام إلى قراءة تبسيطية تقول إن الانهيار حتمي وفوري. فالسوق قد يبقى مبالغاً في تقييمه لفترة طويلة. كما أن شركات التكنولوجيا الكبرى اليوم ليست كلها شركات ضعيفة أو بلا أرباح كما كان حال كثير من شركات الدوت كوم. بعضها يملك تدفقات نقدية ضخمة، واحتياطيات مالية، وقواعد مستخدمين عالمية، وقدرة هائلة على الاستثمار. ولذلك فإن المقارنة مع فقاعة الإنترنت صحيحة من حيث المزاج الاستثماري، لكنها ليست متطابقة من حيث قوة الشركات الأساسية.
المشكلة إذن ليست في وجود فقاعة شاملة بالمعنى التقليدي فقط، بل في وجود مزيج معقد: تكنولوجيا حقيقية، وشركات قوية، وتوقعات مفرطة، وأسعار مرتفعة، وتركيز استثماري خطير. وهذا المزيج يجعل السوق أكثر عرضة للتقلبات. فعندما تكون التوقعات منخفضة، تستطيع الشركات مفاجأة المستثمرين بسهولة، أما عندما تكون التوقعات مرتفعة جداً، فإن مجرد تحقيق نتائج جيدة قد لا يكون كافياً، لأن السوق ينتظر نتائج استثنائية بصورة دائمة.
بالنسبة للمستثمر الخليجي، لا تبدو هذه القضية بعيدة. فالصناديق السيادية، والبنوك، وشركات الاستثمار، والمحافظ العائلية الخليجية منخرطة بدرجات متفاوتة في الأسواق الأمريكية، سواء بصورة مباشرة أو عبر الصناديق العالمية. وإذا تعرضت أسهم التكنولوجيا لتصحيح حاد، فإن انعكاساته ستصل إلى المنطقة عبر انخفاض قيم المحافظ الاستثمارية، وتراجع شهية المخاطرة، وتشدد الأوضاع المالية العالمية.
الخلاصة أن حديث جيريمي غرانثام لا يمثل دعوة إلى الهروب من التكنولوجيا، بل دعوة إلى الفصل بين قيمة الابتكار وقيمة السهم. فالذكاء الاصطناعي سيظل، على الأرجح، أحد أعظم محركات النمو في العقود المقبلة، لكن الأسواق لا تكافئ دائماً من يشتري أفضل التكنولوجيا، بل تكافئ من يشتريها بالسعر المناسب. وبين الثورة التكنولوجية والفقاعة المالية قد تكون المسافة أقصر مما يظن كثيرون، ولذلك فإن الحكمة الاستثمارية اليوم لا تكمن في رفض الذكاء الاصطناعي ولا في الاندفاع وراءه، وإنما في التمييز بين المستقبل الحقيقي والحماس الذي يسبق هذا المستقبل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك